الجمعة، 14 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة السابعة والعشرون)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة السابعة والعشرون)

 

5- نقد نسبة الأبيات إلى الإمام الرضا عليه السلام:

 

وأما نسبتها إلى الإمام الرضا عليه السلام فقد ذكر ذلك نصر حامد أبو زيد في كتابه "هكذا تكلم ابن عربي" حيث قال: (وبالمثل يورد الشعر الذي سبق أن ذكرناه، والذي يُنسب إلى "الرِّضا" حفيد "علي بن أبي طالب":

يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به *** لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا

ولاستحلَّ رجال مسلمون دمي *** يرون أقبح ما يأتونه حَسَنا)[1].

 


أقول: لم يذكر نصر أبو زيد مصدرًا لهذا الادعاء في نفس الصفحة، ولكنه ذكر الأبيات نفسها قبل ثلاث صفحات نقلًا عن كتابي "تنزل الأملاك" و"الفتوحات المكية" لابن عربي بدون نسبة الأبيات إلى الإمام الرضا عليه السلام حيث جاء في المصدر: (وكما قال علي رضي الله عنه، حين علَّم النقلة: "إن هاهنا -وضرب على صدره بيده- لَعلومًا جمَّة، لو وجَدتُ لها حملة" وكما قال ابنه الذكي الحبر السني: يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به ...) إلى آخر البيتين الأخيرين[2]!

 


فلم يحدد ابن عربي من هو هذا "الابن الذكي الحبر السني" لأمير المؤمنين عليه السلام مما أوقع أتباعه في التخبط!

 الأمر الآخر هو الخلط بين "الرضي" و "الرضا" فقد جاء في الفتوحات المكية: (ولم يكن لقول الرضي من حفدة علي بن أبي طالب صلى الله عليه وسلم...) ثم ذكر الأبيات[3].

 

فهو هنا قد نسبها إلى "الرضي" وليس إلى الإمام الرضا عليه السلام، وقد حاول محمد الخواجوي في ترجمته للفتوحات المكية حل هذا الإشكال فقال: (إن الاحتمال الأول الذي يرد على الذهن أن يكون المراد هو الشريف "الرضيُّ"، الذي هو من السادة الموسوية الأجلّاء، ومن أحفاد أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام. بَيْدَ أني لم أعثر في أيِّ موضع من المواضع من ينسب هذه الأبيات إلى الشريف الرضيِّ،(و) الاحتمال الآخر أن يكون المراد هو الإمام "الرضا" عليه السلام، حيث يُلقَّب في الكثير من النصوص -والأغلبية الساحقة منها بطبيعة الحال من مؤلَّفات العامة، أي الذين ينتمون إلى ذات مذهب ابن عربي- بلقب "الرضيِّ" ولا يبعد أن يكون حَدَث خَلْطٌ عند ابن عربي بين "عليِّ بن موسى" الرضا/الرضيِّ عليه السلام و"عليّ بن الحسين" زين العابدين عليه السلام الذي يُنسب إليه هذا الشعر، والله أعلم)[4].

 

أقول: وضع الخواجوي احتمالان لكي يخرج من هذا الإشكال ثم مال إلى الاحتمال الثاني وعلَّل بوجود خلط عند ابن عربي بين لقب "الرضي" و"الرضا" من جهة، وبين الإمامين "علي بن الحسين" و"علي بن موسى" عليهما السلام من جهة أخرى، إلا أني أرى أنَّ سبب التخبط بين أتباع ابن عربي يعود لعاملين رئيسيين، وهما:

