الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة السادسة والثلاثون)

 

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة السادسة والثلاثون)

 

هل نسبة الأبيات للسجاد عليه السلام معتمدة؟

 

تشبُّث المتصوِّفة بهذه الأبيات لأنها توافق ذوقهم، وذكروها في مصنفاتهم ونسبوها للإمام زين العابدين عليه السلام لإضفاء الشرعية على معتقدهم الزائف فقد قال الدكتور كمال مصطفى الشيبي: (ونُسِبت -أي الأبيات- كذلك إلى علي بن الحسين المُلقَّب بزين العابدين إمام الشيعة الاثني عشرية الرابع...وذلك في كتب الصوفية فقط، ولا يرد في كتب الشيعة المعتمدة البتَّة)[1].

 


فأصلُ النسبة صوفي كما اعترف بذلك الشيبي، ولا وجود لهذه النسبة في المصادر الشيعية المعتمدة أبدًا، ولكن نقلها بعض عرفاء الشيعة عن المتصوفة وبهذا تسربت إلى الداخل الشيعي.

ولم تصح نسبتها للإمام زين العابدين عليه السلام حتى عند أهل الخلاف حيث صرَّح الأهدل في كتابه كشف الغطاء فقال: (وما يروى عن زين العابدين رضي الله عنه أنه قال...) وذكر البيتين الأخيرين، ثم قال بعدها: (فلم يصح عنه ولو صح كان المراد ما يتعلق بالنفاق والفتن وأهلها من أغيلمة بني أمية المشار إليهم بالحديث)[2].

 


ونقل الدكتور الشيبي تشكيك صاحب كتاب الناطق بالصواب في نسبة الأبيات للإمام السجاد عليه السلام فقال: (وقد شكك صاحب الناطق بالصواب في هذه النسبة وقال في البيتين الأخيرين: عزوهما إلى زين العابدين)[3]!

 

وكذلك السيد رضي الدين بن محمد الموسوي العاملي حيث نقل انكار بعض العلماء نسبة هذه الأبيات للإمام السجاد عليه السلام فقال: (وهذه الأبيات معزوَّة إلى الإمام زين العابدين عليه السَّلام... وأنكر عزوها إليه بعض العلماء)[4].

 

ولذلك قال محمود القاسم على سبيل التهكم على المتصوفة وكذبهم على الإمام السجاد عليه السلام: (هذا الشعر مفترى على زين العابدين، من قبل العارفين الصادقين الصديقين الأولياء)[5]!

 

وبعد كل هذه الأقوال الرافضة لنسبة الأبيات إلى الإمام السجاد عليه السلام، يأتي محمد حسين الحسيني الطهراني بكل تبجح ويقول: (ثمَّة أشعار للإمام زين العابدين عليه السلام، من المسلَّم نسبتها إليه!... إنَّ نسبة هذه الأشعار إلى الإمام زين العابدين عليه السلام مسلَّمة من طريق الشيعة والسُّنَّة)[6]!

 

فأي كذب وتدليس واستغفال للعقول أعظم من هذا؟! وهو يرى اعتراف الشيبي نفسه بأنها لا توجد في كتب الشيعة المعتمدة أبدًا، وتضعيف الأهدل لها، وتشكيك علمائهم فيها، بل حتى المتصوفة أنفسهم لم يتفقوا عليها واختلفوا فيها اختلافًا كثيرًا كما تقدم.

 

#طالب_علم



[1] - شرح ديوان الحلاج، الدكتور كامل مصطفى الشيبي، ص508.

[2] - كشف الغطاء عن حقائق التوحيد، الأهدل اليمني، بتحقيق أحمد بكير محمود، ص256.

[3] - الصلة بين التصوف والتشيع، ج١ ص١٧١-١٧٢.

[4] - تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية، ج1 ص406.

[5] - الكشف عن حقيقة الصوفية، محمود عبد الرؤوف القاسم، ص86.

[6] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص57.

الاثنين، 24 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الخامسة والثلاثون)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الخامسة والثلاثون)

 

أخطاء أدَّت إلى نسبة الأبيات إلى الإمام السجاد عليه السلام

 

تقدَّم الحديث عن الاشتباهات التي أدت إلى تعدد من نُسبت إليهم الأبيات، كما في وهم عبد الباري داوود حين نسبها لابن الخطيب، ووهم محمد الكتاني حين نسبها لابن عربي.

وهنا انعكس الأمر: فقد نسبها بعضهم إلى الإمام زين العابدين عليه السلام اعتمادًا على مصادر هي نفسها تنسبها إلى غيره!

