الأحد، 6 سبتمبر 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الرابعة والأربعون)

 

 

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الرابعة والأربعون)

 

مـن هــو صـــــاحب الأبيــــــات؟

 

بغض النظر عن كون كتاب "منهاج العابدين" للغزالي أو للسبتي، وأُلِّف في القرن السادس أو السابع، فإن الأبيات نفسها قد سبقت تأليف الكتاب، حيث نسبها الخطيب البغدادي المتوفى 463هـ في تاريخه إلى الشاعر أبي عمرو كلثوم بن عمرو العتابي المتوفى سنة 220هـ وقيل 208هـ.

فقد جاء في تاريخ بغداد في ترجمة العتابي، قال الخطيب: (أخبرني أبو الحسن محمد بن عبد الواحد: حدَّثنا أبو الفضل محمد بن عبد الله الشيباني قال: حدَّثني كلثوم بن عمرو بن كلثوم التغلبي قال: أنشدني أبي أن جدَّه كلثوم بن عمرو أنشده لنفسه:

إني لأخفي من علمي جواهره *** كي لا يرى العلم ذو جهلٍ فيفتتنا

ورُبَّ جوهر علمٍ لو أبوح به *** لقيل لي: أنت ممَّنْ يعبد الوثنا

ولَاستحلَّ رجالٌ ديِّنون دمي *** يرَوْن أقبح ما يأتونه حَسَنًا

وقد تقدَّم في هذا أبو حسنٍ *** أوصى حسينًا بما قد خبَّر الحسنا[1]

 


وقد توصل الباحثون إلى أن "تاريخ بغداد" هو أقدم مصدر تاريخي معتمد لهذه الأبيات، بالإضافة إلى كونها مسندة إلى قائلها بعكس الأقوال الأخرى المرسلة[2].

لذلك اعتمد الدكتور كمال مصطفى الشيبي هذا المصدر في نسبة الأبيات إلى العتابي ونفي كونها للإمام، قال في شرحه لديوان الحلاج: (إن هذه المقطعة قد تداولتها عشرات الكتب ناسبة إياها إلى الإمام زين العابدين وهي في الحق للعتابي أبي عمرو كلثوم بن عمرو الشاعر الأديب المتزهد الذي اتُّهم بالزندقة أيام الرشيد... وقد كان العتابي يصانع العامة ويجاملهم في الظاهر لكنه كان يحتقرهم ويخشاهم ويبدو أن هذه الأبيات نتيجة لتجربة عاناها منهم. وكانت ثمرة قوله لها أن رُمي بالزندقة والرفض فطلبه الرشيد فهرب إلى اليمن)[3].

وأكد في كتابه الصلة: (وهذه النسبة أقرب إلى الصواب، إذ كان العتابي مُتَّهمًا بالزندقة)[4].

 

وبيَّن الدكتور مسعد العطوي سبب إنشادها فقال: (صارت تهمة الزندقة وسيلة من وسائل الانتقام في ذلك العصر... لذا فإن الطاعن والحاقد عليه يكاد يجد الحجة له على العتابي، كما أن علمه بالفارسية وغرابته على العرب، واتصاله بالبرامكة وآل طاهر وغيرهم يزيد من التهمة، وقد أدرك ذلك بنفسه فتحاشى بعض الأفكار خوفًا من اتهام الناس له فقال: إني لأخفي من علمي جواهره...) إلى آخر الأبيات[5].

وقال محمود القاسم عند ذكره للأبيات: (مما ينسبونه لزين العابدين وهو في الواقع لكلثوم بن عمرو العتابي توفي عام 220)[6].

 

وذهب الشيخ جويا جهانبخش إلى أن صاحبها الحقيقي هو العتابي، حيث قال: (هناك في مقابل هذا الركام من النقول غير المسندة، والتي تعود جذورها في الغالب ـ إذا لم نقل بشكلٍ كامل ـ إلى التصوُّف والتسنُّن، هناك نقلٌ معنعن قديم، يبدو أنه يعرِّفنا بالقائل الحقيقي لهذه الأبيات، وهو نقل الخطيب البغدادي... في تاريخ بغداد، في بيان أحوال أبي عمرو كلثوم بن عمرو العتابي، قائلًا: "أخبرني أبو الحسن محمد بن عبد الواحد: حدَّثنا أبو الفضل محمد بن عبد الله الشيباني قال: حدَّثني كلثوم بن عمرو بن كلثوم التغلبي قال: أنشدني أبي أن جدَّه كلثوم بن عمرو أنشده لنفسه...) ثم ذكر الأبيات[7].

