الجمعة، 7 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثانية والعشرون)


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثانية والعشرون)

 

ماذا قال الباحث نبيل الكرخي عن الأبيات المنسوبة؟


يضيف الباحث نبيل الكرخي إشكالًا أصوليًّا فيقول: أول إشكال أنّ صاحب الشِعر يتحدث عن كتمانه علمه لكيلا يفتن به الناس! وفي مقابل ذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلِّم الناس على قدر عقولهم)[1]. فلا كتمان للعلم والهدى بل إظهار له بحسب مستوى ذهن المتلقي، طبعًا عدا حالات التقيَّة، وهي بحث آخر.

وكتمان العلم مرفوض في الإسلام، نعم لا يُعطى العلم إلا لأهله، ولكن أن يتم التكتم عليه مطلقًا كما في الشِعر آنفًا، ولا يُعطى لأحد بذريعة أنه قد يسبب الافتتان وسوء الظن بالوثنية وغيرها، فهذا ما لا يقبله الإسلام لأنه جاء بشريعة واضحة بيِّنة محورها التوحيد الخالص.

قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}[2].

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}[3].

ونقرأ في بعض الروايات النهي عن كتمان العلم، وهو بخلاف مطلب هذه الأبيات الشعرية التي يدَّعي قائلها أنه يكتم علمه لكيلا يُتَّهم بالوثنية!! فعن رسول الله صلى الله عليه وآله: (إنّ عيسى بن مريم قام في بني إسرائيل فقال: يا بني إسرائيل لاتحدِّثوا بالحكمة الجُهَّال فتظلموها، ولاتمنعوها أهلها فتظلموهم، ولاتُعينوا الظالم على ظلمه فيبطل فضلكم) الحديث[4].

وفي نوادر الراوندي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنَّه قال: (من نكث بيعةً أو رفع لواء ضلالة أو كتم علمًا أو اعتقل مالًا ظلمًا أو أعان ظالمًا على ظلمه وهو يعلم أنَّه ظالم فقد برىء من الإسلام)[5].

وفي أمالي الشيخ الطوسي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (نَفَس المهموم لظلمنا تسبيح، وهمُّه لنا عبادة، وكتمان سرِّنا جهاد في سبيل الله)، ثم قال الإمام عليه السلام: (يجب أن يُكتب هذا الحديث بالذهب)[6]. فالإمام لا يكتم أسراره عن أتباعه بل الأتباع هم المُكلَّفون بكتمان سر إمامِهم عليه السلام فلا يُبرزونه أمام الطغاة والظالمين والنواصب، بخلاف ما ورد في الشِّعر الذي لا يبوح فيه الشاعر بأسراره!

والإشكال الآخر قوله إنه إذا أظهر علمه فسيُقال له أنه ممن يعبد الوثنا، وهذا يعني أن علمه ليس علم هدى، لأنَّ كلام الهدى هو الكلام المنسجم مع القرآن الكريم، ولذلك أمرنا أئمتنا الأطهار (صلوات الله عليهم) بعرض الروايات التي تصلنا والمنسوبة إليهم على القرآن الكريم فإن كانت حقاً لم تخالفه. وأمّا أن يقول شخص أنَّ عقيدته وعلمه إذا سمعتموهما فسيورث ذلك الرمي بالوثنية فهذا يعني أنها عقيدة فاسدة وعلم باطل.

طبعًا المتصوِّفة يؤولون كلام الشاعر بأنَّه يعني أنّ علمه ذو مضامين عالية لا يدركها إلا "خواص الخواص" من الناس، بحيث إنَّ الإنسان البسيط لو سمع هذا العلم لظن أنه شرك وأن قائله يعبد وثنًا!! مع أنّ القرآن الكريم وهو -كتاب الهدى للإنسانية جميعها- واضح في بيان عقيدة التوحيد ونبذ الشرك والوثنية بعبارات واضحة لا لبس فيها. فما جاء في الشعر من أنَّ المتلقي يُفهم من علمه الذي "لا يبوح به" أنّه مبني على عقيدة وثنية شركية وفق المقاييس الإسلامية (لقيل لي أنت ممَّن يعبد الوثنا) أو أنَّ المقابل يفهمه كعقيدة وثنية فيرفضها وهي حق بسبب كونها عقيدة توحيدية فهنا غدى الأمر خلاف المتعارف في الإسلام، حيث إنَّ الأصل في عقيدة المسلمين هي أنها عقيدة توحيدية فإذا شابتها شائبة شرك جلي أو خفي أصبحت عقيدة شركية!! أمّا هؤلاء المتصوِّفة أصبح عندهم (توحيد جلي)، وآخر (توحيد خفي) لا يعلمه إلا صاحب هذا الشعر!

