الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الحادية والثلاثون)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الحادية والثلاثون)

 

9- نقد نسبة الأبيات إلى الأحنف العكبري:

 


وأما نسبتها إلى الشاعر أبي الحسن عقيل بن محمد العكبري -من أهل عكبرا ببغداد- المعروف بـ"الأحنف العكبري" المُتوفى سنة 385هـ، جاء ذلك في موقع "الديوان" حيث نسبت إليه الأبيات الشعرية وأدرجت ضمن ديوانه في الموقع[1] وكذلك موقع البيت العربي[2]، وموقع موسوعة الأدب العربي[3]، وموقع عالم الأدب[4] وغيرها، ولكن بمراجعة النسخة المطبوعة من الديوان بتحقيق سلطان بن سعد السلطان وجدناها -رغم إضافتها ضمن تسلسل القصائد للشاعر- قد نسبت إلى الإمام الصادق عليه السلام حيث جاء في المصدر قول الحسن بن شهاب: وقال -أي الأحنف-: (ويُرْوَى للصادق عليه السلام:

إني لأكتم من علمي فواضلَه **** كي لا يرى العلم ذو جهل فيفتتنا

وقد تقدَّم في هذا أبو الحسن **** إلى الحسين ووصّى قبله حسنا

يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به **** لقيل إنك ممَّن يعبد الوثنا)[5].

 


 أقول: هناك إشكالات حول هذه النسبة وتناقض صريح في الديوان، فمن العجيب أن تضاف في الديوان أبيات شعرية لغير الشاعر، لأنَّ كل الأشعار الموجودة فيه هي للشاعر الأحنف العكبري، حيث جاء في خاتمة الديوان: (قال الحسن بن شهاب بن علي بن شهاب عفا الله عنه: هذا آخر ما وُجِدَ من شعر الأحنف العكبري)[6].

فالراوي يؤكد أن كل ما في الديوان هو شعر الأحنف فقط، فكيف تُضاف أبيات "يُروى للصادق عليه السلام" ضمنه وترقَّم ضمن شعره؟!

وقد كان الراوي -الحسن بن شهاب- حريصًا على شعر الأحنف يدونه ويحفظه، وكان يكتب إليه يسأله عن جديده، ويستحثه إلى أن يرسل له شعره[7].

ولذلك من العجيب أن تضاف أبيات شعرية في الديوان لا تخص الشاعر وتُجعل ضمن أبيات الشاعر ثم يرقِّمها المحقق بالرقم التسلسلي (793) للأبيات!

 

 نعم، صحيح أن هناك بعض الأبيات في الديوان قد نسبت إلى غير الأحنف كقوله ضمن قصيدة طويلة:

بغداد دار لأهل المال طيبة **** وللمفاليس دار الذل والضيقِ

أمسيت فيها مضاعًا بين ساكنها**** كأنني مصحف في بيت زنديقِ

فإنَّ هذين البيتين قد نُسبا إلى شخص آخر أيضا حيث قال المحقق في الهامش: (نسب هذا البيت والبيت الثامن في المصادر الأدبية إلى عبد الوهاب المالكي...)[8].

وقوله أيضاً:

ألِفتُ التغرُّب والغُربة **** فِي كُل يَومٍ أَخَا تُربة

وهذا البيت نُسب إلى غيره أيضاً فقد علَّق عليه المحقق في الهامش بقوله: (ورد هذا البيت وآخران غيره في فوات الوفيات"1/65" منسوبة إلى المعتمد على الله)[9].

وقد تكرر ذلك لأبيات شعرية كثيرة في الديوان[10] ولكنها من نظم الشاعر يرويها عنه الحسن بن شهاب مباشرة في الديوان، إلا أنّ العجيب هو أن تضاف في الديون أبيات لا تخص الشاعر كما تقول النسخة المطبوعة!