 

ويرى الشيخ جويا جهانبخش أن الصوفية والغلاة استغلوا الأبيات واستشهدوا بها في قضايا أخرى حيث قال: (وإن قوله -ويقصد العتابي"إنِّي لأكتم من علمي جواهرَه…" إنما هو في حقيقة الأمر نجوى مفكِّر مستنير يشكو ما يلاقيه من أبناء عصره. ثمَّ فيما بعد عمد الصوفية إلى إخراجها عن إطارها، وأخذوا يستشهدون بها على قضايا أخرى، حَظِيَتْ بعد ذلك باستقبال الغلاة أيضًا، ولا سيَّما بعد نسبتهم ذلك خطأً إلى الإمام زين العابدين عليه السلام أيضًا، حيث اصطبغت بصبغةٍ دينية، ليستندوا إليها في إطار نشاطهم الفكري، وتسويق اتجاهاتهم واستنباطاتهم الغالية)[8].

 

وكذلك الباحث نبيل الكرخي ذهب إلى أن أصل الأبيات للشاعر كلثوم بن عمرو العتابي حيث قال: (وأقدم مصدر معروف ذكر هذه الأبيات هو كتاب تاريخ بغداد لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت المعروف بالخطيب البغدادي (متوفى 463هـ)، وذكر أن هذه الأبيات هي للشاعر كلثوم بن عمرو العتابي التغلبي، حيث جاء فيه: "كلثوم بن عمرو، أبو عمرو العتابي: كان شاعرًا خطيبًا بليغًا مجيدًا، وهو من أهل قنسرين وقدم بغداد ومدح هارون الرشيد وغيره من الخلفاء والأشراف، وله رسائل مستحسنة، وكان يتجنب غشيان السلطان قناعة وتنزها، وصيانة وتقززا. وكان يلبس الصوف ويظهر الزهد"...) وبعد ذكره للأبيات قال: (هذا هو أصل الشعر، ثم فجأة يظهر هذا الشعر في أحد مؤلفات أبي حامد الغزالي الصوفي والشافعي المذهب (متوفى 505هـ)، ناسبًا إياه للإمام علي السجاد عليه السلام)[9]!

 

ويذهب الكرخي أيضًا إلى أن المتصوفة استغلوا أبيات العتابي وشرحوها على طريقتهم، حيث قال: (هكذا يستغل المتصوِّفة شِعر عمرو بن كلثوم العتابي فينسبونه للإمام السجاد عليه السلام كما ينسبون طريقتهم كلها له ولبقية أئمة آل البيت الأطهار عليهم السلام افتراءً عليهم!! ثم يروِّجون بين الناس أنهم أصحاب "أسرار" و"علوم باطنية" و"علوم خاصة" و"عقيدة الخواص وخواص الخواص" وأن التصوُّف يتطلب "محققين في المعرفة بالأسرار" وأنَّ "هذه العلوم لا يتحملها غيرهم"! وأنَّ "النفوس تتفاوت حسب جبلاتها واستعداداتها في تلقي الحقائق الراهنة" ... وما هي إلا تعابير يحاولون التأثير بها على نفسية وذهنية المتلقي ليتقبَّل أفكارهم هذه والتي لا يمكن لمسلم ملتزم بالتوحيد والعترة الطاهرة صلوات الله عليها ومقتصرًا عليهما في معارفه أن يتقبلها)[10].

 

وبهذا يتبيَّن للقارئ الكريم أنَّ هذه الأبيات ليست للإمام زين العابدين عليه السلام كما روَّج العرفاء والمتصوفة إنما هي للشاعر كلثوم بن عمرو العتابي، فنِسبتُها إليه هي أقوى نسبة للأبيات سندًا ودلالة، فهي النسبة الوحيدة المُسندَة إلى قائلها بعكس النِّسب الأخرى لوجود سند متصل في "تاريخ بغداد"، ولكونها توافق حال العتابي وما رُمي به من تهمة الزندقة.

 

#طالب_علم

 


[1] - تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، ج12 ص487.