وأمَّا أن يُقال إنَّ معنى العبارة هي كتمان العلم إلا عن أهله، فهذا لم يرد في الشعر، لأنه يقول (لو أبوح به لقيل لي أنت ممَّن يعبد الوثنا) فهو لم يبح به بل أشار اليه فقط وترك الناس حيارى في أمره!!

فالشاعر إنْ لم يبح بعلمه فهو كتمان للعلم، وهو منهي عنه، لاسيما كتمان العلم عن أهله. وإنْ باح بعلمه لبعض أصحابه ولم ينسبوه للوثنية فهو تكذيب لظنه المذكور في الشعر! وإن نسبوه للوثنية فهي نسبة وفق القواعد الإسلامية في الكتاب والسُّنَّة. وفي جميع الحالات هناك مفاسد لا يمكن أن تُنسب للمعصوم عليه السلام.

فهل يُعقل أنَّ الامام السجاد عليه السلام كان يكتم علمه الحقيقي عن تلاميذه وفيهم النابهون والأفذاذ؟

ويكشف الكرخي حيلة المتصوفة قائلًا: وهل جاء الإسلام لطمس وثنية قريش والعرب وسائر الأمم، أم لإحيائها بأشكال جديدة! فتصبح "الوثنية الجديدة المكتومة" هي الحق ويصبح التوحيد عقيدة ظاهرية غير حقيقية!! أم يا ترى توحيده قائم على صفات الوثنية، كأن يكون للإله حد وجهة وأنَّه لا يعلم ما يدور حوله في الكون، بل على حد تعبير الدكتور حسام الآلوسي وهو يشرح عقيدة أرسطو التي فهمها ابن رُشد أنَّ الإله ليس له أي دور في حركة الكون فهو ليس علَّة فاعليَّة لحركة الكون وإنما علّة غائية كمعشوق لحركة الكون نحوه! فكل شيء يدور ويتحرك نحوه، وهو لا يدري أن هناك من يعشقه ويتحرك ويُحرّك!! وإنما الأفلاك هي صاحبة العلَّة الفاعليَّة!! كفلك القمر والفلك المحيط وبقية الكواكب والأفلاك هي التي تتحرَّك وتحرِّك وتدير العالم!! هذه هي عقيدة أرسطو وابن رشد في الإله والتي انتقلت فيما يبدو إلى المتصوِّفين[7] الذين استثمروا هذا الشعر الساذج!! فترى المتصوِّفين المولوية أتباع جلال الدين الرومي الذين يرتدون ملابس دائرية وطرابيش ويرقصون بالدوران حول أنفسهم يحاكون بذلك حركة الكواكب التي تدور حول نفسها وأفلاكها بزعمهم أنها تتحرك نحو الإله لأنها تعشقه!! وهم يفعلون ذلك بظنهم أنه نوع من إبراز العشق للإله[8]!! وهي في حقيقتها وثنيَّات غنوصية تحاول الاستيلاء على الإسلام[9]. انتهى النقل.  

 

الخلاصة:

بنى الباحث نبيل الكرخي رده على إشكالين رئيسيين:

الإشكال الأول: كتمان العلم يصادم منهج الإسلام والثقلين، فالأصل هو البيان لا الكتمان المطلق، فالشعر يصور المعصوم كاتمًا للعلم مطلقًا وهذا مرفوض، فإذا كتمه فهو معصية، وإذا باح به فهو تكذيب للبيت الشعري!

الإشكال الثاني: نسبة الوثنية إلى علم المعصوم، فإذا أظهر علمه فسيُقال له "أنه ممن يعبد الوثنا"، وهذا يعني أنَّ علمه ليس علم هدى، لأنَّ كلام الهدى هو الكلام المنسجم مع القرآن الكريم، فكيف يكون علم المعصوم سببًا في اتهامه بالوثنية؟!