العامل الأول: عدم تحديد ابن عربي لاسمِ (الابن الذكي الحبر الكبير السَّنِيِّ) لأمير المؤمنين عليه السلام الذي نسب له الأبيات في كتابيه "تنزل الأملاك" و"مجموعة الرسائل"؛ الأمر الذي أوقع أتباعه وشُرَّاح كتبه في حيرة لتحديد الشخصية المقصودة. فبينما ذهب محقق "مجموعة رسائل ابن عربي" إلى أنه الإمام زين العابدين عليه السلام[5]، رأى نصر حامد أبو زيد أنه الإمام الرضا عليه السلام[6]، في حين ذهب نواف الجراح محقق "تنزل الأملاك" إلى أن المقصود هو ابن عربي نفسه[7]! ولعل هذا الإبهام هو ذاته الذي دفع البعض إلى نسبة الأبيات للإمام الحسن عليه السلام أيضًا؛ نظراً لعبارة ابن عربي التي تشير إلى ابنه (الكبير) حيث جاء في النص: (وكما قال ابنه الذكي الحبر الكبير السني...)[8]، فتوهَّموا أنه يقصد الإمام الحسن عليه السلام.

 

العامل الثاني: ذكره للقب (الرضي من حفدة علي بن أبي طالب)[9] في كتاب "الفتوحات المكية" دون أن يسبقها بلفظ "الشريف"، وهو ما أدى بالبعض إلى توهم أنه يقصد الإمام الرضا عليه السلام. ولعل هذا ما دفع الكيالي الشاذلي إلى إقحام لفظ "الإمام" قبل لقب "الرضي" في كتابه "الحقائق الإلهية في أشعار الفتوحات المكية" عند نقله للأبيات، فقال: "(قال "الإمام" الرضي من حفدة "الخليفة" علي بن أبي طالب رضي الله عنهما...)" ثم ذكر الأبيات[10].

 


بيْد أن ما يزيل هذا اللبس ويفصل في المسألة هو ما صرح به ابن عربي نفسه في كتابه "التدبيرات الإلهية" حيث قال: (ثم يؤيد قول هذا السيد -يقصد الجنيد- بقول الشريف الرضي حفيد علي بن أبي طالب رضي الله عنهما: إنِّي لَأكْتُمُ مِنْ عِلْمِي جَوَاهِرَهُ...) إلى آخر الأبيات[11].

 

فهو هنا يقطع الشك باليقين مؤكدًا أن الأبيات للشريف الرضي، وليست للإمام الرضا عليه السلام كما توهم الشراح، وبهذا الدليل يبطل القول بنسبتها إليه عليه السلام.

 

#طالب_علم

 


[1] - هكذا تكلم ابن عربي، نصر حامد أبو زيد، ص79.

[2] - هكذا تكلم ابن عربي، نصر حامد أبو زيد، ص76.

[3] - الفتوحات المكية، ابن عربي، ج1 ص32، طبعة دار صادر.

[4] - مجلة نصوص معاصرة العدد 42-43، مقال بعنوان: نقد الانتساب لأهل البيت عليهم السلام، الشيخ جويا جهانبخش، ص323 هامش رقم 38، نقلا عن الفتوحات المكية بترجمة محمد الخواجوي.

[5] - راجع الهامش رقم 6 من مجموعة رسائل ابن عربي، ج2 ص144، طبعة دار المحجة البيضاء.

[6] - هكذا تكلم ابن عربي، نصر حامد أبو زيد، ص79.

[7] - تنزل الأملاك لابن عربي، هامش ص22، طبعة دار صادر.

[8] - مجموعة رسائل ابن عربي، ج2 ص144، طبعة دار المحجة البيضاء، تنزل الأملاك، ابن عربي، ص13-14، طبعة دار الكتب العلمية.

[9] - الفتوحات المكية، ابن عربي، ج1 ص32، طبعة دار صادر.

[10] - الحقائق الإلهية في أشعار الفتوحات المكية، عاصم إبراهيم الكيالي، ص37

[11] - التدبيرات الإلهية، ابن عربي، بتحقيق الدكتور محمد الإدريسي الحسيني، ص80، إنشاء الدوائر، ص81، طبعة مكتبة الثقافة الدينية.