فلا أدري هل القائمون على المواقع نقلوا من الديوان المطبوع فتوهَّموا أنَّ الأبيات للأحنف لوجودها ضمن الترقيم، أم أنهم اطلعوا على المخطوط ولم يجدوا عبارة "يروى للصادق عليه السلام" فأثبتوها للأحنف؟!

أم أن الناسخ -وهو محمد بن علي الكاتب- اشتبه ونسب الأبيات للإمام الصادق عليه السلام، بأن يكون (مثلا) كاتب المخطوط قد كتب: (قيل أنها تُروى للصادق) في الهامش، فأدخلها الناسخ في صلب النص؟! أم أنه تصرف من نفسه وأدخل الأبيات في الديوان؟!

فإن قلنا بأنَّ جامع الديوان قد نسب الأبيات للإمام الصادق عليه السلام كما جاء في النسخة المطبوعة، فهنا نسأل: لماذا لم يروِ جامع الديوان أشعارًا أخرى لشعراء آخرين ثم يضيفها إلى الديوان كما فعل مع هذه الأبيات؟!

فنحن بين أمرين لا يستقيمان:

إمَّا أن تكون الأبيات للشاعر الأحنف العكبري، وهنا نسأل: من أضاف عبارة "ويُروى للصادق عليه السلام...

وإمَّا أن تكون الأبيات ليست للأحنف العكبري، وهنا نسأل: كيف يضاف إلى الديوان أبيات لا تخص الشاعر ولا تُنسب إليه وتُرقَّم ضمن تسلسل أشعاره؟!

فإما هي للأحنف وأُقحمت فيها النسبة للصادق عليه السلام، وإما ليست له وأُقحمت في ديوانه، وفي الحالتين النسبة ساقطة.

وهذا ما يدعو إلى احتمال وقوعهم في الاشتباه والخطأ -إذا ما أحسنّا الظن بهم- وذلك لأنه النسخة الخطية قديمة جدًّا وهذا ما سبَّب صعوبة في قراءة كثير من نصوصها حيث يقول المحقق: (وعمر المخطوطة يزيد على ثمانمائة سنة، وهذا العمر الطويل أثر عليها، ففقد من أولها أوراق متعددة، شملت قافية الهمزة وجزءًا من قافية الباء، وفي آخر الديوان اختلطت قافية الميم مع النون)[11]!

 

وقال أيضًا: (كما أثرت الأرضة على باقي الأوراق ولكنه كان تأثيرا خفيفًا، لم يؤثر على قراءة المخطوط إلا في القليل، أما البلل فقد أصاب الأوراق الأخيرة منها، فمنع من قراءة بعض الكلمات، وزاد الأمر سوءًا محاولة أحدهم إصلاح ما أفسده البلل بإعادة كتابته، ولكنه لم يكن خبيرا، فجاءت محاولته كالطمس)[12]!

وقال في مقدمة الديوان: (وقد واجهتُ صعوبات شتَّى في التحقيق، إذ الاعتماد على نسخة واحدة يجعل الأمر شاقًّا وعسيرًا، إضافة إلى ما حدث للنسخة من آفات الكتب، وأسوأها بلل من سائل لعله حبر وقع في آخرها، طمس بعض الأبيات وكلماتها، وجاء أحد النساخ وحاول التعديل والإصلاح، فلم يوفق في ذلك، فأحدث تحريفًا في تلك الأبيات، ولم يسلم منها إلا القليل)[13]!

ولذلك صعب على المحقق قراءة الأشعار وكلماتها فقال تحت عنوان خطوات التحقيق: (وضعت ملحقا في آخر الكتاب فيه صور للكلمات أو الأبيات التي لم أستطع قراءتها أو حرف فيها الناسخ أو المصحح)[14]!

 

فترى أخي القارئ ما تعرضت له المخطوطة من فقدان بعض الأوراق واختلاط قافية الميم والنون وأثر الأرضة والبلل عليها وزاد على ذلك تحريف الناسخ أو المصحح باعتراف المحقق الذي هو أيضًا حذف كلمات كثيرة من الديوان بحجة أنها "غير لائقة" أو "غير مناسبة"[15]!