 

أولًا: خطأ الدكتور غلام رضا أعواني:

ذكر الشيخ جويا جهانبخش في مقاله "نقد الانتساب لأهل البيت" في الهامش 57: (والغريب أن الدكتور غلام رضا أعواني قد تحدَّث في مقالةٍ له أرسلها إلى مؤتمر إحياء الذكرى السنوية المئة على ولادة هنري كوربن عن التفات هنري كوربن إلى هذه الأبيات مورد بحثنا، وأنشد بيتين منها بوصفهما من "الشعر المنسوب إلى الإمام السجاد عليه السلام…". ثمّ قام بالإحالة إلى "تاريخ بغداد 12: 487"[1] أي إلى الموضع الذي لم يذكر الأبيات المذكورة بوصفها شعرًا قاله الإمام زين العابدين عليه السلام، بل بوصفها أبياتًا أنشدها أبو عمرو العتابي... فهل عمد شخصٌ آخر إلى إضافة هذه الإحالة ـ كالمدوِّن مثلًا ـ إلى المقالة، دون أن يلتفت إلى أصل المقال)؟!

 

ثانيًا: خطأ مجذوب علي شاه:

قال جهانبخش أيضًا: (ولهذه النادرة نظيرٌ أيضًا. ففي حاشية مرآة الحقِّ: 91، لمجذوب علي شاه، عمد إلى نسبة الأبيات مورد البحث، التي نسبها هناك إلى الإمام السجاد عليه السلام، مع التنبيه إلى (الاختلاف اليسير)، إلى "شرح نهج البلاغة [لابن أبي الحديد] 11: 222"، في حين أن ذلك الموضع من الأساس يعتبر قائل هذه الأبيات هو الحسين بن منصور الحلَّاج، على ما تقدَّم)[2]! انتهى النقل.


 ثالثًا: خطأ القاري البغدادي:

أضف إلى ما ذكره الشيخ جويا جهانبخش خطأ ثالث وهو ما جاء في كتاب "الدر الثمين في مناقب الشيخ محيي الدين" للقاري البغدادي أنه نقل كلام ابن عربي في "التدبيرات الإلهية" ثم قال: (حتى قال بعض السادة القادة... لا يبلغ الإنسان درجة الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق أنه زنديق، وانظر إلى قول الإمام زين العابدين رضي الله عنه: يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به...)[3].


فتلاحظ أنَّ القاري البغدادي نسبها للإمام السجاد عليه السلام، بينما المصدر الذي ينقل عنه -وهو التدبيرات- ينسبها صريحًا إلى الشريف الرضي[4]!

 

فإذا أحسنَّا الظن وقلنا إنه اشتباه، فإن هذا الاشتباه ساهم بشكل وآخر في انتشار النسبة الباطلة للأسف الشديد، ولذلك ينبغي لهؤلاء التصحيح علنًا -وأخص بذلك الشيعة- كما فعل السيد عبد الستار الحسني البغدادي رحمه الله الذي تراجع وندم حيث قال: (أذْكُرُ أنَّ أُستاذنا الجليل شاكر حسن آل سعيد الرسام التجريدي المعروف وكان يُدرِّسُنا مادَّةَ الرَّسْمِ في المتوسطة النظامية في أواسط الستينات الميلادية كانَ مُغرمًا بهذين البيتين وكانَ مُتَديِّنًا ذَا نَزْعَةٍ أَقْرَبَ ما تكونُ إلى الصُّوفِيَّةِ، وَقَدْ سألني يَوْمَها عَنْ مَدى صِحَّةِ نِسْبَتِهِما إلى الإمام زين العابدين ثِقَةً مِنْهُ بِمَا يَعْرِفُهُ عَنِّي مِنَ الحُضُورِ في المساجِدِ وَغَشَيانِ مَجالِسِ العُلَمَاءِ، فَأَجَبْتُهُ (تَبَرُّعًا) بِأَنَّهُما لَهُ عليه السلام - وأنا الآنَ أَسْتَغْفِرُ الله تعالى عن القَولِ بِغَيْرِ عِلْمٍ. ثُمَّ رأيتُ في تَرْجَمَةِ كُلْثُومِ بنِ عَمْرو العَتَّابِي التَّغلبِي الشَّاعِرِ المَعْرُوفِ - وكان في عَصْرِ المأمون - أنَّ هذين البيتين باختلاف يسير في اللَّفْظِ مَعَ بَيْتَينِ آخَرَيْنِ هُمَا لَهُ)[5]!