الخميس، 13 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة السادسة والعشرون)

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة السادسة والعشرون)

 

4- نقد نسبة الأبيات إلى الإمام الصادق عليه السلام:

 

وأما عن نسبة الأبيات إلى الإمام الصادق عليه السلام فقد صرَّح بهذا القول عبد القادر بن حمزة بن ياقوت الأهري في كتابه الأقطاب القطبية حيث قال: (وكما قال فيه علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: "إن بين جنبيَّ لعلمًا جمًّا، لو أبذُله أُقتل". ولذلك قال ابنه جعفر الصادق: (إنِّي لأكتُم من علمي جواهره * كيلا يرى العلم ذو جهل فيفتننا...) إلى آخر الأبيات[1].

ولم يذكر مصدرًا لهذا الادعاء.

 

وجاء في شرح الحكم العطائية للكيالي الشاذلي: (وروي عن الإمام الصادق قوله: يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به * لَقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا...) إلى آخر البيتين[2] .


ولكن الكيالي تخبَّط فنسبها في موضع آخر من الكتاب نفسه إلى الإمام زين العابدين عليه السلام
[3]!


فنسبة الأبيات إلى الإمام الصادق عليه السلام باطلة، لعدم استناد أيٍّ منهما إلى مصدر معتمد أو سند معتبر يثبت صدورها عن الإمام عليه السلام، ولِاضطراب ناقليها أنفسهم في عزوها.

 

والخلاصة: نسبة الأبيات إلى الإمام الصادق عليه السلام ساقطة سندً ومتنًا، وهي من إيرادات الصوفية المرسلة بلا أصل في تراث أهل البيت عليهم السلام.

 

#طالب_علم



[1] - الأقطاب القطبية أو البلغة في الحكمة، عبد القادري بن حمزة بن ياقوت الأهري، ص219-220.

[2] - اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية، عاصم الكيالي الشاذلي، ص13.

[3] - اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية، عاصم الكيالي الشاذلي، ص68.

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الخامسة والعشرون)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الخامسة والعشرون)

 

3- نقد نسبة الأبيات إلى الإمام زين العابدين عليه السلام:

 

وأما عن نسبة الأبيات إلى الإمام زين العابدين عليه السلام فقد جاء ذلك في كتاب "منهاج العابدين" المنسوب للغزالي المتوفى سنة 505 هـ[1]، حيث قال الكاتب: (ألَمْ تَسْمَعْ إِلى قَوْلِ زين الْعَابِدِينَ عليِّ بنِ الحُسَيْنِ بْنِ علي بن أبي طالب، رَضِيَ اللَّهُ عنهم، حيث يقول مضمنًا:

إِنِّي لأَكْتُمُ مِنْ عِلْمِي جَوَاهِرَهُ **** كَيْ لَا يَرَى الحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتَتِنا

وقَدْ تَقَدَّمَ فِي هُذَا أَبو حَسَنٍ**** إلى الْحُسَيْنِ وَأَوصَى قَبْلَهُ الحَسَنَا

يَا رُبَّ جَوْهَرِ عِلْمٍ لَوْ أَبُوحُ بِهِ**** لَقِيلَ لِي أَنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الوَثَنَا

وَلَا سْتَحَلَّ رِجَالٌ مُسْلِمُونَ دَمِي**** يَرَوْنَ أَقْبَحَ مَا يَأْتُونَهُ حَسَنَا)[2]


أقول: لم يذكر مؤلف "منهاج العابدين" -إن ثبتت نسبته للغزالي- مصدرًا ولا سندًا لما نقله، فأورد الأبيات مرسلة بلا عزو، فصار الكتاب أقدم مصدر معروف ينسب الأبيات إلى الإمام زين العابدين عليه السلام.

ومن جهة أخرى لا نجد هذه الأبيات في سيرة الإمام السجاد عليه السلام المروية في المصادر الشيعية الموثوقة، ولا وجود لها في كتب الحديث المعتبرة التي جمعت أحاديث المعصومين عليهم السلام وكلماتهم.

بل حتى بعض علماء أهل الخلاف نفوا نسبتها إلى الإمام السجاد عليه السلام، كما سيأتي في الحلقات القادمة.