[2] - هناك مصدرٌ أقدمُ من "تاريخ بغداد" وهو "ديوان الأحنف العكبري" والذي جمعه الحسن بن شهاب العكبري الحنبلي المُتوفَّى 428هـ، إلا أن نسبة الأبيات إلى الأحنف مشكوكٌ فيها جدًا، بسبب إدخالها في ديوانه مع التصريح بأنها "تُروى للصادق عليه السلام"، وبسبب سوء حالة المخطوطة وتصرف المحقق بالحذف والتعديل، ولاضطراب النسبة وعدم وجود سند متصل إلى الإمام الصادق عليه السلام، بخلاف نسبة "تاريخ بغداد" فإنها مسندةٌ مُعنعنةٌ إلى كلثوم بن عمرو العتابي المتوفى 220هـ أو 208هـ، فتبقى هي الأقوى والأقدمُ ثُبوتًا.

[3] - شرح ديوان الحلاج، الدكتور كامل مصطفى الشيبي، ص508-٥٠٩.

[4] - الصلة بين التصوف والتشيع، ج١ هامش ص172.

[5] - العتابي حياته وأدبه، مسعد العطوي، ص48.

[6] - الكشف عن حقيقة الصوفية، محمود عبد الرؤوف القاسم، ص18.

[7] - مجلة نصوص معاصرة، عدد 42-43، مقال بعنوان" نقد الانتساب لأهل البيت" للشيخ جويا جهانبخش، ص315-316.

[8] - المصدر السابق، ص317.

[9] - مقال بعنوان: إفتراء صوفي على الإمام السجاد عليه السلام/ للكاتب نبيل الكرخي.

[10] - المصدر السابق.

السبت، 5 سبتمبر 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثالثة والأربعون)

 

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثالثة والأربعون)

 

من نسب الأبيات إلى الإمام السجاد عليه السلام؟

 

إنَّ أقدم مصدر نسب هذه الأبيات إلى الإمام زين العابدين عليه السلام هو كتاب "منهاج العابدين" المنسوب للغزالي، ولا يوجد أي مصدر قبله نسبها إليه، ومن هذا الكتاب انتشرت النسبة بين الصوفية، ومن ثم تسللت من خلال بعض العرفاء في القرن الثامن إلى الداخل الشيعي. والكتاب منسوب لأبي حامد الغزالي المتوفى سنة 505هـ.

 

وقد نفى ابن عربي نسبة هذا الكتاب إلى الغزالي، حيث قال عبد الرحمن بدوي في كتابه "مؤلفات الغزالي": (وقد أثير كثير من الجدل حول صحة نسبة الكتاب إلى الغزالي والسبب في هذا الجدل هو أنّ محيي الدين ابن عربي في كتابه "محاضرات الأبرار ومسامرة الأخيار" ينسبه إلى أبي الحسن علي المسفر السبتي، وكان زاهدًا مغمورًا، لقيه ابن عربي بسبتة، وقال إنه هو مؤلف "منهاج العابدين" و "رسالة النفخ والتسوية" اللذين ينسبان كلاهما للغزالي بل والصحيح أنهما ليسا للغزالي بل لأبي الحسن علي المسفر السبتي هذا فيما يزعم ابن عربي)[1]!

 


وهذا نص ابن عربي في محاضرة الأبرار: (كان هذا الشيخ المسفر جليل القدر حكيمًا عارفًا غامضًا في الناس مخمول الذكر، رأيته بِسَبْتَةَ، له تصانيف منها منهاج العابدين يعزى لأبي حامد الغزالي وليس له وإنما هو من مصنفات هذا الشيخ...)[2]!

وبحسب تصريح ابن عربي يكون الكتاب قد أُلِّف في القرن السابع وليس السادس، لأن المؤلف معاصر لابن عربي المتوفى 638هـ!

 

ويقول عبد الله كنون:(أن كتاب منهاج العابدين لم يذكره ابن السبكي في جملة مؤلفات الغزالي أثناء ترجمته له في طبقات الشافعية، وقد لاحظ ذلك السيد مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء وأشار إلى مقالة ابن عربي هذه. وقد يعني ذلك أن نسبة الكتاب إلى الغزالي لم تكن معروفة في كل الأوساط بحيث خفيت على ابن السبكي فلم يذكره ولو بهذه الصفة وذلك مما يرجح أنه ليس من مؤلفاته)[3].