إنَّ خطورة القول بغير علم في نسبة النصوص من كلام أو شعر لشخص معيَّن بدون تثبُّت، خصوصًا إذا كان شخصية دينية تامَّة العظمة كالإمام السجاد عليه السلام، قد يؤدي إلى انتشار خطأ كبير يصعب تداركه، فمن وقع في خطأ أو اشتباه ثم تبيَّن له الحق، لا يكفي أن يسكُت، فالواجب المتعيِّن عليه تصحيح الخطأ والتراجع عنه علنًا وأن يُبيِّن للناس كما فعل السيد عبد الستار البغدادي، وهذا هو التواضع العلمي.

 

#طالب_علم

 


[1] - انظر: زائر شرق: 16!! (الشيخ جويا جهانبخش).

[2] - مجلة نصوص معاصرة، العدد 42-43، مقال بعنوان" نقد الانتساب لأهل البيت" للشيخ جويا جهانبخش، ص325.

[3] - الدرر الثمين في مناقب الشيخ محيي الدين" للقاري البغدادي المطبوع بمقدمة كتاب "خصوص النعم في شرح فصوص الحكم" للمهائمي، ص 48.

[4] - التدبيرات الإلهية، ابن عربي، بتحقيق الدكتور محمد الإدريسي الحسيني، ص80.

[5] - السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني، السيد عبد الستار الحسني البغدادي، هامش ص223.

الأحد، 23 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الرابعة والثلاثون)

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الرابعة والثلاثون)

 

اختلاف المتصوفة في نسبة الأبيات:

 

اختلف المتصوفة فيما بينهم في نسبة هذه الأبيات اختلافًا كثيرًا، وهذا ناتج عن أمرين: تخبطهم وعدم ضبطهم من جهة، ومحاولتهم الحثيثة لإلصاقها بأئمة أهل البيت عليهم السلام -لكسب الشرعية- من جهة أخرى.

وبالاستقراء نجد:

1- أكثرهم نسبها إلى الإمام زين العابدين عليه السلام.

 

2- بعضهم نسبها إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وبعضهم إلى الإمام الحسن، وبعضهم إلى الصادق، وبعضهم إلى الرضا عليهم السلام.

 

3- بعضهم عممها فقال: (وفي المنسوب إليهم شعرًا...)[1] أو (وينسبون في ذلك إلى خواص النبوة وخلفائها كثيرًا...)[2].

 

4- بعضهم أبهمها: (وللّه در القائل؛ وهو من الأوائل...)[3] أو (وقيل: شعر...)[4] أو (وتمثل في ذلك بقول بعضهم...)[5].

 

5- بعضهم نسبها لمشايخ الصوفية بصيغة الجمع: (وأنشدوا في ذلك: يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به...)[6] أو (وأنشدوا في ذلك شعرا...)[7] أو (قال قائلهم...)[8].

 

6- بعضهم تردد فيها -هل الأبيات للإمام زين العابدين عليه السلام أم تمثَّل بها؟- كما فعل زعيمهم ابن عربي.

وهنا موضع الشاهد في تناقض ابن عربي حيث نقل الدكتور كمال مصطفى الشيبي في كتابه الصلة: (ثم يأتي تيار مقابل من ابن عربي، وذلك أنه قد روى عن السجاد علي بن الحسين: أنه قال أو تمثل بالأبيات التالية:

إني لأكتُم من علمي جواهره *** كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

وقد تقدم في هذا أبو حسن *** إلى الحسين ووصَّى قبله الحسنا

يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به *** لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا

ولَاستحلَّ رجالٌ مُسلِمون دمي *** يرون أقبح ما يأتونه حسنا[9]

 


أقول: لاحظ قوله: (أنه قال أو تمثل بالأبيات...) ثم ذكر الأبيات الأربعة، لكننا حين راجعنا الفتوحات المكية وجدنا ابن عربي ذكر البيتين الأخيرين فقط وقال متردِّدا: (كان يشير علي بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب زين العابدين رضي الله عنهم بقوله فلا أدري هل هما من قيله أو تمثَّل بهما)[10]!

 

ثم في موضع آخر في التدبيرات الإلهية جزم بنسبتها للشريف الرضي فقال: (اعلم شرح الله سبحانه صدرك أنَّ مبنى هذا الطريق التسليم والتصديق، حتى قال بعض السادة القادة: "لا يبلغ الإنسان درجة الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صدِّيق أنه زنّيدق" ثم يؤيد قول هذا السيد بقول الشريف الرضي حفيد علي بن أبي طالب "كرم الله وجهه العزيز ورضي عنه" شعر...) ثم ذكر الأبيات[11].