 

#طالب_علم

 



[1] - أثار كتاب "منهاج العابدين" شكوكاً واسعة لدى عدد من الباحثين والمستشرقين حول صحة نسبته إلى الغزالي، بل ذهب بعضهم إلى الجزم بأنه كتابٌ منحول، فيما أثبته قسم آخر ضمن مؤلفاته، وسنعرض بعض أقوالهم خلال الحلقات القادمة.

[2] - منهاج العابدين، الغزالي، بتحقيق محمود مصطفى حلاوي، ص56.

الأحد، 9 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الرابعة والعشرون)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الرابعة والعشرون)

 

2- نقد نسبة الأبيات إلى الإمام الحسن عليه السلام:

 

وأما نسبة الأبيات إلى الإمام الحسن عليه السلام فقد جاء ذلك في "حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي" حيث قال: (وأما ما خُصَّ به صلّى اللّه عليه وسلّم من الأسرار ... وإليه أشار الحسن رضي اللّه تعالى عنه بقوله: يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا)[1].


وكذلك ديوان المثنوي بترجمة وشرح "إبراهيم الدسوقي شتا" حيث قال الشارح: (وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما: ورُبَّ جوهر علم لو أبوح به *** لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا)[2].

 

وهذه النسبة باطلة أيضًا للأسباب الآتية:

أولًا: لم يذكر أي منهما مصدرًا ولا سندًا لهذا الادعاء.

ثانيًا: الاضطراب عند الناقل: فقد تخبَّط شارح ديوان المثنوي إبراهيم الدسوقي ونسبها من جهة أخرى إلى الإمام زين العابدين عليه السلام في نفس الكتاب[3]!


الخلاصة: نسبة الأبيات إلى الإمام الحسن عليه السلام باطلة، لخلوها من الإسناد، ولتخبُّط من نسبوها إليه.

 

#طالب_علم

 

 



[1] - حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي، دار الكتب العلمية، ج3ص512، وفي طبعة دار صادر، ج3 ص263-264.

[2] - مثنوي، جلال الدين الرومي، شرح إبراهيم الدسوقي شتا، ج6 ص613

[3] - مثنوي، جلال الدين الرومي، شرح إبراهيم الدسوقي شتا، ج5 ص536.

السبت، 8 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثالثة والعشرون)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثالثة العشرون)

 

لمن تُنسب الأبيات الشعرية؟

 

لم تُنسب هذه الأبيات إلى شخصٍ واحدٍ بعينه، بل ترددت نسبتها بين اثني عشر قائلًا، وهذا الاضطراب في النسبة دليل قوي على عدم ثبوتها لأحد بعينه ووهنها.

فقد نُسبت الأبيات إلى كل من: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وإلى الإمام الحسن المجتبى، وإلى الإمام علي السجاد، وإلى الإمام جعفر الصادق، وإلى الإمام علي الرضا عليهم الصلاة السلام.

ونُسبت أيضًا إلى الشريف الرضي رحمه الله، وإلى حسين بن منصور الحلاج لعنه الله وأُدرجت الأبيات في ديوانه، ونسبت كذلك إلى الصوفي المعروف بلسان الدين بن الخطيب المغربي، وشيخ المتصوفة المعروف بمحيي الدين بن عربي وإمام الزيدية قاسم بن إبراهيم الرسي، والشاعر أبي عمرو كلثوم بن عمرو العتابي، والشاعر الأحنف العكبري وقد أُدرجت الأبيات في ديوانه الإلكتروني.

 

1-    نسبة الأبيات إلى أمير المؤمنين عليه السلام ونقدها:

 

وأما عن نسبتها لأمير المؤمنين عليه السلام، فقد ذكر ذلك الخليلي في مختصر الدر المكنون حيث قال الدكتور كمال مصطفى الشيبي في شرح ديوان الحلاج: (ونُسبت أيضا إلى علي بن أبي طالب في مختصر الدر المكنون للخليلي يحيى بن أحمد مخطوط المتحف العراقي...)[1]!