وهذا نص ما ذكره الزبيدي في كتابه: (منها منهاج العابدين إلى جنة رب العالمين...قلت: لم يذكره ابن السبكي في تعداد مصنفاته، ورأيت في كتاب المسامرة للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي قدس سره ما نصه أن الشيخ أبا الحسن علي بن خليل السبتي كان عالمًا بالحقيقة عارفًا مخمول الذكر رأيته بسبتة وتباحثت معه، ورأيت له تصانيف منها منهاج العابدين الذي يعزى إلى أبي حامد الغزالي وليس له وهو غريب يستفاد)[4].

 


وأضف إلى ذلك ما ذكره المستشرق أسين بلاثيوس في كتاب "روحية الغزالي" حين قال: (إن كتاب "منهاج العارفين" غير كتاب "منهاج العابدين") ثم يعلِّق عبد الرحمن بدوي على ذلك بقوله: (بَيْدَ أنه يرى أن كتاب "منهاج العابدين" منحول وليس للغزالي لعدم الاتفاق بين عنوان الكتاب ومضمونه، ولخلوه من ذكر شيء من مؤلفات الغزالي، على عادة الغزالي)[5]!

 

فكتاب "منهاج العابدين" منحول بحسب رأي المستشرق أسين بلاثيوس، وكذلك ماسينيون في كتابه "عذاب الحلاج"[6] وقد شكك في نسبة الكتاب للغزالي[7]، ولم يذكره السبكي ضمن مؤلفات الغزالي، وهذا يؤكد ما ذكره ابن عربي من كون الكتاب للصوفي المغمور علي المسفر السبتي!

 

ومن جهة أخرى أصرَّ البعض على كون كتاب "منهاج العابدين" للغزالي وذكروا عدة أدلة منها: أن الذين ترجموا للغزالي عزوا هذا الكتاب له، وأن مقدمة الكتاب تشير بوضوح إلى أن مؤلفه هو الغزالي، وأن الكتاب هو حلقة في سلسلة كتب الغزالي الوعظية، وأن الإشارات الواردة في الكتاب والتي تعيد القارئ إلى مؤلفات سابقة للغزالي تدل على صحة نسبة الكتاب له...إلى غيرها من الأدلة التي ساقوها للدلالة على كون الكتاب للغزالي[8].

 

فتلاحظ أخي القارئ حال أول وأقدم مصدر ينسب الأبيات المشبوهة للإمام زين العابدين عليه السلام، فهو يُنسب لشخصيتين من الصوفية أحدهما الغزالي الشافعي، والثاني صوفي مغمور لا يزكيه إلا زنديق مثل ابن عربي، هذا عدا كون الأبيات ذُكرت في الكتاب مرسلة من غير سند متصل أو مصدر يُعزى إليه!

 

#طالب_علم


[1] - مؤلفات الغزالي، عبد الرحمن بدوي، ص237.

[2] - محاضرة الأبرار، ابن عربي، ج1ص161.

[3] - مجلة المناهل، العدد 22، مقال بعنوان: أبو الحسن المسفر فيلسوف سبتي من عهد الموحدين، ص426.

[4] - إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، الزبيدي، ج1 ص59.

[5] - مؤلفات الغزالي، عبد الرحمن بدوي، ص248.

[6] - مقدمة منهاج العابدين، بتحقيق محمد إبراهيم الأزهري، ص22 نقلا عن عذاب الحلاج، ج2ص20.

[7] - مقدمة منهاج العابدين، بتحقيق محمد إبراهيم الأزهري، ص22.

[8] - راجع منهاج العابدين، بتحقيق الدكتور محمود مصطفى حلاوي، ص24.