 

والعجيب أنه نسبها للشريف الرضي في مقدمة الفتوحات أيضًا فقد جاء: (ولم يكن لقول الرضي من حفدة علي بن أبي طالب صلى الله عليه وسلم معنى إذ قال: يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به...) ثم ذكر البيتين الأخيرين[12]!

 

وفي موضع ثالث قال: (وكما قال علي رضي اللّه عنه حين عدم النقلة: "أنَّ ههنا -وضرب بيده إلى صدره- لعلومًا جمَّة لو وجَدتُ لها حملة". وكما قال ابنه الذكي الحبر الكبير السني...) ثم ذكر الأبيات[13]، فنسبها لأحد أبناء أمير المؤمنين بلا تسمية.

 

فكيف يقول "لا أدري هل هي للسجاد أم تمثَّل بها" ثم يجزم أنها للشريف الرضي المتوفى سنة 406هـ؟

وكيف يتمثل السجاد عليه السلام وهو المستشهد سنة 95هـ بأبيات الرضي المتوفى بعده بثلاثة قرون؟

وإذا كان يقصد من عبارة (ابنه الذكي الحبر الكبير السني...) الإمام السجاد عليه السلام -كما ادعى محقق كتاب "مجموعة رسائل ابن عربي"[14] فهذا قمة التناقض!

 

وقد حاول الشيبي تبرير هذا التناقض فقال: (وليست الأبيات للشريف الرضي الذي نعرفه ولكن ابن عربي قدم عبارة الشريف الرضي للوصف لا لتحديد الشخصية، ولا بُدَّ أنه أخذها من مصادر شيعية)[15]!

وهذا بعيد، لأن العبارة صريحة في التعيين، ولا يردُّها تقديم أو تأخير، حتى أن الطهراني استغرب من كون ابن عربي ينسب الأبيات إلى الشريف الرضي[16].

فالدكتور الشيبي يعلم جيدًا بعدم وجود أي مصدر شيعي يؤيد هذا الادعاء، بل حتى مصادر أهل الخلاف لا يوجد فيها من نسبها للشريف الرضي وقد اعترف هو نفسه بذلك ولكنه أراد تبرئة ساحة ابن عربي من هذا التناقض الواضح الفاضح!

 

نعم يوجد من الصوفية من نسبها للشريف الرضي وهو محمد بن حسن السمنودي الأزهري المتوفى سنة 1199هـ، في كتابه "تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين"[17] ولكنه متأخر كما تلاحظ، والظاهر أنه أخذ هذه النسبة عن ابن عربي.

 

الخلاصة: من هذا الاستقراء يتضح التخبط والتناقض في نسبة الأبيات حتى عند المتصوفة أنفسهم، وهو دليل قاطع على عدم ثبوتها عن الإمام زين العابدين عليه السلام، ولو كانت ثابتة عنه لنقلوها بسند متصل ولم يختلفوا فيها كل هذا الاختلاف.

 

#طالب_علم

 


[1] - الطريق إلى الله تعالى، الشيخ حسين البحراني، تحقيق وتعليق حبيب الكاظمي، ص91.

[2] - روضة التعريف في الحب الشريف، ج2، ص427.

[3] - كتاب الوجود، عبد الغني النابلسي، ص260.

[4] - مفتاح السعادة ومصباح السيادة، أحمد مصطفى زاده، ص47.

[5] - شرح الأزهار، أحمد بن يحيى المرتضى، ج3 ص166.

[6] - شرح حكم ابن عطاء الله السكندري، أحمد بن محمد زروق، ص95.

[7] - نتاج الأفكار القدسية، عبد الله العروسي،ج2 ص63.

[8] - اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح، شمس الدين البرماوي ج2، باب حفظ العلم، ص86-87، فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب، حسن بن علي الفيومي، ج1 ص717.

[9] - الصلة بين التصوف والتشيع، كمال الشيبي، ج1ص171.

[10] - الفتوحات المكية، ابن عربي، ج1 ص200، طبعة دار صادر.

[11] - التدبيرات الالهية، ابن عربي، بتحقيق الدكتور محمد الإدريسي الحسيني، ص80.

[12] - الفتوحات المكية، ابن عربي، ج1 ص32، طبعة دار صادر.

[13] - مجموعة رسائل ابن عربي، ج2 ص144.

[14] - مجموعة رسائل ابن عربي، هامش ج2 ص144، طبعة دار المحجة البيضاء.

[15] - الصلة بين التصوف والتشيع، كمال الشيبي، ج1هامش ص171-172.