والنتيجة التي خلص إليها الكرخي في جميع الحالات أنَّ هنالك مفاسد في الأبيات الشعرية لا يمكن أن تُنسب للمعصوم عليه السلام.

 

#طالب_علم

 


[1] - الكافي، الكليني، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، ج1 ص23. (نبيل الكرخي).

[2] - سورة البقرة: آية 42.

[3] - سورة البقرة: آية 159.

[4] - الأمالي، الشيخ الطوسي، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة، ص382. (نبيل الكرخي).

[5] - النوادر، الراوندي، تحقيق سعيد رضا علي عسكري، ص128. (نبيل الكرخي).

[6] - الأمالي، الشيخ الطوسي، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة، ص115. (نبيل الكرخي).

[7] - رغم ما بين الفلاسفة والمتصوِّفة من خلاف، إلا أنَّ هدفهم الغنوصي واحد فيما يبدو! (نبيل الكرخي).

[8] - أزليَّة العالم ودور الإله عند ابن رشد / الدكتور حسام محي الدين الآلوسي، ص173. (نبيل الكرخي).

[9] - مقال بعنوان: افتراء صوفي على الإمام السجاد عليه السلام/ للكاتب نبيل الكرخي.

الخميس، 6 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الحادية والعشرون)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الحادية والعشرون)

 

ماذا قال الشيخ "جويا جهانبخش" عن الأبيات المنسوبة؟

 

كما نبه الباحث الشيخ "جويا جهانبخش"[1] إلى خطر توظيف هذه الأبيات الشعرية فقال:

قد تمّ الاستشهاد والتمثيل في بعض المؤلفات الشيعية المتأخِّرة بهذه الأبيات عند ذكر الأسرار والحقائق السامية عند أهل البيت عليهم السلام، وكذلك في بيان مقام حفظ الأسرار وكتمانها، مع نسبتها إلى الإمام زين العابدين عليه السلام على القطع واليقين، أو على سبيل الشكّ والاحتمال، دون القيام بأيّ بحثٍ أو تمحيص كافٍ في إثبات هذه النسبة.

وأبعد من ذلك أن يتمّ الاستشهاد ـ أحيانًا ـ بهذه الأبيات مباشرة، إعدادًا للأرضية لتبرير بعض التوجُّهات العقائدية غير المتعارفة، والفهم التلويحي لتلك الاتجاهات والعقائد بوصفها من أسرار الأئمة عليهم السلام أيضًا، بمعنى ذلك السياق الذي كان فيه بعض الغلاة، مثل: الحافظ رجب البُرْسي، يحتفي بهذا النوع من الروايات.

إن أحد الذين استشهدوا بهذه الأشعار في هذا الإطار قد طرح هذا السؤال صراحةً، وقال: (ما هو ذاك الأمر الذي لو أظهره الإمام عليه السلام، أو غير الإمام، لاتَّهمه العوام من المسلمين بالكفر وعبادة الأصنام؟)[2]. وبعد ذكر توضيحات وشروح مطوَّلة، قال: (كلَّما دقَّقنا وأمعنَّا النظر في دراستنا لا نصل إلى غير أن هذه الأمور تشير إلى التفوُّه والنطق بمقام الولاية وسلطة الأئمَّة -المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام-، والتكفُّل بأمور من قبيل: الخلق، وتولِّي شؤون التربية والتعليم والرزق والإحياء والإماتة، وكلِّ نوع من أنواع السلطة المذكورة، والتي تتلخَّص في حديث "النورانية")[3].

وطبقاً لهذه الرؤية فإن جواهر المعرفة التي يجب عدم كشفها لغير أهلها هي أمورٌ من سنخ تلك المدَّعيات الغالية التي وجدت لنفسها متَّسعًا يحتضنها في الخبر الموسوم بـ "النورانية"[4].

والحقُّ أنَّ مثل هذا الكلام المُجْمَل، حتّى إذا صحَّت نسبته إلى الإمام المعصوم دون أدنى شبهةٍ أو شائبة؛ حيث إنه لم يتمَّ التصريح فيه بماهيَّة تلك الأسرار التي لا يجب قولها، لا يصلح للاحتجاج على تأييد أو دعم العقيدة الكذائية الخاصَّة. هذا أوّلاً.