وهذا خلاف الأمانة العلمية التي تقتضي من المحقق نقل النص كما هو من غير تغيير أو حذف، فإنَّ إخفاء ما قاله الشاعر من كلمات غير لائقة هي محاولة لحجب جانب من جوانب سلوك الشاعر، ونقلها لا يعيب المحقق فناقل الكفر ليس بكافر.

والعجيب أنَّ المحقق تشدَّق بالأمانة العلمية في مقدمة الديوان بقوله: (إذ الأمانة العلمية تقتضي أن أنشر الديوان كما وصل إلينا)[16]!

ولهذا لا يبعد أن يكون المحقق خلال بحثه عن الأبيات وجد أن بعضهم قد نسبها إلى الإمام الصادق عليه السلام وبعضهم نسبها إلى الإمام زين العابدين عليه السلام، فيُحتمل أنَّ المحقق نسبها للإمام الصادق عليه السلام اجتهادًا منه، خصوصًا أنه ذكر في الهامش: (وقد نّسب هذا البيت وآخر معه إلى زين العابدين رحمه الله)[17]، كما أنه علل سبب تصرُّفه في بعض النصوص بأنها وهم أو خطأ حيث قال عند عنوان خطوات التحقيق: (حاولت قراءة النص قراءة صحيحة، وأصلحت ما وجدته من خطأ أو وهم)[18]!

 

وإذا ما أحسنَّا الظن به بسبب عدم استطاعته قراءة المخطوطة لأنه ذكر أنَّ شطرًا من الأبيات محل البحث هي واحدة من النصوص التي لم يستطع قراءتها بسبب التحريف وعدم الوضوح فلعل هذا هو السبب الذي جعله يشتبه وينسبها إلى الإمام الصادق عليه السلام لذلك قال في الهامش: (هذا الشطر مُحرَّف في الأصل، انظر الصورة رقم "٤٧"، والتعديل من الكشكول "٣٠٦/٢")[19]!

وعلى الرغم من أنَّ المحقق اعتمد على كتاب الكشكول للعاملي لتصحيح العبارة المحرفة من الأبيات، وهذا الأخير ينسبها إلى الإمام زين العابدين عليه السلام، إلا أنَّ الديوان المطبوع ينسبها إلى الإمام الصادق عليه السلام، فلعله اعتمد على بعض المصادر الصوفية في نسبتها إليه وإن لم يصرِّح بذلك.

وقد راجعت قسم الصور فوجدت الوثيقة المحرفة برقم "46" وليس "47" كما ذكر المحقق وكانت فعلًا غير واضحة ويصعب قراءة البيت الشعري من أثر العوامل التي طرأت على المخطوطة، وهو البيت الثالث من القصيدة:

يا رب جوهر علم لو أبوح به **** لقيل إنك ممَّن يعبد الوثنا[20].

 


ولكن الصورة مقطوعة لا تعرض الأبيات السابقة لهذا البيت ولا عبارة "ويُروى للصادق عليه السلام..."، ولذلك نحتاج الرجوع إلى النسخة المخطوطة من الديوان[21]، لأن المواقع الشعرية التي نقلت هذا الأبيات لم تذكر هذه العبارة أبدًا، بل نسبة الأبيات للأحنف العكبري مباشرة.

فإما أنَّ المواقع نقلت من المطبوع فتوهمت أنها للأحنف لوجودها ضمن الترقيم، وإما اطلعوا على المخطوط ولم يجدوا عبارة "يُروى للصادق عليه السلام" فأثبتوها للأحنف.

 

الخلاصة: نسبة الأبيات إلى الأحنف العكبري مشكوك فيها جدًا، بسبب إدخالها في ديوانه مع التصريح بأنها "تُروى للصادق عليه السلام"، وبسبب سوء حالة المخطوطة وتصرف المحقق بالحذف والتعديل.