 وكذلك في كتاب " حل الرموز ومفاتيح الكنوز" لعز الدين عبد السلام المقدسي حيث قال: (وهذا علي بن أبي طالب يقول: "إن بين جنبي علماً لو قلته لخضبتم هذه من هذه، ويقول أيضاً رضي الله عنه:

إني لأعلم علمًا لو أبوح به *** لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا

ولاستباح رجال مسلمون دمي*** وكان أقبح ما يأتونه حسناً)[2].



وهذه النسبة باطلة، إذ لا تستند إلى مصدر معتمد ولا إلى سند معتبر إلى أمير المؤمنين عليه السلام، بل أوردها أصحابها مرسلة. ويزيد في بطلانها أنها لم تُروَ عن طريق أهل البيت عليهم السلام أصلًا، ولم ينسبها أحد من علماء الشيعة إليه، بل لم أجد أحداً من العرفاء المنتسبين للتشيع نسبها إليه.

 

وقد حاول الصوفي عبد الكريم الجيلي الجمع بين النسبتين فقال: (فلقد أشار إلى ما قال زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنهم: إني لأكتم من علمي جواهره...إلى آخر الأبيات) ثم قال بعدها مباشرة: (وتروى هذه الأبيات لعلي كرم الله وجهه)[3]!

ولم يذكر مصدرًا لكلا القولين!

 


وبذلك يتبين بطلان نسبة هذه الأبيات إلى أمير المؤمنين عليه السلام، لانقطاع سندها وفساد متنها، وكونها من وضعِ وإدراجِ الصوفية في كتبهم.

 

 #طالب_علم

 


[1] - شرح ديوان الحلاج، الدكتور كامل مصطفى الشيبي، ص507.

[2] - حل الرموز ومفاتيح الكنوز، بتحقيق الدكتور محمد بوخنيفي، ص158، وفي طبعة الجزيرة بعنوان: زبد خلاصة التصوف المسمى حل الرموز ومفاتيح الكنوز، العز بن عبد السلام، تحقيق محمد الشاغول، ص١١٥.

[3] - الكهف والرقيم، عبد الكريم الجيلي، تحقيق قاسم الطهراني، ص301، طبعة دار ومكتبة الهلال.

الجمعة، 7 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثانية والعشرون)


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثانية والعشرون)

 

ماذا قال الباحث نبيل الكرخي عن الأبيات المنسوبة؟


يضيف الباحث نبيل الكرخي إشكالًا أصوليًّا فيقول: أول إشكال أنّ صاحب الشِعر يتحدث عن كتمانه علمه لكيلا يفتن به الناس! وفي مقابل ذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلِّم الناس على قدر عقولهم)[1]. فلا كتمان للعلم والهدى بل إظهار له بحسب مستوى ذهن المتلقي، طبعًا عدا حالات التقيَّة، وهي بحث آخر.

وكتمان العلم مرفوض في الإسلام، نعم لا يُعطى العلم إلا لأهله، ولكن أن يتم التكتم عليه مطلقًا كما في الشِعر آنفًا، ولا يُعطى لأحد بذريعة أنه قد يسبب الافتتان وسوء الظن بالوثنية وغيرها، فهذا ما لا يقبله الإسلام لأنه جاء بشريعة واضحة بيِّنة محورها التوحيد الخالص.

قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}[2].

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}[3].

ونقرأ في بعض الروايات النهي عن كتمان العلم، وهو بخلاف مطلب هذه الأبيات الشعرية التي يدَّعي قائلها أنه يكتم علمه لكيلا يُتَّهم بالوثنية!! فعن رسول الله صلى الله عليه وآله: (إنّ عيسى بن مريم قام في بني إسرائيل فقال: يا بني إسرائيل لاتحدِّثوا بالحكمة الجُهَّال فتظلموها، ولاتمنعوها أهلها فتظلموهم، ولاتُعينوا الظالم على ظلمه فيبطل فضلكم) الحديث[4].