[16] - الروح المجرد، الطهراني، ص372.

[17] - تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين، محمد بن حسن السمنودي الأزهري، ص95.

الأربعاء، 19 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثالثة والثلاثون)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثالثة والثلاثون)

 

12- نقد نسبة الأبيات إلى كلثوم بن عمرو العتابي:

 

وأما نسبتها إلى الشاعر أبي عمرو كلثوم بن عمرو العتابي التغلبي المتوفى سنة 220هـ وقيل 208هـ، فقد ذكر ذلك الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد حيث قال: (أخبرني أبو الحسن محمد بن عبد الواحد: حدَّثنا أبو الفضل محمد بن عبد الله الشيباني قال: حدَّثني كلثوم بن عمرو بن كلثوم التغلبي قال: أنشدني أبي أن جدّه كلثوم بن عمرو أنشده لنفسه: "إني لأخفي من علمي جواهره...) إلى آخر الأبيات[1].



وما يميز هذه النسبة أنها الوحيدة المسندة إلى قائلها بعكس النِّسب الأخرى، وأنَّ مصدرها قديم وهو "تاريخ بغداد" للخطيب المتوفى سنة 463هـ، لذلك قال الدكتور كمال مصطفى الشيبي: (وهذه النسبة أقرب إلى الصواب)[2].

 

وما يقوي هذه النسبة هو مناسبتها لحال العتابي حيث ذكر الدكتور مسعد العطوي سبب إنشاد العتابي لهذه الأبيات فقال: (وصارت تهمة الزندقة وسيلة من وسائل الانتقام في ذلك العصر، فإذا ما غضب الشاعر أو الكاتب أو العالم على زميله وجه إليه تهمة الزندقة، وإذا ما وجد شاعر ماجن خالع اتهموه بالزندقة، وإذا ما جلس شاب إلى هؤلاء الشعراء المُجَّان اتهموه بالزندقة أيضًا، فضلًا عن الصداقة والمسامرة، وأظن أن هذه الأسباب هي التي جعلتهم يرمون العتابي بالزندقة، فهو من البصرة وجالس بشار بن برد الذي قُتل بتهمة الزندقة، ومكث العتابي بالكوفة مدة من الزمن، وجالس ونادم حماد عجرد ومطيع بن إياس وخلافهم، وهم متهمون بالزندقة، لذا فإن الطاعن والحاقد عليه يكاد يجد الحجة له على العتابي، كما أن علمه بالفارسية وغرابته على العرب، واتصاله بالبرامكة وآل طاهر وغيرهم يزيد من التهمة، وقد أدرك ذلك بنفسه فتحاشى بعض الأفكار خوفًا من اتهام الناس له فقال:

إني لأخفي من علمي جواهره **** كي لا يرى العلم ذو جهل فيفتتنا

ورُبَّ جوهر علم لو أبوح به **** لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا

ولاستحلَّ رجال يبتغون دمي **** يرون أقبح ما يأتونه حسنا

وقد تقدم في هذا أبو حسنٍ * أوصى حسينًا بما قد خبَّر الحسنا)[3].

 


وجاء في "معجم الشعراء" للمرزباني في ترجمته: (كلثوم بن عمرو العتابي، التغلبي. من ولد عمرو بن كلثوم الشاعر. والعتابي يكنى أبا عمرو، وهو شامي، من أهل قنسرين، شاعر مجيد، مقتدر على قول الشعر، وهو كاتب مترسل، وله ألفاظ تُثبت، ورسائل تُدوَّن. ورمي بالزندقة، والرفض، فطلبه الرشيد، فهرب إلى اليمن...)[4].

فالأبيات تتطابق تمامًا مع واقع العتابي وخوفه من رميه بالزندقة، وكتمان ما لديه مما يعتبره من العلم خشية سوء الفهم.

 

الخلاصة: إنَّ أقوى نسبة للأبيات سندًا ودلالة هي نسبتها إلى "كلثوم بن عمرو العتابي"، لوجود سند متصل في "تاريخ بغداد"، ولكونها توافق حاله وما رُمي به من تهمة الزندقة، وعليه فالظاهر أنَّ الأبيات له، وليست لأحد غيره.

وسيأتي مزيد من التفصيل والترجيح النهائي في الحلقات القادمة.

 

#طالب_علم

 


[1] - تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، ج12 ص487.

[2] - الصلة بين التصوف والتشيع، ج١ هامش ص172.

[3] - العتابي حياته وأدبه، مسعد العطوي، ص48.

[4] - معجم الشعراء، المرزباني، ص291.