وأما نسبتها إلى الإمام الصادق عليه السلام فهي باطلة أيضًا لعدم وجود سند ولا مصدر معتمد لها قبله.

 

#طالب_علم

 


[1] - موقع الديوان، العصر العباسي، الأحنف العكبري، القصيدة رقم 824.

[2] - موقع البيت العربي/ الأحنف العكبري/ إني لأكتم من علمي فواضلَه.

[3] - موقع موسوعة الأدب العربي/ الأحنف العكبري/ إني لأكتم من علمي فواضلَه.

[4] - موقع عالم الأدب/ القصائد/ العباسي/الأحنف العكبري/ القصيدة رقم820.

[5] - ديوان الأحنف العكبري، جمعه الحسن بن شهاب الحنبلي، تحقيق سلطان سعد السلطان، ص526.

[6] - ديوان الأحنف العكبري، جمعه الحسن بن شهاب الحنبلي، تحقيق سلطان سعد السلطان، ص539.

[7] - ديوان الأحنف العكبري، التمهيد، ص22.

[8] - ديوان الأحنف العكبري، بتحقيق سلطان سعد السلطان، هامش ص372.

[9] - ديوان الأحنف العكبري، بتحقيق سلطان سعد السلطان، هامش ص123.

[10] - راجع ديوان الأحنف العكبري في الصفحات التالية: 132، 147، 148، 266، 267، 305، 311، 370، 404، 452، 470، 534.

[11] - ديوان الأحنف العكبري، تحقيق سلطان سعد السلطان، ص89، عالم المخطوطات والنوادر، ج2 العدد الأول، ص219.

[12] - ديوان الأحنف العكبري، تحقيق سلطان سعد السلطان، ص89.

[13] - ديوان الأحنف العكبري، تحقيق سلطان سعد السلطان، المقدمة، ص4.

[14] - ديوان الأحنف العكبري، تحقيق سلطان سعد السلطان، ص90.

[15] - راجع ديوان الأحنف العكبري في الصفحات التالية: 125،120، 282، 283، 303، 476، 522، 523، 532.

[16] - ديوان الأحنف العكبري، تحقيق سلطان سعد السلطان، المقدمة، ص4.

[17] - ديوان الأحنف العكبري، هامش رقم 4 ص526.

[18] - ديوان الأحنف العكبري، تحقيق سلطان سعد السلطان، ص90.

[19] - ديوان الأحنف العكبري، هامش رقم 4 ص526.

[20] - ديوان الأحنف العكبري، قسم صور من المخطوط، ص556.

[21] - حاولت الاطلاع على النسخة الخطية لديوان الأحنف الموجودة في مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض، ولكن لم تتم الإجابة على الطلب عبر الإيميل، كما أنَّ بُعد المسافة وكثرة الأشغال حالا دون زيارة المكتبة للأسف الشديد.

الاثنين، 17 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثلاثون)


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثلاثون)

 

8- نقد نسبة الأبيات إلى الحلاج:


 

وأما عن نسبة الأبيات إلى حسين بن منصور الحلاج المقتول سنة 309 هـ، فقد جاء ذلك في "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد المعتزلي[1] وأُدرجت الأبيات أيضًا في بعض طبعات ديوان الحلاج[2].



وقد رفض محمد حسين الحسيني الطهراني –صاحب الروح المجرد- نسبة الأبيات إلى الحلاج حيث قال: (لقد نسب ابن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" هذه الأشعار للحسين بن منصور الحلاج، وهذه النسبة خاطئة...لأن الحسين بن منصور لم يكن من أهل التقية والكتمان، وقد أفشى الأسرار مما أدى إلى قتله)[3]!

