#تنزيه_زين_العابدين
(الحلقة العاشرة)
ما معنى قول
الشاعر: "أنت مِمَّن يَعبُدُ الوَثَنَا"؟
وأما ما جاء في البيت الثالث الذي أنشده المياحي:
يا رُبَّ جَوْهَرِ
عِلْمٍ لَوْ أَبُوحُ بِهِ **** لَقِيلَ لِي: أَنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الوَثَنَا
فـ"جوهر العلم" الذي يخشى العارف أن يُتهم بسببه بعبادة
الأوثان، فسره الطهراني قبل أسطر بأنه "وحدة الوجود". فانكشف
السر كاملًا، فإخفاء العارف للعلم ليس إلا إخفاءً لعقيدة وحدة الوجود، وكشف هذا
السر أدَّى إلى استحلال دمه، والسبب في ذلك أنه صرَّح بعقيدة كُفرية، وهذه العقيدة
جعلت المسلمين يصفونه بعبد الوثن، لأن الوثن في نظر الصوفية هو عين ذات الله!
(والعياذ بالله).
وهذا ما كشفه الآلوسي في تفسيره عند شرحه لهذا البيت حيث قال: (قالوا:
إنه رضي الله تعالى عنه عنى بهذا الجوهر الذي لو باح به لقيل له: أنت ممن يعبد
الوثن علم الوحدة إذ منه يعلم أن الوثن وكذا غيره مظهر له جل وعلا وليس في الدار
غيره ديار، وقد مرَّ عن قرب ما نقل عن الحلاج ومثله كثير للشيخ الأكبر قدس سره)[1]!
وتقدم كذلك تصريح الطهراني حينما ذكر حال سلمان المحمدي بقوله: (أنَّ
سلمان وصل إلى مرحلة من مراحل التوحيد لم يدركها أبو ذرٍّ بعد، لأنَّ ذلك التوحيد
في نظر أبي ذرٍّ عين عبادة الأصنام)[2]!
وكذلك قال في موضع آخر: (العلم هو العلم الجوهر... فكم من العلوم التي لو أظهرتها وبينتها لاتهمت بعبادة الأوثان والخروج عن الإسلام)[3]!
فالمقصود من (جوهر علمه) في هذا البيت -عند العرفاء- هو عقيدة
"وحدة الوجود"، فكل الأشياء -حتى الأوثان- هي عين ذات الله في
نظرهم! فإن كشفت هذا السر وقلت للناس بأن الوثن هو عين ذات الله، سيقال لك: (أنت
ممن يعبد الوثنا)!
وهذا هو السر الذي أخفاه علي المياحي حين ذكر الأبيات في المقابلة التي
أجراها على القناة الرابعة لكنه أشار إلى هذا السر في إحدى محاضراته حين تحدث فيها
عن معرفة الزهراء عليها السلام وقال بأنها تنقسم إلى قسمين رئيسين: معرفة الذات،
ومعرفة الآثار، ثم بدأ بتعريف الذات بذكر مثال صوفي يذكره المتصوفة للدلالة على
وحدة الوجود، وهو مثال الفراشة والشمعة ثم قال بعدها: (ولذلك قال الإمام السجاد
عن معارفه وعن نفسه وعن آبائه وأبنائه وأجداده قال: "إني لأكتم من علمي
جواهره...) إلى آخر الأبيات[4]!
وكذلك في كتابه "الفيض الإلهي" حين ذكر هذه الأبيات للحث على
الكتمان قد ربطها بحديث أمير المؤمنين عليه السلام: "إنَّ ههنا علمًا
جمًّا لو أبصرت له حملة"! وحديث: "لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان
لقتله ..." ثم جعل هذا كله مقدمة لبيان طريقة المتصوفة في السير والسلوك
وتقسيم مراحلها الثلاث وهي الشريعة والطريقة والحقيقة، ومعنى هذا أنك إذا طويت هذه
المراحل ووصلت إلى الحقيقة ستعرف حينها معنى "العلم المكتوم" في
الأبيات المنسوبة لذلك قال في تعريف الحقيقة: (هي أن يصل الإنسان إلى الله، أن
يفهم روح الدين، جوهر الدين)[5]!
فالمياحي هنا ربط الأبيات بالحقيقة الصوفية التي هي "الوصول إلى
الله وفهم جوهر الدين" -على حد تعريفه- وقد تقدم أنَّ "جوهر
الدين" عند الطهراني هو وحدة الوجود.
فيكون المياحي قد اعترف من حيث لا يشعر أنَّ سِرَّهُم هو وحدة الوجود،
لكنه يعبِّر عنه بالرموز والإشارات كما وصف كمال الحيدري حال أهل الأسرار!
#طالب_علم








