الخميس، 23 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة العاشرة)

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة العاشرة)

 

ما معنى قول الشاعر: "أنت مِمَّن يَعبُدُ الوَثَنَا"؟

 

وأما ما جاء في البيت الثالث الذي أنشده المياحي:

يا رُبَّ جَوْهَرِ عِلْمٍ لَوْ أَبُوحُ بِهِ **** لَقِيلَ لِي: أَنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الوَثَنَا

 

فـ"جوهر العلم" الذي يخشى العارف أن يُتهم بسببه بعبادة الأوثان، فسره الطهراني قبل أسطر بأنه "وحدة الوجود". فانكشف السر كاملًا، فإخفاء العارف للعلم ليس إلا إخفاءً لعقيدة وحدة الوجود، وكشف هذا السر أدَّى إلى استحلال دمه، والسبب في ذلك أنه صرَّح بعقيدة كُفرية، وهذه العقيدة جعلت المسلمين يصفونه بعبد الوثن، لأن الوثن في نظر الصوفية هو عين ذات الله! (والعياذ بالله).

وهذا ما كشفه الآلوسي في تفسيره عند شرحه لهذا البيت حيث قال: (قالوا: إنه رضي الله تعالى عنه عنى بهذا الجوهر الذي لو باح به لقيل له: أنت ممن يعبد الوثن علم الوحدة إذ منه يعلم أن الوثن وكذا غيره مظهر له جل وعلا وليس في الدار غيره ديار، وقد مرَّ عن قرب ما نقل عن الحلاج ومثله كثير للشيخ الأكبر قدس سره)[1]!

 


وتقدم كذلك تصريح الطهراني حينما ذكر حال سلمان المحمدي بقوله: (أنَّ سلمان وصل إلى مرحلة من مراحل التوحيد لم يدركها أبو ذرٍّ بعد، لأنَّ ذلك التوحيد في نظر أبي ذرٍّ عين عبادة الأصنام)[2]!

وكذلك قال في موضع آخر: (العلم هو العلم الجوهر... فكم من العلوم التي لو أظهرتها وبينتها لاتهمت بعبادة الأوثان والخروج عن الإسلام)[3]!

فالمقصود من (جوهر علمه) في هذا البيت -عند العرفاء- هو عقيدة "وحدة الوجود"، فكل الأشياء -حتى الأوثان- هي عين ذات الله في نظرهم! فإن كشفت هذا السر وقلت للناس بأن الوثن هو عين ذات الله، سيقال لك: (أنت ممن يعبد الوثنا)!

 

وهذا هو السر الذي أخفاه علي المياحي حين ذكر الأبيات في المقابلة التي أجراها على القناة الرابعة لكنه أشار إلى هذا السر في إحدى محاضراته حين تحدث فيها عن معرفة الزهراء عليها السلام وقال بأنها تنقسم إلى قسمين رئيسين: معرفة الذات، ومعرفة الآثار، ثم بدأ بتعريف الذات بذكر مثال صوفي يذكره المتصوفة للدلالة على وحدة الوجود، وهو مثال الفراشة والشمعة ثم قال بعدها: (ولذلك قال الإمام السجاد عن معارفه وعن نفسه وعن آبائه وأبنائه وأجداده قال: "إني لأكتم من علمي جواهره...) إلى آخر الأبيات[4]!

 


وكذلك في كتابه "الفيض الإلهي" حين ذكر هذه الأبيات للحث على الكتمان قد ربطها بحديث أمير المؤمنين عليه السلام: "إنَّ ههنا علمًا جمًّا لو أبصرت له حملة"! وحديث: "لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله ..." ثم جعل هذا كله مقدمة لبيان طريقة المتصوفة في السير والسلوك وتقسيم مراحلها الثلاث وهي الشريعة والطريقة والحقيقة، ومعنى هذا أنك إذا طويت هذه المراحل ووصلت إلى الحقيقة ستعرف حينها معنى "العلم المكتوم" في الأبيات المنسوبة لذلك قال في تعريف الحقيقة: (هي أن يصل الإنسان إلى الله، أن يفهم روح الدين، جوهر الدين)[5]!

 


فالمياحي هنا ربط الأبيات بالحقيقة الصوفية التي هي "الوصول إلى الله وفهم جوهر الدين" -على حد تعريفه- وقد تقدم أنَّ "جوهر الدين" عند الطهراني هو وحدة الوجود.

