السبت، 25 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثانية عشر)

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثانية عشر)

 

محاولةُ تضييعِ الحقيقة

 

حاول الطهراني -عند شرحه لهذا البيت- تضييع الحقيقة بقوله: (أنّ الإمام يقول هنا: إنّ الحقائق التي فهمتها وأدركتها عن التوحيد هي عند الناس كعبادة الأصنام، أُولئك الناس الذين يرون أقبح أعمالهم -التي هي عين الشرك- عملاً حسناً؛ أي أنّ إيماني يغاير ويعاكس كلّ المغايرة والمعاكسة إيمان هؤلاء القوم، وكلُّ ما أعرفه عن التوحيد فهو عندهم شرك، وما يعدُّه هؤلاء من الإسلام وسيرة المسلمين فينجزون أعمالهم ـ على أساسه عن نيَّة وعقيدة حسنة فيحجُّون ويجاهدون ويقومون بسائر الأعمال الحسنة، ويحلُّون سفك دمي من ثمَّ عن عصبيَّة إسلاميَّة، فإنَّ جميع هذه الأعمال باعتبارها غير مقترنة برؤية جمال الحقِّ وانكشاف وحدته... ذلك لأنها لم تصطبغ بصبغة الوحدة ولم يُجلَ عنها صدأ الأنانيَّة والإنِّيَّة، فهي لذلك من أخبث الأفعال والأعمال... وبطبيعة الحال فإنَّ مَن ينظر إلى جميع الموجودات بالنظر التوحيدي سيراها بشكل آخر، ولولا ذلك لما قال عليه السلام إنَّه يتكتَّم على علمه فلا يُظهره ولا يُجريه على لسانه وحيث إنَّ السبيل الوحيد للعلاج منحصر في أن نخطو بقدم صدق على صراط التوحيد من أجل نيل مشاهدة الإمام السجّاد عليه السلام)[1]!

ويقول أيضاً في "كتابه ولاية الفقيه في حكومة الإسلام": (المراد بجوهر العلم هو العلوم الأصيلة والواقعية وغير القابلة للتشكيك والتي تعُدُّ جميع العلوم في مقابلها اعتبارية وباطلة ومجازا، بينما يكون ذلك العلم هو العلم الجوهر، أي العلم الأصيل بالواقع والحقيقة. فكم من العلوم التي لو أظهرتها وبينتها لاتهمت بعبادة الأوثان والخروج عن الإسلام! حيث يتصور أنَّ ليس للمسلم مثل هذه العقيدة، وما هي إلا عقيدة عبدة الأوثان! وعندها يستحل جماعة من المسلمين دمي ويقتلونني، إذ يرونني كافرا بسبب ما أقوله! وهؤلاء المسلمون يرون قتلي- الذي هو أسوأ الأعمال- حسنا، ويقولون: إن هذا الرجل كافر ومشرك وعابد للصنم؛ فيجب قتله وسفك دمه، يجب إزالة هذا القائل بوحدة الوجود عن وجه الأرض، وتطهير الأرض من لوث وجوده لكي لا يظهر بين المسلمين نظير له، فيفعلون ذلك العمل مع كونه: أقبح ما يأتونه)[2]!

 

أقول: حاول الطهراني في بداية شرحه للأبيات أن يموِّه المعنى المقصود عند العرفاء حيث قال: (إنّ الحقائق التي فهمتها وأدركتها عن التوحيد هي عند الناس كعبادة الأصنام...)! والصحيح هو أن العرفاء يعتقدون بوحدة الوجود والموجود وليس التوحيد فكل الموجودات -حتى الأوثان- هي عين ذات الله في معتقدهم ولكن الطهراني استخدم لفظ "التوحيد" و"النظر التوحيدي" ليُخفي عقيدة وحدة الوجود، مع أنه صرح قبلها أن المراد هو "انكشاف الوحدة" و"صبغة الوحدة" وجعل من يخالفه هو المشرك فقال: (أُولئك الناس الذين يرون أقبح أعمالهم -التي هي عين الشرك- عملًا حسناً...) بينما الشرك بل الكفر هو في عقيدتهم وحدة الوجود والموجود فلو كشفها للناس لقالوا بأنه يعبد الوثن ولذلك قال في كتابه ولاية الفقيه في حكومة الإسلام: (فكم من العلوم التي لو أظهرتها وبينتها -يقصد وحدة الوجود- لاتُّهمت بعبادة الأوثان والخروج عن الإسلام! حيث يتصور أن ليس للمسلم مثل هذه العقيدة، وما هي إلا عقيدة عبدة الأوثان)!