وثانياً: لا يصحُّ أبدًا تفسيره بشكلٍ لا ينسجم مع محكمات الدين والعقيدة، ولا يوافق التراث الموثوق لأهل البيت عليهم السلام أبدًا.

إن أصل أن تكون التعاليم الدينية ذات طبقات أعمق من أن يمكن للجميع بلوغ كنهها، وأن أئمَّة الدين هم المفسِّرون والحملة للحقائق والأسرار التي لا طاقة لكلِّ شخص على حملها والحفاظ عليها، كلامٌ صحيح ومقبول ومتين.

ولكنْ من الصحيح في الوقت نفسه أيضًا أنَّ هذه الأسرار الكامنة في صدور الحافظين للأسرار، وتلك الطبقات العميقة من الحقيقة، ليست من سنخ المعارف والأمور المخالفة والمتعارضة مع المحكمات العقلانية والوحيانية.

إذا كان الكتاب والسنَّة وأتباع مدرسة الكتاب والسنَّة ينتقدون عقيدة الكنيسة في "التثليث" بشدَّةٍ، ولا يستوعبون تأويل وتحويل هذا "التثليث" إلى "التوحيد"، فإنما يعود ذلك إلى عدم انسجام هذا التأويل والتحويل مع "المحكمات" العقلية والنقلية، وإلَّا فإن دعوى الكنيسة ذاتها تقوم على أن هذا "التثليث" هو عين "التوحيد"، غاية الأمر أنّ هذه العينية إنما هي من مقولة الأسرار والرموز الإيمانية، والتي تعود إلى "ما وراء العقل"!

إنَّ الانصياع لإمكان التعارض والصدام بين "طور ما وراء العقل" وبين "المحكمات العقلانية" هو ذات الانصياع والرضوخ الاضطراري لمثل هذه المفاسد الاعتقادية أيضًا!

إن الاعتقاد بـ "التثليث" ونظائره ثمارٌ فجَّة تنمو على أغصان هذه الشجرة المستأصَلة، وحاشا لمسلمٍ أو عاقل أن ينسجم مع هذا النهج والطريقة.

وحتّى لا نذهب بعيدًا فإنَّ هذه الأبيات التي تقدَّم ذكرها مجملةٌ. وإنَّ الآراء الواردة في تفسيرها من قبل هذا أو ذاك هي من قبيل: الرجم بالغيب والظنِّ[5].

وعلى الرغم من إمكان العثور- من خلال الالتفات إلى القرائن والشواهد المستندة إلى التراث الموثوق على فرض صحّة نسبة هذه الأبيات إلى الإمام زين العابدين- على محامل معقولة لهذه الأبيات[6]، لابُدَّ في هذه العجالة من طرح سؤال يحتلُّ الأولوية، قد تبلغ حدَّ "الفريضة" على حدِّ تعبير المتقدِّمين، وهو: هل يمكن أن يكون قائل هذا الشعر هو الإمام زين العابدين عليه السلام أم لا؟

إن الدراسة الأسلوبية والمضمونية لهذا الشعر، وإنْ لم تؤدِّ بنا إلى نتيجةٍ قطعية في هذا الشأن، إلَّا أنها تدفع الأذهان على الدوام إلى هذه الحقيقة، وهي أنَّ هذا الشعر وهذا النوع من المدَّعيات، قبل أن يكون قريبًا من لغة وبيان كتب مثل: الصحيفة السجَّادية، وغيرها من الموروث الموثوق المنقول عن أهل البيت عليهم السلام، يذكِّرنا بالكلمات الصوفية لأمثال: الحسين بن منصور الحلَّاج، وشطحيات مشاهير الشخصيات وشيوخ الطريقة في عالم التصوُّف[7].

 

الخلاصة:

يتلخص ما ذكره الشيخ جويا جهانبخش في ثلاث محاور:

المحور الأول: خطر توظيف الأبيات لتبرير العقائد الغالية عند ذكر الأسرار والحقائق السامية، ونسبتها إلى الإمام زين العابدين عليه السلام دون أي بحث أو تمحيص في إثبات النسبة.