فيكون المياحي قد اعترف من حيث لا يشعر أنَّ سِرَّهُم هو وحدة الوجود، لكنه يعبِّر عنه بالرموز والإشارات كما وصف كمال الحيدري حال أهل الأسرار!

 

#طالب_علم


[1] - تفسير روح المعاني، ج15ص125، وفي طبعة دار الكتب العلمية، ج8 ص118.

[2] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص52.

[3] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص59.

[4] - راجع اليوتيوب بعنوان: معرفة الزهراء، الشيخ علي المياحي.

[5] - الفيض الإلهي، علي المياحي، ج1 ص148-149.

الأربعاء، 22 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة التاسعة)

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة التاسعة)

 

لماذا يستحِلُّونَ دمَ الشاعر بعد كشفِ السِّر؟

 

وأما ما جاء في البيت الرابع الذي أنشده المياحي:

وَلَاسْتَحَلَّ رِجَالٌ مُسْلِمُونَ دَمِي **** يَرَوْنَ أَقْبَحَ مَا يَأْتُونَهُ حَسَنا

وهذا البيت من الشعر يُعَبِّرُ فيه الشاعر عن ما يعانيه عند الإفصاح عن عقيدته وحدة الوجود، وقد كشف إحسان دحلان في شرحه لهذه البيت عن سبب استحلال دمهم فقال: ("ولاستحل رجال مسلمون دمي" كما قتلوا منصور الحلاج بإفشاء شيء من ذلك حيث قال: "ما في الجبة إلا الله" وذلك أن أهل الله لا يدركون وجود الله في الأشياء، أي قيامه وظهوره فيها، وهذه غاية ما يمكن أن يعبر عن مقصودهم، وإلا فهو أمر لا يدرك إلا بالذوق)[1]!


فعلّة استحلال دم الحلاج هو اعتقاده بوحدة الوجود، حيث صرّح بهذه العقيدة حين قال: (ما في الجبة إلا الله)!

وقد جرى على لسان الطهراني الاعتراف بهذا السبب عند شرحه للأبيات فقال: (العلم هو العلم الجوهر... فكم من العلوم التي لو أظهرتها وبينتها لَاتُّهِمْتُ بعبادة الأوثان والخروج عن الإسلام! ...وعندها يستحل جماعة من المسلمين دمي ويقتلونني، إذ يرونني كافرًا بسبب ما أقوله! وهؤلاء المسلمون يرون قتلي- الذي هو أسوأ الأعمال- حسنا، ويقولون: إن هذا الرجل كافر ومشرك وعابد للصنم؛ فيجب قتله وسفك دمه، يجب إزالة هذا القائل بوحدة الوجود عن وجه الأرض)[2]!

تُلاحظ هنا اعترافَه بأنَّ سببَ اتهامِهم له بالشِّرك وعبادةِ الأصنام هو اعتقادُه بوحدةِ الوجود، فيكونُ العلمُ الذي أخفاه الشاعرُ في مطلعِ القصيدة هو هذه العقيدة.

وقد صرَّح الطهرانيُّ بهذا السرِّ قبل ذكرِ الأبياتِ الشعرية ببضعِ صفحات حيث قال: (وحدةُ الوجود من أعظمِ وأعلى وأصعبِ وأدقِّ مسائلِ الحكمةِ المتعالية، وفهمُها ليس يسيرًا هيِّنًا... فهذا من الأسرارِ التي لا يمكن البوحُ بها لأيٍّ كان)[3]!


فكشفَ الطهراني عقيدتَه من غيرِ أن يشعرَ، وصرَّحَ بالسرِّ الذي لا يمكن البوحُ به!

 

وهذا البيت الشعري من جنس ما ذكره السهروردي في التعبير عن حال المتصوفة بقوله:

وَاحَسْرَتَا لِلْعَاشِقِينَ تَحَمَّلُوا **** سِرَّ المَحَبَّةِ وَالهَوَى فَضَّاحُ

بِالسِّرِّ، إِنْ بَاحُوا، تُبَاحُ دِمَاؤُهُمْ **** وَكَذَا دِمَاءُ العَاشِقِينَ تُبَاحُ[4]

 

وَقَدِ اسْتَشْهَدَ المياحي -في كتابه الفيض الإلهي- بهذا البيت في ضرورة كتمان السر[5]!