والعجيب أنه قال قبل هذه العبارة: (المراد بجوهر العلم هو العلوم الأصيلة والواقعية وغير القابلة للتشكيك)!

فكيف تكون علومًا (غير قابلة للتشكيك) ويحكم جمهور المسلمين بأنها كفر وعبادة أوثان؟ هذا يعني إما أنها ليست حقًا، أو أن جمهور الأمة كلهم كفار، وهذا عين التناقض!

 


ورغم محاولته التمويه إلا أنه أشار إلى عقيدتهم الباطلة -وحدة الوجود- بقوله: (برؤية جمال الحقِّ وانكشاف وحدته) وقوله: (إنّ مَن ينظر إلى جميع الموجودات بالنظر التوحيديِّ سيراها بشكل آخر..)! أي يراها متوحدة، ثم عرَّض بعقيدة المؤمنين المخالفة لعقيدتهم بقوله: (لأنها لم تصطبغ بصبغة الوحدة ولم يُجلَ عنها صدأ الأنانيِّة والإنِّيَّة)! ولهذا قال إنّ الإمام يكتم هذه العقيدة لكيلا يتم تكفيره واتهامه بعبادة الأصنام (والعياذ بالله) حيث قال: (ولولا ذلك لما قال عليه السلام إنّه يتكتَّم على علمه فلا يُظهره ولا يُجريه على لسانه)!

 

وقد تأسَّف الطهراني على حال الفقهاء ووصفهم بالتكبُّر لأنهم لا يقبلون ولا يصدِّقون بأحوال المتصوفة وخزعبلاتهم، حيث قال: (ما يؤسَف له كثيراً هو تكبُّر الإنسان الذي لا يستطيع التنازل ولا التصديق بأنَّ ذلك السقَّاء في بيت الإمام عليه السلام الذي يذهب ويملأ جرَّة الماء يمتلك مقاماً كهذا.[3] وكم من هؤلاء المُستخدَمين، الذين يأتوننا بالماء أو يكنسون بيوتنا، تكون حالاتهم النفسانيَّة والروحيَّة وملكاتهم ومعتقداتهم مشابهة لبايزيد البسطاميِّ ومعروف الكرخيِّ)[4]!

 

ثم عرَّض بالفقهاء لتكفيرهم المتصوفة بسبب اعتقادهم بوحدة الوجود حيث قال على لسان الفقهاء: (فإنَّنا نقوم بتكفير وتفسيق العرفاء بالله وأولياء الحقِّ أمثال محيي الدين بن عربي؛ ونقتل كلَّ بائس عاجز ووالهٍ منقلب، بحجَّة التصوف والقول بوحدة الوجود، فيصبح قتل الدراويش سنَّتنا معنىً وظاهراً)[5]!

 


وكرر التعريض مرة أخرى بالفقهاء في كتابه "ولاية الفقيه في حكومة الإسلام" لتكفيرهم المتصوفة وهذا التعريض بمثابة شرح لعبارة الشاعر "يعبد الوثنا" حيث قال: (ويقولون: إنَّ هذا الرجل كافر ومشرك وعابد للصنم؛ فيجب قتله وسفك دمه، يجب إزالة هذا القائل بوحدة الوجود عن وجه الأرض)[6]!