المحور الثاني: بطلان الاحتجاج بها شرعًا وعقلًا وذلك لسببين:

أولًا: هي مجملة لم يصرح فيها بماهية الأسرار، فلا تصلح للاحتجاج على تأييد عقيدة خاصة.

ثانيًا: لا يصح تفسيرها بما لا ينسجم مع محكمات الدين والعقيدة ولا يوافق التراث الموثوق لأهل البيت عليهم السلام.

المحور الثالث: الحكم على أسلوب ومضمون الأبيات بعد دراسة أسلوبية ومضمونية، فالأبيات بعيدة كل البعد عن لغة الصحيفة السجادية وقريبة من كلمات الحلاج وشطحيات شيوخ المتصوفة.

 

وبشكل مختصر نقول: هذه الأبيات يستخدمها الغلاة كغطاء لتبرير عقائدهم الفاسدة، وهي مجملة لا يُحتَجُّ بها، وأسلوبها صوفي حلَّاجي لا علاقة له بالصحيفة السجادية، فنسبَتُها للإمام السجاد" عليه السلام" باطلة.

 

#طالب_علم



[1] - باحثٌ متخصِّصٌ في مجال الكلام والحديث. له دراساتٌ تحقيقيّة وتراثيّة قيِّمة. (مجلة نصوص معاصرة، عدد 42-43، ص306).

[2] - السيد أبو الفضل النبوي القمي، أمراء هستي (در حكومت جهارده معصوم عليه السلام بر جميع موجودات) (مصدر فارسي): 281، انتشارات إسلامية، ط2، طهران، 1381هـ.ش. (الشيخ جويا جهانبخش).

[3] - المصدر السابق: 283.

[4] - بعبارةٍ أخرى: هي ذات المدَّعيات التي أشار إليها العلَّامة محمد باقر المجلسي رحمه الله أيضًا في بحار الأنوار 26: 17، ولفت الانتباه إلى عدم تناغمها وانسجامها مع التراث الموثوق لأهل البيت عليهم السلام. (الشيخ جويا جهانبخش).

[5] - من الملفت أنه حينما يتمُّ الحديث عن فتح الطريق أمام دخول المفاهيم الأجنبية إلى الحريم المقدَّس للأفكار الإسلامية الأصيلة، ويُعتبر التمسُّك بـ"المجملات" بوصفها ذريعة لفتح هذا الباب، يتمُّ الحديث في العالم السنِّي أيضًا (انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، فصل: «قول أبي الفرج بن الجوزي في الردِّ على الحنابلة») عن هذا الشعر المجمل، وخاصَّة استشهاد الغزالي وأمثاله بـ:

يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به *** لقيل لي أنت ممَّن يعبد الوثنا

ولاستحل رجال مسلمون دمي *** يرون أقبح ما يأتونه حسنا

بوصفه من الذرائع للخروج عن الدين الصحيح والقويم، وهي ذرائع من خلال الاستشهاد بها يبدو ما يدَّعونه "تحقيقًا" (معرفة الحقيقة العرفانية) و"علوم الأسرار" ـ وهو في حقيقته ليس سوى بُعْدًا عن طريق الدين الصحيح، من خلال القول به عمليًّا ـ أمرًا مُبرَّرًا.

[6] - ذهب الأهدل الحسيني/857هـ، في كتابه (كشف الغطاء) إلى عدم صحَّة نسبة هذا الشعر إلى الإمام السجاد عليه السلام. وعلى فرض صحَّة النسبة فإنَّ مضمون هذا الشعر ناظر إلى التقية الاضطرارية؛ لأسباب سياسية، في مواجهة النفاق والفتن الناشئة عن سياسة بني أمية...دون العوالم التي يجنح إليها خيال الصوفية أو المدَّعيات الغالية (التي مالت إليها أذهان الآخرين في الغالب عند تفسير هذا الشعر!).

[7] - مجلة نصوص معاصرة، العدد 42-43، مقال بعنوان" نقد الانتساب لأهل البيت" للشيخ جويا جهانبخش، ص306-308.