 

والجواب على ذلك: هذا ليس دليلًا قاطعًا على نفي نسبتها عنه، لأن الحلاج كان متناقضًا يأمر بالكتمان ولا يلتزم به، وهذا ما أشار إليه علي المياحي في كتابه "حقيقة النفس" حيث نقل عن الحلاج قوله في أهمية الكتمان:

من سارروه فأبدى كُلَّ ما ستروا **** ولم يُراعِ اتِّصالا كان غشَّاشا

إذا النفوس أذاعت سِرَّ ما علمت **** فكل ما حمَلَتْ مِن عقلِها حاشا

من لم يصُن سِرَّ مولاه وسيِّده **** لم يأمَنُوه على الأسرار ما عاشا

وعاقَبُوه على ما كان من زَللٍ **** وأبدَلوه مكان الأُنسِ إيحاشا

وجَانَبوه فلم يصلُح لِقُربِهِمُ **** لمَّا رأوه على الأسرار نبَّاشا

مَن أطلعوه علی سِرٍّ فنَمَّ به **** فَذاكَ مِثلِي بين الناس طياشا[4]

ثم علق المياحي: (ومع كل هذا فإن الحلاج أذاع سر الحب وكشف أسرار العشق وقد قيل إنه دفع ضريبة ذلك بقتله، وكأنه وقع بالمحذور وقد تنطبق عليه أبياته بمعنى من المعاني)[5]!

 

فالحلاج متناقض يفعل الشيء ونقيضه، فالذي دعا الطهراني لنفي الأبيات عنه هو نفسه الذي دعا ابن أبي الحديد لنسبتها إليه ولهذا قال الدكتور كمال مصطفى الشيبي: (واضح أنّ الذي دعا ابن أبي الحديد إلى نسبة هذه المقطَّعة إلى الحلاج هو إلمامها بالأسرار وكشفها)[6]!

ولكن يبقى أن نسبة هذه الأبيات إلى الحلاج تفرَّد بها ابن أبي الحديد المعتزلي، ولم يذكر مصدرًا لذلك، ولهذا قال الدكتور الشيبي: (نسب هذه المقطَّعة إلى الحلاج ابن أبي الحديد فقط)[7]، وقال في موضع آخر: (وحبَّذا لو كان وقَفَنا على المصدر الذي وجدها فيه)[8].

 

 إذَن نسبة الأبيات إلى حسين بن منصور الحلاج ضعيفة جدًّا لكونها من تفردات ابن أبي الحديد المرسلة بلا سند، مع أن مضمونها يوافق حال الحلاج.

 

#طالب_علم

 



[1] - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج11 ص222.

[2] - ديوان الحلاج، قسم الأشعار المنسوبة إليه، بعنوان: كتم العلم عن الجاهل، ص187.

[3] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3، هامش ص57.

[4] - جاء في المصدر (مثل) والصحيح (مثلي) وكذلك (يبين) والصحيح (بين) راجع ديوان الحلاج.

[5] - حقيقة النفس، علي المياحي، ص145.

[6] - شرح ديوان الحلاج، الدكتور كامل مصطفى الشيبي، ص509.

[7] - شرح ديوان الحلاج، الدكتور كامل مصطفى الشيبي، ص507.

[8] - شرح ديوان الحلاج، الدكتور كامل مصطفى الشيبي، ص509.

الأحد، 16 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة التاسعة والعشرون)

 



#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة التاسعة والعشرون)

 

7- نقد نسبة الأبيات إلى قاسم بن إبراهيم الرسي:

 

وأما نسبتها إلى قاسم بن إبراهيم الرسي -وهو أحد أئمة الزيدية- المتوفى سنة 246هـ، جاء ذلك في كتاب "مجموع الإمام حميدان القاسمي" حيث قال: (كما قال القاسم بن إبراهيم عليه السّلام:

كم من غريبة علم لو أبوح بها *** لقيل إنك ممن يعبد الوثنا

ولاستحل أناس ناسكون دمي *** يرون أقبح ما يأتونه حسنا)[1].