 

والطهراني صرّح بأن علة "استحلال الدم" الواردة في البيت الشعري -محل البحث- إنما هي المجاهرة بعقيدة وحدة الوجود.

فإذا كان المياحي يستشهد بهذا البيت لإثبات "ضرورة الكتمان"، فهو يقر ضمناً أن سر عقيدته هي وحدة الوجود.

فهل يجرؤ المياحي أن يصرح بذلك، أم سيعود إلى سلوك أهل النفاق فيلف ويدور؟!

 

#طالب_علم



[1] - سراج الطالبين، إحسان دحلان، ج١، هامش ص٣٦.

[2] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص59.

[3] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص52.

[4] - ديوان السهروردي المقتول، الدكتور كامل مصطفى الشيبي، ص72.

[5] - الفيض الإلهي، علي المياحي، ج1 ص143.

الثلاثاء، 21 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثامنة)



 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثامنة)

 

ما المقصود بعبارة " ذُو جَهْلٍ" عند العُرفاء؟

 

وأما ما جاء في عجز البيت الشعري (كَيْ لا يَرَى الحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتَتِنَا) وجاء في بعض المصادر بلفظ (كي لا يرى العلم) فإن العارف يصف كلَّ من لا يقبل عقيدته بالجهل وعدم الفهم لمقصده، يقول دحلان: ("كَيْلا يَرَى الحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتتِنَا" لِقُصُورِ فَهْمِهِ عن دقائق العلوم)[1] وقَصْدُهُ عَدَمُ فَهْمِهِ لعقيدتهم وحدة الوجود التي أشار إليها في صدر البيت بـ"جوهر العلم"، ويستخدم المتصوفة هذا الوصف "ذُو جَهْلٍ" تسخيفًا لِكُلِّ من لا يقبل عقيدتهم الباطلة حتى لو كان من الأكابر!

وفي هذا الصدد يقول محمد محسن الطهراني عند شرحه لهذا البيت: (يقول الإمام السجاد عليه السلام: إنّ عندي من العلوم لو أفصحت عنها لاتَّهمني الناس بالكفر! وليس المقصود بالناس أولئك المعاندين كأمثال يزيد وابن زياد، بل المقصود هذا الصحابي ذو القدر الجليل... نفس أبي حمزة الثمالي هذا الذي علَّمه الإمام هذا الدعاء الذي بين أيدينا كان سيتَّهم الإمام عليه السلام بالكفر...)[2]!

 

وكذلك صرَّح والده محمد حسين الحسيني الطهراني بتفصيل أكثر فقال: (كان استعداد سلمان أكثر سعة، وكان قد وصل إلى مطالب أرقى من العرفان بينما كان إدراك ذلك الحال غير ممكن بالنسبة إلى أبي ذرٍّ، أي لو ألقى سلمان مطالبه لأبي ذرٍّ لردَّها واتَّهمه بالشرك والكفر، وحمل كلامه على الكفر! "لَوْ عَلِمَ أبُو ذَرٍّ مَا فِي قَلْبِ سَلْمَانَ لَقَتَلَهُ أوْ كَفَّرَهُ")[3]!

ثم علَّق على الحديث بقوله: (لاحظوا دقَّة المطلب، ففي الوقت الذي كان فيه أبو ذرٍّ يجلس مع سلمان ... لكن كان هناك تفاوت في الإدراك بينهما إلى درجة أنَّ أبا ذرٍّ لو اطَّلع على مدركات سلمان لقتله أو لرآه مهدور الدم، حيث سيرى الشرك أو الكفر في عقيدته! لأنَّ سلمان وصل إلى مرحلة من مراحل التوحيد لم يدركها أبو ذرٍّ بعد، لأنَّ ذلك التوحيد في نظر أبي ذرٍّ عين عبادة الأصنام)[4]!

