#تنزيه_زين_العابدين
(الحلقة الحادية
والعشرون)
ماذا قال الشيخ
"جويا جهانبخش" عن الأبيات المنسوبة؟
كما نبه الباحث الشيخ "جويا جهانبخش"[1] إلى خطر توظيف هذه الأبيات
الشعرية فقال:
قد تمّ الاستشهاد والتمثيل في بعض المؤلفات الشيعية المتأخِّرة بهذه
الأبيات عند ذكر الأسرار والحقائق السامية عند أهل البيت عليهم السلام، وكذلك في
بيان مقام حفظ الأسرار وكتمانها، مع نسبتها إلى الإمام زين العابدين عليه السلام
على القطع واليقين، أو على سبيل الشكّ والاحتمال، دون القيام بأيّ بحثٍ أو تمحيص
كافٍ في إثبات هذه النسبة.
وأبعد من ذلك أن يتمّ الاستشهاد ـ أحيانًا ـ بهذه الأبيات مباشرة،
إعدادًا للأرضية لتبرير بعض التوجُّهات العقائدية غير المتعارفة، والفهم التلويحي
لتلك الاتجاهات والعقائد بوصفها من أسرار الأئمة عليهم السلام أيضًا، بمعنى ذلك
السياق الذي كان فيه بعض الغلاة، مثل: الحافظ رجب البُرْسي، يحتفي بهذا النوع من
الروايات.
إن أحد الذين استشهدوا بهذه الأشعار في هذا الإطار قد طرح هذا السؤال
صراحةً، وقال: (ما هو ذاك الأمر الذي لو أظهره الإمام عليه السلام، أو غير
الإمام، لاتَّهمه العوام من المسلمين بالكفر وعبادة الأصنام؟)[2]. وبعد ذكر توضيحات وشروح
مطوَّلة، قال: (كلَّما دقَّقنا وأمعنَّا النظر في دراستنا لا نصل إلى غير أن
هذه الأمور تشير إلى التفوُّه والنطق بمقام الولاية وسلطة الأئمَّة -المعصومين
الأربعة عشر عليهم السلام-، والتكفُّل بأمور من قبيل: الخلق، وتولِّي شؤون التربية
والتعليم والرزق والإحياء والإماتة، وكلِّ نوع من أنواع السلطة المذكورة، والتي
تتلخَّص في حديث "النورانية")[3].
وطبقاً لهذه الرؤية فإن جواهر المعرفة التي يجب عدم كشفها لغير أهلها هي
أمورٌ من سنخ تلك المدَّعيات الغالية التي وجدت لنفسها متَّسعًا يحتضنها في الخبر
الموسوم بـ "النورانية"[4].
والحقُّ أنَّ مثل هذا الكلام المُجْمَل، حتّى إذا صحَّت نسبته إلى الإمام
المعصوم دون أدنى شبهةٍ أو شائبة؛ حيث إنه لم يتمَّ التصريح فيه بماهيَّة تلك
الأسرار التي لا يجب قولها، لا يصلح للاحتجاج على تأييد أو دعم العقيدة الكذائية
الخاصَّة. هذا أوّلاً.
وثانياً: لا يصحُّ أبدًا تفسيره بشكلٍ لا ينسجم مع محكمات الدين
والعقيدة، ولا يوافق التراث الموثوق لأهل البيت عليهم السلام أبدًا.
إن أصل أن تكون التعاليم الدينية ذات طبقات أعمق من أن يمكن للجميع بلوغ
كنهها، وأن أئمَّة الدين هم المفسِّرون والحملة للحقائق والأسرار التي لا طاقة
لكلِّ شخص على حملها والحفاظ عليها، كلامٌ صحيح ومقبول ومتين.
ولكنْ من الصحيح في الوقت نفسه أيضًا أنَّ هذه الأسرار الكامنة في صدور
الحافظين للأسرار، وتلك الطبقات العميقة من الحقيقة، ليست من سنخ المعارف والأمور
المخالفة والمتعارضة مع المحكمات العقلانية والوحيانية.
إذا كان الكتاب والسنَّة وأتباع مدرسة الكتاب والسنَّة ينتقدون عقيدة
الكنيسة في "التثليث" بشدَّةٍ، ولا يستوعبون تأويل وتحويل هذا
"التثليث" إلى "التوحيد"، فإنما يعود ذلك إلى
عدم انسجام هذا التأويل والتحويل مع "المحكمات" العقلية
والنقلية، وإلَّا فإن دعوى الكنيسة ذاتها تقوم على أن هذا "التثليث"
هو عين "التوحيد"، غاية الأمر أنّ هذه العينية إنما هي من مقولة
الأسرار والرموز الإيمانية، والتي تعود إلى "ما وراء العقل"!
إنَّ الانصياع لإمكان التعارض والصدام بين "طور ما وراء العقل"
وبين "المحكمات العقلانية" هو ذات الانصياع والرضوخ الاضطراري
لمثل هذه المفاسد الاعتقادية أيضًا!
إن الاعتقاد بـ "التثليث" ونظائره ثمارٌ فجَّة تنمو على
أغصان هذه الشجرة المستأصَلة، وحاشا لمسلمٍ أو عاقل أن ينسجم مع هذا النهج
والطريقة.
وحتّى لا نذهب بعيدًا فإنَّ هذه الأبيات التي تقدَّم ذكرها مجملةٌ. وإنَّ
الآراء الواردة في تفسيرها من قبل هذا أو ذاك هي من قبيل: الرجم بالغيب والظنِّ[5].