الأربعاء، 5 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة العشرون)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة العشرون)

 

ماذا قال الشيخ الساعدي عن الأبيات المنسوبة؟



وقد نبَّه أهل العلم إلى بطلان نسبة هذه الأبيات إلى الإمام السجاد عليه السلام لأنها مخالفة لمنهج المعصومين عليهم السلام ولذلك قال الشيخ حسين الساعدي -أستاذ في حوزة النجف الأشرف- حول دلالة الأبيات المنسوبة:

ابتدأ صاحب الأبيات يتحدث عن كتمانه علمه لكيلا يفتن به الناس. "لو أبوح به لقيل لي أنت ممَّن يعبد الوثنا" وهذا خلاف منطق "الثقلين" إذ الثابت في الروايات المعتبرة المبذولة والواصلة إلينا "إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلِّم الناس على قدر عقولهم"[1] فلا مجال للكتمان إنما بيان بحسب القابل ومستوى ذهن المتلقي إلا في موارد التقية بقواعدها المقررة قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}[2].

 

والأخطر من ذلك أنَّ الأبيات تجعل من إظهار عقيدة الإمام السجاد عليه السلام سببًا لاتهامه بالوثنية ولذلك قال الشيخ الساعدي في الجواب على ذلك:

والإشكال المهم كيف يمكن جعل عقيدة الإمام المعصوم السجاد في دائرة التوبيخ بحيث إذا أظهرها فسيُقال له أنه "ممن يعبد الوثنا"، وهذا يعني فتح باب السؤال على نحو التجاسر هل الإمام السجاد عليه السلام عقيدته وعلمه تورث الخلل في ساحة التوحيد وتُأصِّل إلى عقيدة الوثنية؟!!!

ولا مجال لدعوى أنّ المراد أنّ علمه ذو مضامين عالية لا يدركها الإنسان البسيط ولو سمعها وقع منه الاتهام إذ بيان عقيدة التوحيد وفق منطق القرآن واضح لا شك فيه والمعصوم يجسد البيان القرآني وليس هنالك "توحيد خفي" لا يعلمه إلا صاحب هذه الأبيات فتمعّن[3]. انتهى النقل.

 

الخلاصة: إن نسبة هذه الأبيات للإمام السجاد عليه السلام باطلة لأنها:

أولًا: تخالف أمر المعصومين "عليهم السلام" بالبيان.

ثانيًا: تجعل توحيدهم سببًا للاتهام بالوثنية والعياذ بالله، وهذا محال في حق المعصوم عليه السلام.

 

#طالب_علم

 



[1] - الكافي الشريف، الكليني، ج1 ص23.

[2] - سورة البقرة:42.

[3] - الصوفية والتجاسر على الإمام السجاد عليه السلام، تقرير الجلسة الرمضانية للشيخ الساعدي في النجف الأشرف لعام 1445، بقلم الشيخ أحمد السوداني.

الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة التاسعة عشر)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة التاسعة عشر)

 

هل أوصى أمير المؤمنين عليه السلام بكتمَان التَّوحيد؟

 

بقي أن نردَّ على شبهة يُرددها العرفاء والمتصوفة للدلالة على انتساب هذه الأبيات إلى الإمام زين العابدين عليه السلام، وهي ما جاء في البيت الثاني الذي أنشده المياحي:

وقد تقدَّم في هذا أبو حسنٍ *** إلى الحسين ووصَّى قبله الحسنا

فيقول قائلهم: إذا كان قائل هذه الأبيات غير الإمام زين العابدين عليه السلام فما مناسبة ذكر هذه البيت من الشعر بينهم، كما أنَّ الفارق الزمني بين الأئمة عليهم السلام والحلاج وغيره من المتصوفة كبير جدا[1]؟!


والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:

أولًا: مخالفة الأبيات للأصول، فقد تبين مِمَّا تقدَّم أنَّ مضمون الأبيات مخالف للقرآن والسنة ومنهج المعصومين عليهم السلام، وموافق لذوق المتصوفة، فلا يصح نسبة ما يخالف أصول الدين إلى الإمام السجاد عليه السلام.

 

ثانيًا: عدم ثبوت النسبة، فلا يوجد مصدر شيعي أو غير شيعي مُعتمد يثبت نسبة الأبيات إلى الإمام السجاد عليه السلام. فكلُّ من نسبها إليه نقلها مرسلة بلا إسناد، والطريق المسند للأبيات ينسبها لغيره كما سيأتي.