 

وهذه المرحلة من مراحل التوحيد الذي لم يتحملها أبي ذر - حَسْبَ زَعْمِ الطَّهْرَانِيِّ - هي عقيدتهم وحدة الوجود حيث كشف الطهراني "السِّرَّ" بعد صفحتين حيث قال: (إنَّ وحدة الوجود سِرُّ آلِ مُحَمَّدٍ، ... وحدة الوجود حقيقة كلِّ شيء من جهة ربط الخاصِّ بالذات الإلهيَّة المقدَّسة... لا فرق بين وحدة الوجود وتوحيد الوجود، فالتوحيد يعني جعله واحداً، والوحدة تعني كونه واحداً... فاحذَفُوا لفظ التوحيد في الوجود الذي يقوم الإسلام عليه وضعُوا مكانه لفظ الوحدة. فيكون لفظ الوحدة مكان التوحيد. أنتم لا تستوحشون من التوحيد، فَلِمَ تخافون من الوحدة؟! هذه أسرار غامضة، لو أراد سلمان أن يبرزها لمن هو دونه لما تحمَّلوها ولقالوا هذا شرك)[5]!


فالطَّهراني الأبُ يصوِّر الصحابيَّ الجليل سلمان المحمدي رضوان الله عليه على أنه صوفي يعتقد بوحدة الوجود (حاشاه) فَلَا يَسْتَطِيعُ التصريح بعقيدته حتى لأمثال أبي ذر رضي الله عنه لأنَّ الأخير لا يملك الإدراك الكافي الَّذِي يُمَكِّنُهُ من استيعاب هذه العقيدة، وَلِذَلِكَ سَيَتَّهِمُ سلمان بالكفر والشرك! وكذلك الحال بين الإمام السجاد عليه السلام وأبي حمزة الثمالي فِيمَا ذَكَرَهُ الطهرانيُّ الابن!

وهذا عين ما يفسره العارف من قول الشاعر: (كَيْلا يَرَى الحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتِنَنَا)، فَالجَاهِلُ المَقْصُودُ هُنَا كُلُّ مَنْ لَا يَقْبَلُ عقيدة العرفاء -مهما كان مقامه- وَلِذَلِكَ تَجِدُهُمْ يصفون المراجع والفقهاء بالجهل حين يُكفِّرون من يعتقد بوحدة الوجود والموجود كالحلاج!

 

وقد علَّل تقي الموسوي عدم فهمهم لمقصود العرفاء بوجود حجاب من الله يمنع غير العرفاء من الوصول لفهم عقيدتهم حيث قال بعد ذكر الأبيات: (حتى ينزاح الخمار وستر الحجاب، ويخرجوا من الناسوت، ويدخلوا في الملكوت واللاهوت، لأن خمار الجلال ونصيف الغيب والجمال، جعله الله ستر الحجاب عن الغرباء، كيلا يرى الحقَّ ذُو جهل فيَفتِنَنَا، كما يقول الإمام عليه السلام)[6]!


فتلاحظ كيف جعل سبب "عدم الفهم" بوجود "حجاب إلهي" يمنع غير العرفاء من فهم جوهر العلم، فمن لم يفهمه فهو "غريب" محجوب، ومن فهمه فهو "عارف" دخل الملكوت واللاهوت! 

فهل الدين طلاسم لا يفكها إلا الصوفية؟

 

وقد عَبَّرَ الطَّهْرَانِيُّ عند شرحه لهذا البيت عن سر عقيدتهم بالعلم التوحيدي الواقعي الذي لا يستطيع غير العرفاء تحمله، حيث قال: (يقول إنّي لأخفي تلك الجواهر والنفائس من علمي ولا أُبيِّنها لكي لا يطَّلع عليها الأشخاص الذين لا يتمكَّنون من استيعابها، إنَّ أفكاري وعلمي وجواهري تلك هي عين الحقِّ، لكنِّي أخفي هذا الحقَّ لكي لا يطَّلعَ عليه رجل جاهل، إذ لو اطَّلع عليه فإنَّه يُفتتن، ويوقعنا في الفتنة ويثير الفساد والمشاكل والقيل والقال، ومَشَاقِّ الأمور بسبب دعوتي له إلى الحقِّ، والحقُّ يعني ذلك العلم الحقَّ الحقيقيَّ، أو التوحيديَّ الواقعيَّ الذي لا يستطيع تحمُّله)[7]!

 

وبهذا يظهر أنَّ العلم التوحيدي الواقعي -جوهر العلم -عند الطَّهراني ليس إلا وحدة الوجود التي يُخفيها العرفاء عن العامة.

 

وسيأتي مزيد من التفصيل في الحلقات القادمة.

 

#طالب_علم



[1] - سراج الطالبين، إحسان دحلان، ج١ص٣٦.

