#تنزيه_زين_العابدين
(الحلقة الثالثة
عشر)
عبادةُ الأصنام هي
عبادةُ الله!
ما نريدُ توضيحَه هنا في معنى قولِ الشاعر: "أنت ممَّن يعبدُ
الوثنا" عند العرفاء هو تأكيدٌ لما تقدَّم عن اعتقادِ العرفاء، مع ذكرِ
نماذجَ من نصوصِهم وتصريحاتِهم.
فقد قلنا بأنَّ العرفاء يعتقدون أنَّ العبادةَ لأيِّ شيءٍ من الموجودات
هي عبادةٌ لله تعالى، وأنَّها -أي العبادة- لا تقعُ بحسبِ التكوين إلا لله عزَّ
وجل، حتى لو كانت للشمسِ والقمرِ والنجومِ والأصنام... إلخ، فأنت في الواقع تعبدُ
الله من حيث لا تشعر! لأنَّ كلَّ هذه الموجودات -حتى الأوثان- هي عينُ ذاتِ الله
في معتقَدِهم!
ينقل محمد تقي فعالي عن أوشو قوله: (إنَّ الله يكونُ في كلِّ مكان،
فكيف يمكن أن لا يكونَ في تلك الأصنام؟! فهو موجودٌ في الوثنِ الحجريِّ أيضًا)[1]!
ولكي يُدخلوا هذا المعتقدَ الفاسدَ في الإسلام ويُنظِّروا له من بابِ
الدين، جنحوا إلى الكذبِ على الله ورسولِه، والقولِ في كتابِه تعالى بالهوى،
وتأويلِ الآيات وفقَ ما يشتهي كبيرُ العرفاء ابنُ عربي (لعنه الله)، فقالوا بأنَّ
القضاءَ في قوله تعالى: {وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}[2] هو قضاءٌ تكوينيٌّ، بمعنى
أنَّك لا تستطيعُ أن تعبدَ غيرَ الله تكوينيًّا، وأنَّ ذلك حكمٌ واقعٌ لا محالة!
بينما الآيةُ الكريمةُ نفسُها تردُّ هذا الادِّعاء، ولكنَّ العرفاء
يبترون الآيات ثم يستدلُّون بالمقطعِ المبتور لإثباتِ هذا المعتقدِ الزائف. قال
تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَانًا}[3].
فلو كان القضاءُ تكوينيًّا لما وُجِدَ عاقٌّ لوالدَيه، ولما استحقَّ
عقوبةً. فبترُ الآيةِ تدليسٌ وتحريفٌ صريح.
وعن وحدةِ الأديان عند المتصوفة ولكي يقفَ القارئُ الكريمُ على معتقدِ
العرفاء والمتصوفة بشكلٍ واضح أنقلُ له تصريحَ الدكتور أبي العلا عفيفي المحقِّق
والمعلِّق على كتاب "فصوص الحكم".
يقول الدكتور في مقدمة الفصوص: (لم يستطع ابن عربي بعد أن قال بوحدة الوجود أن يدين بالإله الذي صوره الناس في مختلف أنواع الصور في معتقداتهم، وخلعوا عليه ما شاء عقولهم وقلوبهم أن يخلعوه من الصفات، فإن إله المعتقدات في نظره من خلق الإنسان، يتصوره كل معتقد بحسب استعداده وحظه من العلم والرقي الروحي، أما إله ابن عربي بل متصوفة وحدة الوجود جميعًا فلا صورة تحصره ولا عقل يحده أو يقيده لأنه المعبود على الحقيقة في كل ما يُعبد، المحبوب على الحقيقة في كل ما يُحب، إن العارف الكامل في نظره هو من رأى كل معبود مجلى للحق يُعبد فيه ... وكل من عبد غير هذا أو أحب غيره فقد جهل حقيقة ما عَبَدَ وما أحَب، يعبد المعتقِد إلهه الخاص الذي خلقه في معتقده ويجحد غيره من آلهة الاعتقادات، ويثني على الحق وما درى أنه يثني على نفسه، لأنه إله المعتقد من صنعه والثناء على الصنعة ثناء على الصانع، ولو عرف هذا المعتقد حقيقة الأمر، وأن غيره ما عبد إلا الحق في صورة خاصة من صور الاعتقاد، أي لو عرف قول الجنيد وقد سئل عن الله فقال: (لون الماء لون الإناء) - لو عرف كل ذلك ما أنكر على غيره ما يعبده، لأن ذلك الغير يظن ولا يعلم أن معبوده هو الله والله تعالى يقول: (أنا عند ظن عبدي بي) أي إنني لا أتجلى لعبدي إلا في صورة معتقده الخاص... فكل صورة من الصور ناطقة بألوهية الحق، وكل معبود من المعبودات وجه من وجوهه، {فَأَيْنَمَا تولوا فثم وجه الله} ، وأينما[4] تعبدوا فإنكم لا تعبدون سواه، قال تعالى: {وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} يقول ابن عربي: حكم، وقدّر أزلًا أنكم لا تعبدون غير الله مهما تكن صور معبوداتكم)[5]!
فتُلاحظُ أخي القارئ أنَّ ابنَ عربي يُقرُّ بكلِّ الاعتقاداتِ الباطلةِ
وأنَّها صحيحةٌ توصلُ الإنسانَ إلى الله! لأنَّه -أي الإنسان- في الحقيقةِ لا
يستطيعُ أن يعبدَ غيرَ الله تكوينيًّا. فالوثنيُّ، على سبيلِ المثال، يتوهمُ أنَّه
يعبدُ الصنمَ، ولكنه في الحقيقةِ يعبدُ الله شاءَ أم أبى! وهذا عينُ ما أخفاه
الطهرانيُّ تحت قناعِ "حقائقِ التوحيد"، وهو عينُ ما يقصدُه المياحي
وباقي العرفاء من البيتِ الشعري: "لقيل لي: أنت ممَّن يعبدُ الوثنا"!
#طالب_علم
[1] -
الإعلان، ص60، نقلا عن فعالي، محمد تقي، آفتاب وسايه ها، 1389 ش، 177، عن اوشو،
راز بزرگ.
[2] -
سورة الإسراء، آية 23.
[3] -
سورة الإسراء، آية 23.
[4] -
جاء في المصدر (وأياما) خطأ مطبعي.
[5] -
فصوص الحكم، ابن عربي، بتعليق أبو العلا عفيفي، ص32-33.