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثانية والأربعون)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثانية والأربعون)

 

هل يوجد لهذه النسبة سندٌ معتبر؟

 


قد أجاب الشيخ جويا جهانبخش على من ينسبها للإمام بقوله: (إن الذي يُضعِّف نسبة هذه الأبيات إلى سيد الساجدين عليه السلام بشكل جاد، بل الذي يردُّ هذه النسبة وينكرها، هو مناقشتها من الناحية السندية، بمعنى: هل هناك من سَنَدٍ معتبر يُثبت نسبة هذه الأبيات وصدورها عن الإمام السجاد أم لا؟ أو ما هي أقدم النصوص والمصادر التي اشتملت على "مستند" نسبة هذه الأبيات إلى هذا الإمام الهُمام؟ وهل النسبة التي تذكرها هذه المصادر جديرةٌ بالوثوق أم لا؟ أو هل هناك من "سند" أو "مستند" آخر في الجهة المقابلة يثبت نسبة هذه الأبيات إلى أشخاصٍ آخرين؟ وبالتالي ما هو الراجح من بين هذه الأقوال عند وضعها على كفّتي الميزان، والمقارنة فيما بينها؟)[1].

 

ويضيف قائلاً: (الحقيقة أن هذه الأبيات لم تَرِدْ في المصادر الأصلية والأصيلة في سِيَر وأخبار وأحاديث الشيعة. ومن هنا لا نراها حتّى في الموسوعة القيمة للعلَّامة محمد باقر المجلسي رحمه الله، أعني بذلك موسوعة بحار الأنوار. وبطبيعة الحال لم يكن هناك ـ للأسف الشديد ـ سوى القليل ممَّنْ حذَّر من الاستشهاد والاستناد إلى هذا النوع من الأشعار؛ بالالتفات ـ في الحدِّ الأدنى ـ إلى افتقارها للدعامة الموثوقة. وإن من بين النوادر الذين التفتوا إلى ضعف رواية "سند ومستند" هذا الشعر، وضعَّف دلالته على بعض المقاصد والمفاهيم المدَّعاة، ولفت الانتباه إليها، هو العالم المدقِّق الشيخ أبو القاسم الكازروني، المعاصر للعهد الصفوي).

 

قال الكازروني في المرقوم الثالث من كتاب سلم السماوات في بيان وحدة الوجود: (وكذلك لم يكن مثل هذه الكلمات مسموعًا في شرائع الأنبياء عليهم السلام، ولم يُنقل عن الأئمة الأطهار عليهم السلام والنوَّاب الأربعة لصاحب العصر والزمان عليه السلام والمشايخ العظام من علماء الإمامية المخصوصين بظهور الكشف والكرامة، وحفظ أسرار النبوّة والولاية. وما نقل عن الإمام الرابع عليّ زين العابدين عليه السلام أنه قال شعرًا:

إنّي لأكتم من علمي جواهرَه * كي لا يرى الحقَّ ذو جهلٍ فيفتتنا

وقد تقدَّم في هذا أبو حسنٍ * إلى الحسين ووصَّى قبله الحسنا

يا رُبَّ جوهر علمٍ لو أبوح به * لقيل لي: أنت ممَّنْ يعبد الوثنا

وما يُشير إلى هذه المعاني ضعيف الرواية والدلالة)[2].

 

ثم يعلِّق الشيخ جويا جهانبخش: (إن المسألة الأخيرة والدقيقة التي أثارها الكازروني تستحقُّ الكثير من الاهتمام. فقد أدرك الكازروني أن بعضًا من المتصوِّفين والمتفلسفين ومَنْ إليهما يعمدون إلى طرح مدَّعيات تفتقر إلى الدعامة المتينة من النصوص الشرعية، وقد تكون أحيانًا غير منسجمة مع هذه النصوص، ثمّ يستشهدون بأمثال هذه الأبيات، في سعيٍ منهم إلى القول بأن هذه المدَّعيات إنّما هي من أسرار الإمامة والولاية. من هنا يعمل الكازروني، من خلال نقده، على توجيه الأنظار إلى أن "رواية" و"دلالة" هذا الشاهد "ضعيفة"، بمعنى أنه لا نسبة هذا الكلام المنظوم إلى الإمام زين العابدين عليه السلام ثابتة، ولا هذا الكلام يدلُّ بوضوحٍ على ما يقصده المدَّعون؛ إذ على فرض صدور هذا الكلام عن الإمام السجاد عليه السلام مع ذلك لا يمكن أن نحدِّد ما هو مراده من تلك الجواهر "جواهر العلم" التي يتعذَّر فهمها وإدراكها. إن الدقّة التي بذلها الكازروني في هذا المقام ـ وإنْ لم يكن قد جاء فيها بعمل معجز، من قبيل: شقِّ القمر! إلّا أن هذه الدقّة تكفي لجعله مبرَّزًا ومتقدِّمًا على أقرانه من علماء عصره ـ كان من الأجدر أن يعمِّمها على مؤلَّفات بعض آخر من العلماء المحدِّثين والمتبحِّرين في ذلك العصر، الذين رأينا منهم ـ للأسف الشديد ـ استشهادًا بهذه الأشعار، دون أن يدقِّقوا في ضعفها دلالةً ورواية)[3].