وفي نوادر الراوندي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنَّه قال: (من نكث بيعةً أو رفع لواء ضلالة أو كتم علمًا أو اعتقل مالًا ظلمًا أو أعان ظالمًا على ظلمه وهو يعلم أنَّه ظالم فقد برىء من الإسلام)[5].

وفي أمالي الشيخ الطوسي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (نَفَس المهموم لظلمنا تسبيح، وهمُّه لنا عبادة، وكتمان سرِّنا جهاد في سبيل الله)، ثم قال الإمام عليه السلام: (يجب أن يُكتب هذا الحديث بالذهب)[6]. فالإمام لا يكتم أسراره عن أتباعه بل الأتباع هم المُكلَّفون بكتمان سر إمامِهم عليه السلام فلا يُبرزونه أمام الطغاة والظالمين والنواصب، بخلاف ما ورد في الشِّعر الذي لا يبوح فيه الشاعر بأسراره!

والإشكال الآخر قوله إنه إذا أظهر علمه فسيُقال له أنه ممن يعبد الوثنا، وهذا يعني أن علمه ليس علم هدى، لأنَّ كلام الهدى هو الكلام المنسجم مع القرآن الكريم، ولذلك أمرنا أئمتنا الأطهار (صلوات الله عليهم) بعرض الروايات التي تصلنا والمنسوبة إليهم على القرآن الكريم فإن كانت حقاً لم تخالفه. وأمّا أن يقول شخص أنَّ عقيدته وعلمه إذا سمعتموهما فسيورث ذلك الرمي بالوثنية فهذا يعني أنها عقيدة فاسدة وعلم باطل.

طبعًا المتصوِّفة يؤولون كلام الشاعر بأنَّه يعني أنّ علمه ذو مضامين عالية لا يدركها إلا "خواص الخواص" من الناس، بحيث إنَّ الإنسان البسيط لو سمع هذا العلم لظن أنه شرك وأن قائله يعبد وثنًا!! مع أنّ القرآن الكريم وهو -كتاب الهدى للإنسانية جميعها- واضح في بيان عقيدة التوحيد ونبذ الشرك والوثنية بعبارات واضحة لا لبس فيها. فما جاء في الشعر من أنَّ المتلقي يُفهم من علمه الذي "لا يبوح به" أنّه مبني على عقيدة وثنية شركية وفق المقاييس الإسلامية (لقيل لي أنت ممَّن يعبد الوثنا) أو أنَّ المقابل يفهمه كعقيدة وثنية فيرفضها وهي حق بسبب كونها عقيدة توحيدية فهنا غدى الأمر خلاف المتعارف في الإسلام، حيث إنَّ الأصل في عقيدة المسلمين هي أنها عقيدة توحيدية فإذا شابتها شائبة شرك جلي أو خفي أصبحت عقيدة شركية!! أمّا هؤلاء المتصوِّفة أصبح عندهم (توحيد جلي)، وآخر (توحيد خفي) لا يعلمه إلا صاحب هذا الشعر!

وأمَّا أن يُقال إنَّ معنى العبارة هي كتمان العلم إلا عن أهله، فهذا لم يرد في الشعر، لأنه يقول (لو أبوح به لقيل لي أنت ممَّن يعبد الوثنا) فهو لم يبح به بل أشار اليه فقط وترك الناس حيارى في أمره!!

فالشاعر إنْ لم يبح بعلمه فهو كتمان للعلم، وهو منهي عنه، لاسيما كتمان العلم عن أهله. وإنْ باح بعلمه لبعض أصحابه ولم ينسبوه للوثنية فهو تكذيب لظنه المذكور في الشعر! وإن نسبوه للوثنية فهي نسبة وفق القواعد الإسلامية في الكتاب والسُّنَّة. وفي جميع الحالات هناك مفاسد لا يمكن أن تُنسب للمعصوم عليه السلام.