 

فالطهرانيُّ فضحَ نفسَه وكشفَ أنَّ سببَ تكفيرِ الفقهاء للصوفية هو القولُ بـ"وحدةِ الوجود"، ووضَّحَ معنى قولِ الشاعر "يعبدُ الوثنا" حين ربطَ عبادةَ الأصنام باعتقادِهم الكفريِّ!

ثم إدَّعى الطهراني أنَّ الفقهاء عاجزون عن أن يفعلوا هذا الفعل مع الإمام زين العابدين عليه السلام حيث قال على لسانهم: (ولأنَّنا نَقصُر عن تكفير أو تفسيق الإمام السجَّاد، كما ليس في وسعنا في زمننا هذا أن نريق دمه)[7]!

 

فهو هنا يريد تصويرَ الإمام السجاد عليه السلام على أنَّه صوفيٌّ يعتقدُ بوحدةِ الوجود -والعياذُ بالله- من خلال هذه الأبيات المنسوبةِ كذبًا وزورًا إليه، ثم يهجمُ من خلالها على الفقهاء ويصوِّرُهم للقارئ على أنَّهم نواصب -حاشاهم-! أي كالناصبيِّ الذي لا يُعلِنُ تكفيرَه وبغضَه للعترة لكنَّه يُنفِّسُ عن غلِّه على العترة في شيعتهم! فالفقهاء كما حاول تصويرهم لا يستطيعون تكفيرَ الإمام زين العابدين عليه السلام فهذا يُسقطُهم، ولكنَّهم يُنفِّسون عن غلِّهم بتكفيرِ العرفاء المتصوفة الذين يصوِّرُهم الطهرانيُّ على أنَّهم إنَّما يتَّبعون الإمام عليه السلام ويأخذون عنه تلك العقيدةَ الزائغة -والعياذُ بالله-!

 

#طالب_علم


[1] - الروح المجرَّد، محمد الحسيني الطهراني، ص373-374.

[2] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص59-60.

[3] - أنكر مرتضى مطهري ذلك فقال: يدَّعي البعض أنه-أي البسطامي- سقَّاء لبيت الإمام الصادق عليه السلام وهذا الادعاء لا يتفق مع التاريخ، فهو لم يُدرك عصر الإمام الصادق عليه السلام. راجع العرفان والدين والفلسفة، ص359، الإسلام وإيران، ص446.

[4] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص61.

[5] - الروح المجرَّد، محمد الحسيني الطهراني، ص374.

[6] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص59-60.

[7] - الروح المجرَّد، محمد الحسيني الطهراني، ص374.

الجمعة، 24 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الحادية عشر)

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الحادية عشر)

 

تفسيرٌ آخر لعبارة: "يعبُدُ الوثَنا"

 

فسَّر ابن عربي العبارة بطريقة أخرى حيث قال: (فنبه بقوله "يعبد الوثنا" على مقصوده ينظر إليه تأويل قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق آدم على صورته" بإعادة الضمير على الله تعالى وهو من بعض محتملاته)[1]!

 


يشرح ابن عربي المقصود من قول الشاعر "يعبد الوثنا" بكونه كالضمير العائد على الله في حديث "إن الله خلق آدم على صورته"! فحينما تعبد الصنم فأنت في الواقع تعبد الله لأن كل شيء هو الله!

ولكي يوضح لك المعنى أكثر قال في موضع آخر: (إن العالم خلقه الله في غاية الإحكام والإتقان كما قال الإمام أبو حامد الغزالي من أنه لم يبق في الإمكان أبدع من هذا العالم فأخبر أنه تعالى خلق آدم على صورته والإنسان مجموع العالم ولم يكن علمه بالعالم تعالى إلا علمه بنفسه إذ لم يكن في الوجود إلا هو فلا بد أن يكون على صورته فلما أظهره في عينه كان مجلاه)[2]!

 

وهذا يعني أن الله خلق آدم على صورته (هو)! وصورته مجموع العالم، فظهر آدم في عين ذات الله إذ ليس في الوجود إلا الله! وبهذا يكون الوثن عين ذات الله أيضًا، فحينما تعبده فأنت في الواقع تعبد الله! (والعياذ بالله).