 

ثالثًا: اضطراب النَّص، فأكثر المصادر التي ذكرت الأبيات لم تذكر البيت الثاني: "وقد تقدم في هذا أبو حسن... إلى آخره" فبعضهم ذكر البيتين الأخيرين فقط[2] وبعضهم ذكر ثلاثة أبيات بدون هذا البيت المعني[3]. وحتى بعض من نفى نسبة الأبيات ذكرها بصيغة المثنَّى فقال: (وقد شكك صاحب الناطق بالصواب في هذه النسبة وقال في البيتين الأخيرين: عزوهما إلى زين العابدين)[4]! ولذلك لا يُستبعد إدخال هذا البيت من قبل المتصوفة لربط الأبيات بالأئمة عليهم السلام.

 

رابعًا: ذِكرُ الأئمة عليهم السلام لا يثبت النسبة، فعلى فرض التسليم بوجود هذا البيت من الشعر ضمن الأبيات المنسوبة، فلا دلالة على انتساب هذه الأبيات للإمام السجاد عليه السلام، فيمكن لأي إنسان شيعي أو محب لأهل البيت عليهم السلام أن يقول هذا الكلام[5]، ولا يستلزم ذلك أن يكون حاضرًا في نفس الزمان.

وعلى سبيل المثال ما قاله السيد الحميري رحمه الله في شأن الغدير الأغر:

وقــَـام مـحـمَّدٌ بـِغـديرِ خُــمٍّ *** فَـنـَادى مُـعـلِنًا صَـوتًـا نـَدِيَّا

لــِمَـنْ وافَـــاهُ مـِــن عــَربٍ *** وعُجْمٍ وحَفُّوا حَوْلَ دَوحَتِهِ حِنِيَّا

ألَا مــَنْ كـُنـتُ مَـولاهُ فَـهَذا *** لــَهُ مـَولَـى وكــانَ بــِه حـَفِيَّا

إلـهـيْ عـادِ مَـنْ عـادَى عـَلِيًّا *** وكــُـنْ لـِوَلـِيـِّهِ مَـولًـى وَلـِيـَّا[6]

فهل كان السيد الحميري حاضرًا في غدير خُم؟ وهل سمع بنفسه ذلك القول من النبي صلى الله عليه وآله؟!

فكما صوَّر السيد الحميري ذلك الموقف والكلام النبوي وعبَّر عنه وهو لم يحضره، أيضًا يسعُ أهل الزيغ تدبيج وقائع وكلمات عن لسان أهل البيت عليهم السلام وصياغتها شعريًّا.

 

خامسًا: بطلان دعوى الوصية بكتمان التوحيد، حيث ادَّعى صاحب الأبيات أن أمير المؤمنين كتم "التوحيد الخفي" وأوصى ولديه بكتمانه. والسؤال: أين الرواية التي تأمر بكتمانِ التوحيد؟

مصادرنا مملوءة بخطب أمير المؤمنين في التوحيد من نهج البلاغة وغيره، ولم يكتم شيئًا. والقرآن ينهى عن كتمان الحق: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون}[7]. فإذا كان أمير المؤمنين لم يوصِ بكتمان التوحيد، ولم ينقل أحد هذه الوصية المزعومة، سقط الاستدلال بالبيت بالكامل.

 

#طالب_علم



[1] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3، هامش ص58.

[2] - روضة التعريف بالحب الشريف، ابن الخطيب السلماني، ص427.

[3] - إيقاظ الهمم في شرح الحكم، ابن عجيبة، ص188.

[4] - الصلة بين التصوف والتشيع، ج١ ص١٧١-١٧٢.

[5] - راجع مقالا بعنوان: افتراء صوفي على الإمام السجاد عليه السلام/ للكاتب نبيل الكرخي.

[6] - الغدير، العلامة الأميني، ج2 ص231.

[7] - سورة البقرة: آية 42.