 

وبهذا يبطل نسبتها من الناحية السندية، فليس هناك سند معتبر يثبت صدورها عن الإمام السجاد عليه السلام.

 

#طالب_علم


[1] - مجلة نصوص معاصرة، عدد 42-43، مقال بعنوان" نقد الانتساب لأهل البيت" للشيخ جويا جهانبخش، ص309.

[2] - المصدر السابق، ص310.

[3] - المصدر السابق، ص310-311.

الخميس، 3 سبتمبر 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الحادية والأربعون)

 

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الحادية والأربعون)

 

ماهي المصادر التي اعتمدها علي المياحي؟

 

نسب المياحي الأبيات إلى الإمام زين العابدين عليه السلام على نحو الجزم في لقائه على القناة الرابعة العراقية وفي كتبه ومحاضراته، مما أثار اعتراض بعض العلماء عليه. فاضطر أن ينشر مصادر اعتماده على قناته في التلغرام تحت عنوان: (تنويه بسيط) لكنه خفف العبارة فقال: (تُنسب هذه الأبيات لمولانا زين العابدين...) ثم ذكر الأبيات![1]


وهذا تلبيس، لأنه كان يرويها على نحو "القطع واليقين" ثم لمَّا اعترضوا عليه قال: "تُنسب"!

 

أما مصادره التي ذكرها، فهي:

أولا: مصادر عامية صوفية: ذكر تفسير روح المعاني للآلوسي و ينابيع المودة للقندوزي الحنفي وهما من متصوفة العامة![2]

أما الآلوسي فقد علق على الأبيات ذاكرا أنَّ المقصود من الأسرار التي يجب كتمها هي عقيدتهم وحدة الوجود[3]، ونقل عن المتصوفة أن الإمام عليه السلام عنى بقوله: (جوهر علم لو أبوح به لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا) علم وحدة الوجود إذ الوثن مظهر للذات الإلهية فليس في الدار غيره ديار![4]

وأما القندوزي فهو صوفي من العيار الثقيل على منهج ابن عربي.[5]

فالآلوسي ذكر الأبيات للتبرير لعقيدتهم "وحدة الوجود والموجود" وألصقها بالإمام سلام الله عليه لكسب الشرعية، والقندوزي صوفي على منهج ابن عربي.

فكيف يعتمد المياحي على مثل هؤلاء إن لم يكن منهم؟!

 

ثانيًا: كتب شيعية متأخرة مرسلة بلا سند: وأما الكتب الشيعية التي ذكرها المياحي كمصادر لإثبات نسبة الأبيات للإمام السجاد عليه السلام فهي ليست من المصادر المعتمدة في نقل الروايات والآثار، ومؤلفي هذه الكتب من متأخري المتأخرين أو المعاصرين، حيث نقلوا الأبيات مرسلة بلا سند وبدون تدقيق كما تقدم بيانه.

فأما كتاب "شذرات من فلسفة تاريخ الإمام الحسين عليه السلام" للسيد محمد صادق الصدر -وهو معاصر- فقد صرَّح المؤلف في كتابه أنه نقل الأبيات من مصادر العامة حيث قال:(وقد وجدت في بعض كتب التراجم من العامة في ذكر السجاد عليه السلام ومناقبه إنه كان حافظًا لأسرار الله تعالى ويستدل على ذلك بقوله عليه السلام...) ثم ذكر الأبيات[6]، وقد أحال في الهامش إلى ينابيع المودة للقندوزي الصوفي، ولكنَّ المياحي أخفى هذه العبارة وقال: (والمصادر والمراجع والكتب التي أشارت إلى أنها للإمام السجاد عليه السلام...)[7] ثم ذكر المصادر بدون تنبيه، وهذا تدليس!



وكذلك صاحب "موسوعة الغدير" حيث نقل الأبيات عن العامة فأحال في الهامش إلى (تفسير الآلوسي، 6ج ص190)[8] ولكن المياحي ذكره كمصدر مستقل!