 

وأما السبب الآخر في ذكر عبادة الأوثان في قول الشاعر: (لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا) هو بسبب اعتقاد العرفاء أن العبادة -حتى لو كانت للأوثان- لا تقع إلا لله بحسب التكوين، بمعنى أنك لا تستطيع أن تعبد غير الله تكوينيًّا، وأنّ ذلك حكم واقع لا محال، وسيأتي توضيح ذلك بالتفصيل في الحلقات القادمة.

 

#طالب_علم



[1] - الصلة بين التصوف والتشيع، كمال مصطفى الشيبي، ج1 ص172.

[2] - الفتوحات المكية، ج2، ص345.

الخميس، 23 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة العاشرة)

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة العاشرة)

 

ما معنى قول الشاعر: "أنت مِمَّن يَعبُدُ الوَثَنَا"؟

 

وأما ما جاء في البيت الثالث الذي أنشده المياحي:

يا رُبَّ جَوْهَرِ عِلْمٍ لَوْ أَبُوحُ بِهِ **** لَقِيلَ لِي: أَنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الوَثَنَا

 

فـ"جوهر العلم" الذي يخشى العارف أن يُتهم بسببه بعبادة الأوثان، فسره الطهراني قبل أسطر بأنه "وحدة الوجود". فانكشف السر كاملًا، فإخفاء العارف للعلم ليس إلا إخفاءً لعقيدة وحدة الوجود، وكشف هذا السر أدَّى إلى استحلال دمه، والسبب في ذلك أنه صرَّح بعقيدة كُفرية، وهذه العقيدة جعلت المسلمين يصفونه بعبد الوثن، لأن الوثن في نظر الصوفية هو عين ذات الله! (والعياذ بالله).

وهذا ما كشفه الآلوسي في تفسيره عند شرحه لهذا البيت حيث قال: (قالوا: إنه رضي الله تعالى عنه عنى بهذا الجوهر الذي لو باح به لقيل له: أنت ممن يعبد الوثن علم الوحدة إذ منه يعلم أن الوثن وكذا غيره مظهر له جل وعلا وليس في الدار غيره ديار، وقد مرَّ عن قرب ما نقل عن الحلاج ومثله كثير للشيخ الأكبر قدس سره)[1]!

 


وتقدم كذلك تصريح الطهراني حينما ذكر حال سلمان المحمدي بقوله: (أنَّ سلمان وصل إلى مرحلة من مراحل التوحيد لم يدركها أبو ذرٍّ بعد، لأنَّ ذلك التوحيد في نظر أبي ذرٍّ عين عبادة الأصنام)[2]!

وكذلك قال في موضع آخر: (العلم هو العلم الجوهر... فكم من العلوم التي لو أظهرتها وبينتها لاتهمت بعبادة الأوثان والخروج عن الإسلام)[3]!

فالمقصود من (جوهر علمه) في هذا البيت -عند العرفاء- هو عقيدة "وحدة الوجود"، فكل الأشياء -حتى الأوثان- هي عين ذات الله في نظرهم! فإن كشفت هذا السر وقلت للناس بأن الوثن هو عين ذات الله، سيقال لك: (أنت ممن يعبد الوثنا)!

 

وهذا هو السر الذي أخفاه علي المياحي حين ذكر الأبيات في المقابلة التي أجراها على القناة الرابعة لكنه أشار إلى هذا السر في إحدى محاضراته حين تحدث فيها عن معرفة الزهراء عليها السلام وقال بأنها تنقسم إلى قسمين رئيسين: معرفة الذات، ومعرفة الآثار، ثم بدأ بتعريف الذات بذكر مثال صوفي يذكره المتصوفة للدلالة على وحدة الوجود، وهو مثال الفراشة والشمعة ثم قال بعدها: (ولذلك قال الإمام السجاد عن معارفه وعن نفسه وعن آبائه وأبنائه وأجداده قال: "إني لأكتم من علمي جواهره...) إلى آخر الأبيات[4]!