وعلى الرغم من إمكان العثور- من خلال الالتفات إلى القرائن والشواهد
المستندة إلى التراث الموثوق على فرض صحّة نسبة هذه الأبيات إلى الإمام زين
العابدين- على محامل معقولة لهذه الأبيات[6]، لابُدَّ في هذه العجالة من
طرح سؤال يحتلُّ الأولوية، قد تبلغ حدَّ "الفريضة" على حدِّ
تعبير المتقدِّمين، وهو: هل يمكن أن يكون قائل هذا الشعر هو الإمام زين العابدين
عليه السلام أم لا؟
إن الدراسة الأسلوبية والمضمونية لهذا الشعر، وإنْ لم تؤدِّ بنا إلى
نتيجةٍ قطعية في هذا الشأن، إلَّا أنها تدفع الأذهان على الدوام إلى هذه الحقيقة،
وهي أنَّ هذا الشعر وهذا النوع من المدَّعيات، قبل أن يكون قريبًا من لغة وبيان
كتب مثل: الصحيفة السجَّادية، وغيرها من الموروث الموثوق المنقول عن أهل البيت
عليهم السلام، يذكِّرنا بالكلمات الصوفية لأمثال: الحسين بن منصور الحلَّاج،
وشطحيات مشاهير الشخصيات وشيوخ الطريقة في عالم التصوُّف[7].
الخلاصة:
يتلخص ما ذكره الشيخ جويا جهانبخش في ثلاث محاور:
المحور الأول: خطر توظيف الأبيات لتبرير العقائد الغالية عند ذكر الأسرار
والحقائق السامية، ونسبتها إلى الإمام زين العابدين عليه السلام دون أي بحث أو
تمحيص في إثبات النسبة.
المحور الثاني: بطلان الاحتجاج بها شرعًا وعقلًا وذلك لسببين:
أولًا: هي مجملة لم يصرح فيها بماهية الأسرار، فلا تصلح للاحتجاج على
تأييد عقيدة خاصة.
ثانيًا: لا يصح تفسيرها بما لا ينسجم مع محكمات الدين والعقيدة ولا يوافق
التراث الموثوق لأهل البيت عليهم السلام.
المحور الثالث: الحكم على أسلوب ومضمون الأبيات بعد دراسة أسلوبية
ومضمونية، فالأبيات بعيدة كل البعد عن لغة الصحيفة السجادية وقريبة من كلمات
الحلاج وشطحيات شيوخ المتصوفة.
وبشكل مختصر نقول: هذه الأبيات يستخدمها الغلاة كغطاء لتبرير عقائدهم
الفاسدة، وهي مجملة لا يُحتَجُّ بها، وأسلوبها صوفي حلَّاجي لا علاقة له بالصحيفة
السجادية، فنسبَتُها للإمام السجاد" عليه السلام" باطلة.
#طالب_علم
[1] -
باحثٌ متخصِّصٌ في مجال الكلام والحديث. له دراساتٌ تحقيقيّة وتراثيّة قيِّمة.
(مجلة نصوص معاصرة، عدد 42-43، ص306).
[2] -
السيد أبو الفضل النبوي القمي، أمراء هستي (در حكومت جهارده معصوم عليه السلام بر
جميع موجودات) (مصدر فارسي): 281، انتشارات إسلامية، ط2، طهران، 1381هـ.ش. (الشيخ
جويا جهانبخش).
[3] -
المصدر السابق: 283.
[4] -
بعبارةٍ أخرى: هي ذات المدَّعيات التي أشار إليها العلَّامة محمد باقر المجلسي
رحمه الله أيضًا في بحار الأنوار 26: 17، ولفت الانتباه إلى عدم تناغمها وانسجامها
مع التراث الموثوق لأهل البيت عليهم السلام. (الشيخ جويا جهانبخش).
[5] -
من الملفت أنه حينما يتمُّ الحديث عن فتح الطريق أمام دخول المفاهيم الأجنبية إلى
الحريم المقدَّس للأفكار الإسلامية الأصيلة، ويُعتبر التمسُّك
بـ"المجملات" بوصفها ذريعة لفتح هذا الباب، يتمُّ الحديث في العالم
السنِّي أيضًا (انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، فصل: «قول أبي الفرج بن الجوزي في
الردِّ على الحنابلة») عن هذا الشعر المجمل، وخاصَّة استشهاد الغزالي وأمثاله بـ:
يا رُبَّ جوهر علم
لو أبوح به *** لقيل لي أنت ممَّن يعبد الوثنا
ولاستحل رجال
مسلمون دمي *** يرون أقبح ما يأتونه حسنا
بوصفه من الذرائع
للخروج عن الدين الصحيح والقويم، وهي ذرائع من خلال الاستشهاد بها يبدو ما
يدَّعونه "تحقيقًا" (معرفة الحقيقة العرفانية) و"علوم
الأسرار" ـ وهو في حقيقته ليس سوى بُعْدًا عن طريق الدين الصحيح، من خلال
القول به عمليًّا ـ أمرًا مُبرَّرًا.
[6] -
ذهب الأهدل الحسيني/857هـ، في كتابه (كشف الغطاء) إلى عدم صحَّة نسبة هذا الشعر
إلى الإمام السجاد عليه السلام. وعلى فرض صحَّة النسبة فإنَّ مضمون هذا الشعر ناظر
إلى التقية الاضطرارية؛ لأسباب سياسية، في مواجهة النفاق والفتن الناشئة عن سياسة
بني أمية...دون العوالم التي يجنح إليها خيال الصوفية أو المدَّعيات الغالية (التي
مالت إليها أذهان الآخرين في الغالب عند تفسير هذا الشعر!).
[7] -
مجلة نصوص معاصرة، العدد 42-43، مقال بعنوان" نقد الانتساب لأهل البيت"
للشيخ جويا جهانبخش، ص306-308.