 


وهكذا صاحب كتاب "حياة الإمام زين العابدين عليه السلام" أحال في الهامش إلى ثلاثة مصادر صوفية والرابع ناقل عنهم[9]، ولكن المياحي ذكره كمصدر مستقل وبدون تنبيه!

 


وأمّا الفيض الكاشاني فإنه نقلها مرسلة في كتبه كغيره بدون تدقيق، بالإضافة إلى كونه من تلامذة ملا صدرا في مدرسته الصوفية المنتمية لابن عربي فلا يُعتمد على نقله في هذا الخصوص.

 

وأمَّا كتاب "مفتاح الفلاح" للشيخ البهائي العاملي، فالناقل للأبيات هو الشارح الخواجوئي وليس المؤلف[10]، ولو راجع الأصل بلا شرح لم يجد لها أثراً![11]!

نعم ذكر الشيخ البهائي بيتين في الكشكول بلا إسناد[12]، والكشكول ذو صبغة صوفية واضحة كما قال الشيخ جهانبخش: (وقد استشهد العلامة الشيخ البهائي في واحدةٍ من مقالات كشكوله ـ ذي الصبغة الصوفية الواضحة ـ ببيتين من الشعر مورد البحث، في معرض الحديث عن مسألتين صوفيتين، وهما: "إنَّ سرَّ الحقيقة ممَّا لا يُمكن أن يُقال"، و"إفشاء سرِّ الربوبية كفرٌ"، مع إسنادهما إلى الإمام زين العابدين عليه السلام)[13].

 

الخلاصة: لا يوجد مصدر واحد بسند متصل يثبت صدور تلك الأبيات عن الإمام زين العابدين عليه السلام، وكل ما اعتمد عليه المياحي إما صوفي على مذهب وحدة الوجود، أو شيعي متأخر ناقل بلا تدقيق عن الصوفية.

بل وقع المياحي في ثلاثة تدليسات:

1- دلس على ابن عجيبة فنسب له أربعة أبيات بترتيب "منهاج العابدين"، بينما ابن عجيبة ذكر ثلاثة فقط بترتيب مختلف.

 

2- دلس في التعبير، فبعد أن كان يجزم بنسبتها للإمام زين العابدين عليه السلام، قال حينما رأى الاعتراض عليه: (تُنسب).

 

3- دلس حينما ذكر مصادر شيعية هي في الأصل ناقلة عن العامة من دون أن ينبِّه لذلك.

 

4- إذا لم يكن نقله عن "مفتاح الفلاح" عن توهُّم فهو تدليس رابع، لأن الأبيات ليست في أصل الكتاب وإنما في حاشية الشارح!

 

#طالب_علم



[2] - راجع قناة الشيخ علي المياحي على التلجرام.

[3] - تفسير روح المعاني، الآلوسي، ج3 ص356، ج6 ص190.

[4] - تفسير روح المعاني، ج15ص125، وفي طبعة أخرى، ج8 ص118.

[5] - راجع مجلة نصوص معاصرة، عدد 42-43، مقال بعنوان" نقد الانتساب لأهل البيت" للشيخ جويا جهانبخش، ص315.

[6] - شذرات من فلسفة تاريخ الحسين عليه السلام، السيد محمد صادق الصدر، ص121 وفي طبعة دار ومكتبة البصائر، ص135.

[7] - راجع قناة الشيخ علي المياحي على التلجرام.

[8] - موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب،ج7 ص52.

[9] - حياة الإمام زين العابدين "عليه السلام" للشيخ باقر شريف القرشي ص122، موسوعة سيرة أهل البيت عليهم السلام، ج15 ص130.

[10] - مفتاح الفلاح للشيخ البهائي العاملي ج1ص76، بتعليق: محمد إسماعيل الخواجوئي، تحقيق: مهدي الرجائي، مؤسسة النشر الإسلامي.

[11] - راجع مفتاح الفلاح للشيخ البهائي، ص12، طبعة دار الأعلمي.

[12] - الكشكول، بهاء الدين العاملي، ج3 ص172.

[13] - مجلة نصوص معاصرة، العدد 42-43، مقال بعنوان" نقد الانتساب لأهل البيت" للشيخ جويا جهانبخش، ص311.