فهل يُعقل أنَّ الامام السجاد عليه السلام كان يكتم علمه الحقيقي عن تلاميذه وفيهم النابهون والأفذاذ؟

ويكشف الكرخي حيلة المتصوفة قائلًا: وهل جاء الإسلام لطمس وثنية قريش والعرب وسائر الأمم، أم لإحيائها بأشكال جديدة! فتصبح "الوثنية الجديدة المكتومة" هي الحق ويصبح التوحيد عقيدة ظاهرية غير حقيقية!! أم يا ترى توحيده قائم على صفات الوثنية، كأن يكون للإله حد وجهة وأنَّه لا يعلم ما يدور حوله في الكون، بل على حد تعبير الدكتور حسام الآلوسي وهو يشرح عقيدة أرسطو التي فهمها ابن رُشد أنَّ الإله ليس له أي دور في حركة الكون فهو ليس علَّة فاعليَّة لحركة الكون وإنما علّة غائية كمعشوق لحركة الكون نحوه! فكل شيء يدور ويتحرك نحوه، وهو لا يدري أن هناك من يعشقه ويتحرك ويُحرّك!! وإنما الأفلاك هي صاحبة العلَّة الفاعليَّة!! كفلك القمر والفلك المحيط وبقية الكواكب والأفلاك هي التي تتحرَّك وتحرِّك وتدير العالم!! هذه هي عقيدة أرسطو وابن رشد في الإله والتي انتقلت فيما يبدو إلى المتصوِّفين[7] الذين استثمروا هذا الشعر الساذج!! فترى المتصوِّفين المولوية أتباع جلال الدين الرومي الذين يرتدون ملابس دائرية وطرابيش ويرقصون بالدوران حول أنفسهم يحاكون بذلك حركة الكواكب التي تدور حول نفسها وأفلاكها بزعمهم أنها تتحرك نحو الإله لأنها تعشقه!! وهم يفعلون ذلك بظنهم أنه نوع من إبراز العشق للإله[8]!! وهي في حقيقتها وثنيَّات غنوصية تحاول الاستيلاء على الإسلام[9]. انتهى النقل.  

 

الخلاصة:

بنى الباحث نبيل الكرخي رده على إشكالين رئيسيين:

الإشكال الأول: كتمان العلم يصادم منهج الإسلام والثقلين، فالأصل هو البيان لا الكتمان المطلق، فالشعر يصور المعصوم كاتمًا للعلم مطلقًا وهذا مرفوض، فإذا كتمه فهو معصية، وإذا باح به فهو تكذيب للبيت الشعري!

الإشكال الثاني: نسبة الوثنية إلى علم المعصوم، فإذا أظهر علمه فسيُقال له "أنه ممن يعبد الوثنا"، وهذا يعني أنَّ علمه ليس علم هدى، لأنَّ كلام الهدى هو الكلام المنسجم مع القرآن الكريم، فكيف يكون علم المعصوم سببًا في اتهامه بالوثنية؟!

والنتيجة التي خلص إليها الكرخي في جميع الحالات أنَّ هنالك مفاسد في الأبيات الشعرية لا يمكن أن تُنسب للمعصوم عليه السلام.

 

#طالب_علم

 


[1] - الكافي، الكليني، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، ج1 ص23. (نبيل الكرخي).

[2] - سورة البقرة: آية 42.

[3] - سورة البقرة: آية 159.

[4] - الأمالي، الشيخ الطوسي، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة، ص382. (نبيل الكرخي).

[5] - النوادر، الراوندي، تحقيق سعيد رضا علي عسكري، ص128. (نبيل الكرخي).

[6] - الأمالي، الشيخ الطوسي، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة، ص115. (نبيل الكرخي).

[7] - رغم ما بين الفلاسفة والمتصوِّفة من خلاف، إلا أنَّ هدفهم الغنوصي واحد فيما يبدو! (نبيل الكرخي).

[8] - أزليَّة العالم ودور الإله عند ابن رشد / الدكتور حسام محي الدين الآلوسي، ص173. (نبيل الكرخي).

[9] - مقال بعنوان: افتراء صوفي على الإمام السجاد عليه السلام/ للكاتب نبيل الكرخي.