[2] - شرح دعاء أبي حمزة الثمالي، محمَّد محسن الحسينيِّ الطهرانيِّ، المحاضرة السابعة سنة ۱٤٣٣هـ ق بعنوان: رفع الأمل إلى أعلى مستوى، ص6.

[3] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص49-50.

[4] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص52.

[5] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص54.

[6] - قدوة العارفين، تقي الموسوي، ص229.

[7] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص59-60.



الاثنين، 20 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة السابعة)

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة السابعة)

 

ما المقصودُ من جوهَرِ عِلمِهِ المَكتوم؟

 

يقول علي المياحي في مطلع القصيدة التي أنشدها:

إني لَأكتُم من علمي جواهره *** كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا[1]

يتحدث الشاعر في هذا البيت عن علمه، ويصف ما يكتمه من هذا العلم بالجواهر، وقد عبّر إحسان دحلان عن هذا العلم المكتوم بـ(أسرار الدين) حيث قال في شرحه لكتاب منهاج العابدين: ("إني لأكتم" أي لأستر "من علمي جواهره" وهي أسرار الدين)[2].

 

وقد بينَّا في السطور السابقة أن المقصود من "السر" عند العرفاء هو عقيدتهم المتمثلة في "وحدة الوجود" وهذا ما صرَّح به الآلوسي في تفسيره عن معنى العلم الذي يكتمه الشاعر فقال عند ذكره للأبيات: (يسمون ذلك علم الأسرار الإلهية وعلم الحقيقة، وإلى ذلك أشار رئيس العارفين علي زين العابدين حيث قال: إني لأكتم من علمي جواهره...) إلى آخر الأبيات ثم قال بعدها: (ومن ذلك علم وحدة الوجود، وقد نصوا على أنه طور ما وراء طور العقل)[3]!

 


وجاء كذلك في "حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي" عن معنى هذا العلم فقال بعد ذكر الأبيات: (وهو علم الحقيقة، والحكمة المسكوت عنها، وقد أشار إلى هذا المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو يُفهم من لفظ الرسالة فإنّ الرسالة ما يُرسل إلى الغير، وهذا مذهب الصوفية رحمهم اللّه تعالى)[4]!

 

وكذلك عبد الغني النابلسي حيث ذكر الأبيات في هذا الخصوص فقال: (إنه تعالى هو الوجود المطلق بالإطلاق الحقيقي، وإنه يجوز أن يتجلى ويظهر في أي صورة شاء من الصور والأشخاص المحسوسة والمعقولة من غير أن يتغير أو يتبدل عما هو عليه سبحانه. وربما يكفرونهم في ذلك، ولا يعلمون ما هم فيه من قبح الحال، وللَّه در القائل؛ وهو من الأوائل: يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا * ولاستباح رجال مؤمنون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا) ثم قال: (وقد ابتلى  الله تعالى بهم الأولين من العارفين والمحققين، كما ابتلى الله تعالى الأنبياء والمرسلين بالمُكذِّبين من أُممهم الضالين)[5]!

 


فتبيَّنَ أنَّ "جوهر العلم" عند العرفاء هو عقيدة وحدة الوجود، فهم لا يتكلمون عن "علومٍ خفيَّة" عامَّة، بل عن عقيدة وحدة الوجود تحديدًا.

 

#طالب_علم



[1] - راجع اليوتيوب، قصتي مع علي صادق، ضيف الحلقة الشيخ علي المياحي، الدقيقة 49.

[2] - سراج الطالبين، إحسان دحلان، ج١ص٣٦.

[3] - تفسير روح المعاني، الآلوسي، ج3 ص356، وفي طبعة أخرى ج6 ص190.

[4] - حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي، دار الكتب العلمية، ج3ص512، وفي طبعة دار صادر، ج3 ص263-264.

[5] - كتاب الوجود، عبد الغني النابلسي، ص260.