الاثنين، 3 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثامنة عشر)


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثامنة عشر)

 

عبادةُ الأوثان على لسانِ الخُمينيِّ

 

يقول الخميني: (كل العالم من أعلى مراتب الوجود إلى أسفل سافلين هو لا شيء إذ إنَّ كل ما هو موجودٌ هو تعالى لا غير؟! فماذا يمكن أن يُقال عن الوجود المطلق- أي الله-؟! ولولا أمر الله وإذنه -جلّ وعلا- فربما لم يتحدث عنه بشيء أي من الأولياء، وإن كان كل ما هو موجود حديثًا عنه لا عن سواه! والكلُّ عاجز عن التمرُّد عن ذكره، فكلُّ ذكرٍ ذكرُه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ..}...فإنه – أي الله- هو الحمد والحامد والمحمود)[1]!


قوله: (فكلُّ ذِكرٍ ذِكرُه) و (هو الحمد والحامد والمحمود) يعني: حتى ذكر الأصنام هو ذكر الله، لأن كل شيء هو الله، ولذلك استشهد بالآية القرآنية: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} في مقام إثبات الحكم التكويني، وهذا عين عقيدة ابن عربي: أنَّ العبادة لا تقع إلا لله تكويناً!

 

وقد أكَّد ذلك ابنه مصطفى -وهو "ترجمان صادق وأمين لآراء والده ومعتقداته"[2]- بشكل أوضح.

ذكر في تفسيره: (أنّ العبادة لا تقع - بحسب التكوين وفي الأعيان والخارج - إلا لله تعالى، وذلك إما لأجل أنَّ الظاهر إرادة حصر العبادة فيه- أي الله- أينما تحققت، فنعبده ولا نعبد غيره، لا على وجه الاختيار، بل سواء كان بالاختيار أو كان لا بالاختيار، وسواء كان بحسب الظاهر معبوده غيره، أو كان هو تعالى اسمه، أو لأجل أن السالك كلما تميز شيئًا للعبادة فهو غيره تعالى، ومع ذلك تكون العبادة له تعالى، فيعلم من ذلك أنَّ جميع العبادات تقع له تعالى، أي أنَّ السالك يتصوَّر حال الخطاب ما ليس هو هو، ومع ذلك يُعدُّ فعله عبادته تعالى، أو لأجل أنَّ ضمير الجمع للاستيعاب، أي إياك نعبد أنا وجميع العابدين، فتكون الآية الشريفة دليلًا على أنه تعالى كل الخيرات، وأنَّ بسيط الحقيقة كل الأشياء وإن كان ليس بشيء من حدودها الناقصة الراجعة إلى أنفسها، وإلى ذلك يشير ما عن ابن عباس: أنَّ القضاء في قوله تعالى: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إيَّاه} تكويني)[3]!

 

ثم ختم كلامه بشعر بالفارسية ترجمته:

أيها المؤمن لو كنت تعلم ما الوثن **** لأيقنت بأن الدين في عبادة ذاك الوثن!

 


فصريح كلامه هو: (أنَّ العبادة لا تقع...إلا لله تعالى ...أينما تحققت) وهذا يعني حينما تعبد الصنم فأنت في الواقع تعبد الله شئت أم أبيت، ولذلك ختمَ ببيت الشعر: (الدين في عبادة الوثن)!

 

وهذا ما يخفيه العارف عن الناس لكي لا يقال له:"أنت مِمَّن يعبدُ الوثنا"!

 

الخلاصة: هذه النماذج التي عرضناها -في هذه الحلقة والحلقات الماضية- تكشف بوضوح ما تعمَّد الطهراني طمسه بالخلط الفاحش بين المعنى الظاهر للبيت "لَقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا" وبين عقيدة العرفاء الباطنة التي قرروها في كتبهم، فالبيت لا يُفهم إلا في ضوء عقيدة "وحدة الوجود" التي تجعل عبادة الوثن عبادة لله، ولهذا يكتمونها لكي لا يُقال لهم: "أنت مِمَّن يعبدُ الوثنا"!

 

#طالب_علم



[1] - وصايا عرفانية، ص44، مقدمة كتاب سر الصلاة، ص40.

[2] - أسرار ملكوتية وإشراقات عرفانية، الشيخ رضوان فقيه، ص 7.

[3] - تفسير القرآن الكريم، مصطفى الخميني، ج2 ص32-33.