وقد نقلها عنه أحمد الشمط المعمري في كتابه "الثمار المجتناة" عند المسألة الثالثة.

 

 وهذه النسبة باطلة أيضًا للأسباب الآتية:

التفرد والإرسال: قد تفرّد بنسبتها إليه حميدان القاسمي المتوفى سنة 700هـ، ولم يذكر مصدرًا ولا سندًا لما نقله.

 

البعد الزمني: هناك فاصل زمني كبير بين وفاة قاسم بن إبراهيم وبين حميدان القاسمي ب(454) سنة، بلا أي واسطة تُذكر.

 

عدم وجودها في كتب الزيدية: لم نجد هذه الأبيات في مؤلفات قاسم بن إبراهيم الرسي ولا في كتب الزيدية المعتمدة التي جمعت أشعاره وخطبه.

 

ومن جهة أخرى ذكر أحمد بن يحيى المرتضى المعروف بـ(ابن المرتضى) -أحد أئمة الزيدية- المتوفى سنة 840هـ، في كتابه "شرح الأزهار" البيت الأول فقط من الأبيات محل البحث بدون أن ينسبه لأحد حيث قال: (وتمثل في ذلك بقول بعضهم:

إني لأكتم من علمي جواهره **** كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا)[2].

 

 وبهذا تكون نسبة الأبيات إلى قاسم بن إبراهيم الرسي ساقطة لكونها من إيرادات حميدان القاسمي المرسلة والمتأخرة بلا أصل ولا سند.

 

#طالب_علم

 


[1] - مجموع السيد حميدان القاسمي، ص205، الطبعة الثانية 1436هـ، مكتبة أهل البيت عليهم السلام.

[2] - شرح الأزهار، أحمد بن يحيى المرتضى، ج3 ص166.

السبت، 15 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثامنة والعشرون)


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثامنة والعشرون)

 

6- نقد نسبة الأبيات إلى الشريف الرضي:

 


أما نسبة الأبيات إلى الشريف الرضي (المتوفى سنة 406هـ)، فقد تفرَّد بها ابن عربي كما تقدم، ثم تبعه في ذلك أحد المتصوفة المتأخرين وهو محمد بن حسن السمنودي الأزهري المعروف بالمنير (المتوفى سنة 1199هـ)، وذلك في كتابه "تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين" حيث قال: (وفي قول كامل الأسرار الإلهية علي بن أبي طالب: "إن بين جنبي علمًا لو قلته لأزلتم هذه عن هذه، وأشار برأسه عن جثته". واعلم بأن العلوم شتى، فعلم مشروع، وعلم مخير، وعلم مكتوم. وفي قول الشريف الرضي حفيد علي بن أبي طالب قال في المعنى شعر: يا رب جوهر علمٍ لو أبوح به...) إلى آخر الأبيات[1].


 أقول: إنّ التدقيق المنهجي في أصل هذه النسبة يكشف عن إشكال أعمق؛ إذ لم يذكر ابن عربي -وهو أول من نسب هذه الأبيات- مصدرًا ولا سندًا لما نقله عن الشريف الرضي، وفضلاً عن ذلك فإن هذه الأبيات لا وجود لها تمامًا في ديوان الشريف الرضي المطبوع والمتداول، ولا في أيٍّ من مصنفاته المعروفة، ولم ينسبها إليه أحد من المتقدمين، وإنما تفرد بها هذا الصوفي المتأخر الذي جاء بعد الشريف الرضي بحوالي ثمانمائة سنة!

وتأسيسًا على هذا الانقطاع الإسنادي والخلو المصدري، فإن نسبة الأبيات إلى الشريف الرضي غدت ساقطة علميًّا ولا تثبت أمام النقد المنهجي.

 

#طالب_علم

 



[1] - تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين، محمد بن حسن السمنودي الأزهري، ص94-95.