السبت، 18 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة السادسة)

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة السادسة)

 

هل الأبيات المنسوبة توافق ذوق المتصوفة أم لا؟

 

قبل الدخول في مناقشة نسبة الأبيات، نريد تسليط الضوء على مضمونها، لنرى هل توافق منهج المعصومين عليهم السلام أم ذوق المتصوفين؟ وسنعرض هنا ما ذكره العرفاء والمتصوفة من معاني مفرداتها بغض النظر عن الاختلاف الموجود في ضبط كلمات الشعر بين المصادر المتعددة، وكذلك الاضطراب الشديد في عدد الأبيات حيث ذكر بعضهم بيتاً واحدًا فقط وبعضهم بيتين وبعضهم ثلاثة، هذا عدا عن الاختلاف العجيب في ترتيب الأبيات بين تقديم وتأخير، ولذلك اعتمدنا على الأبيات التي ذكرها المياحي في المقابلة ونسبها للإمام زين العابدين عليه السلام حيث قال:

إني لَأكتُم من علمي جواهره *** كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

وقد تقدم في هذا أبو حسنٍ *** إلى الحسين ووصّى قبله الحسنا

ورُبّ جوهر علم لو أبوح به *** لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا

ولَاستحلَّ رجالٌ مسلمون دمي*** يرون أقبح ما يأتونه حسنا[1]

 


وهذه الأبيات من جنس قول صالح بن عبد القدوس:

رب سرّ كتمته، فكأني **** أخرس أو ثَني لساني عقلُ

ولو أني أبديتُ للناس علمي **** لم يكن في غير حبسي أكلُ [2].

 

وجاء في حديث الشاعر عبد القادر الحصني عن مضمون الأبيات الشعرية قوله: (يلتقي مضمون النص وقول السيد المسيح عليه السلام: "لا تعطوا القدس للكلاب ولا تلقوا جواهركم قدام الخنازير لئلا تدوسها بأرجلها وترجع فتمزقكم". (متى: 7/6)، وقول أبي هريرة: "ورثت عن رسول الله وعاءين من العلم: أولهما ما بثثته عليكم والثاني لو بثثته لقطعتم مني هذا البلعوم")[3]!

 

فتلاحظ كيف ربط الحصني بين الكلام المنسوب للسيد المسيح عليه السلام وحديث أبي هريرة والأبيات، ليجعل "كتمان السر" سنة إلهية عامة، مع أن حديث أبي هريرة محمول عند أهل الخلاف على أحاديث الفتن، لا على عقيدة وحدة الوجود كما يذهب العرفاء والمتصوفة!

 

#طالب_علم

 

[1] - راجع اليوتيوب، قصتي مع علي صادق، ضيف الحلقة الشيخ علي المياحي، الدقيقة 49.

[2] - الصلة بين التصوف والتشيع، الشيبي، ج1هامش ص172.

[3] - شرح ديوان الحلاج، عبد القادر الحصني، ص113.

الجمعة، 17 يوليو 2026

سلسلة حلقات (تنزيه زين العابدين عن أشعار المتصوفين)



سلسلة حلقات

(تنزيه زين العابدين عن أشعار المتصوفين)

 

🖋️ / #طالب_علم

 

 

(الحلقة الأولى)

https://taleb-elm313.blogspot.com/2026/07/blog-post.html

 

(الحلقة الثانية) سِرُّ العرفاء

https://taleb-elm313.blogspot.com/2026/07/blog-post_13.html

 

(الحلقة الثالثة) ما معنى الشَّطْحِ عند العرفاء؟

https://taleb-elm313.blogspot.com/2026/07/blog-post_14.html

 

(الحلقة الرابعة) لماذا لا يصرِّح العرفاء بعقيدتهم؟

https://taleb-elm313.blogspot.com/2026/07/blog-post_15.html

 

(الحلقة الخامسة) ما هي علاقة الأبيات المنسوبة بسِرِّ العرفاء؟

https://taleb-elm313.blogspot.com/2026/07/blog-post_17.html

 

  (الحلقة السادسة) هل الأبيات المنسوبة توافق ذوق المتصوفة أم لا؟

 

(الحلقة السابعة) ما المقصودُ من جوهَرِ عِلمِهِ المَكتوم؟

https://taleb-elm313.blogspot.com/2026/07/blog-post_20.html

 

(الحلقة الثامنة) ما المقصود بعبارة " ذُو جَهْلٍ" عند العُرفاء؟

https://taleb-elm313.blogspot.com/2026/07/blog-post_21.html

   

(الحلقة التاسعة) لماذا يستحِلُّونَ دمَ الشاعر بعد كشفِ السِّر؟

https://taleb-elm313.blogspot.com/2026/07/blog-post_22.html

 

(الحلقة العاشرة) ما معنى قول الشاعر: "أنت مِمَّن يَعبُدُ الوَثَنَا"؟

https://taleb-elm313.blogspot.com/2026/07/blog-post_23.html