 


وكذلك في كتابه "الفيض الإلهي" حين ذكر هذه الأبيات للحث على الكتمان قد ربطها بحديث أمير المؤمنين عليه السلام: "إنَّ ههنا علمًا جمًّا لو أبصرت له حملة"! وحديث: "لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله ..." ثم جعل هذا كله مقدمة لبيان طريقة المتصوفة في السير والسلوك وتقسيم مراحلها الثلاث وهي الشريعة والطريقة والحقيقة، ومعنى هذا أنك إذا طويت هذه المراحل ووصلت إلى الحقيقة ستعرف حينها معنى "العلم المكتوم" في الأبيات المنسوبة لذلك قال في تعريف الحقيقة: (هي أن يصل الإنسان إلى الله، أن يفهم روح الدين، جوهر الدين)[5]!

 


فالمياحي هنا ربط الأبيات بالحقيقة الصوفية التي هي "الوصول إلى الله وفهم جوهر الدين" -على حد تعريفه- وقد تقدم أنَّ "جوهر الدين" عند الطهراني هو وحدة الوجود.

فيكون المياحي قد اعترف من حيث لا يشعر أنَّ سِرَّهُم هو وحدة الوجود، لكنه يعبِّر عنه بالرموز والإشارات كما وصف كمال الحيدري حال أهل الأسرار!

 

#طالب_علم


[1] - تفسير روح المعاني، ج15ص125، وفي طبعة دار الكتب العلمية، ج8 ص118.

[2] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص52.

[3] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص59.

[4] - راجع اليوتيوب بعنوان: معرفة الزهراء، الشيخ علي المياحي. 

هناك أكثر من مثال يضربه المتصوفة لتقريب معنى وحدة الوجود والفناء في الله، ومن هذه الأمثلة مثال الفراشة والشمعة، فالشمعة: ترمز إلى الذات الإلهية، والفراشة: ترمز إلى السالك أو العارف، واحتراق الفراشة في الشمعة يعني فناء العارف في الذات الإلهية! ويصور العرفاء هذا المشهد: كما أن الفراشات وبعض الحشرات الليلية تحوم حول الضوء وتلقي بنفسها في النار، كذلك حال السالك الذي يفنى في الله!

[5] - الفيض الإلهي، علي المياحي، ج1 ص148-149.

الأربعاء، 22 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة التاسعة)

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة التاسعة)

 

لماذا يستحِلُّونَ دمَ الشاعر بعد كشفِ السِّر؟

 

وأما ما جاء في البيت الرابع الذي أنشده المياحي:

وَلَاسْتَحَلَّ رِجَالٌ مُسْلِمُونَ دَمِي **** يَرَوْنَ أَقْبَحَ مَا يَأْتُونَهُ حَسَنا

وهذا البيت من الشعر يُعَبِّرُ فيه الشاعر عن ما يعانيه عند الإفصاح عن عقيدته وحدة الوجود، وقد كشف إحسان دحلان في شرحه لهذه البيت عن سبب استحلال دمهم فقال: ("ولاستحل رجال مسلمون دمي" كما قتلوا منصور الحلاج بإفشاء شيء من ذلك حيث قال: "ما في الجبة إلا الله" وذلك أن أهل الله لا يدركون وجود الله في الأشياء، أي قيامه وظهوره فيها، وهذه غاية ما يمكن أن يعبر عن مقصودهم، وإلا فهو أمر لا يدرك إلا بالذوق)[1]!


فعلّة استحلال دم الحلاج هي اعتقاده بوحدة الوجود، حيث صرّح بهذه العقيدة حين قال: (ما في الجبة إلا الله)!

وقد جرى على لسان الطهراني الاعتراف بهذا السبب عند شرحه للأبيات فقال: (العلم هو العلم الجوهر... فكم من العلوم التي لو أظهرتها وبينتها لَاتُّهِمْتُ بعبادة الأوثان والخروج عن الإسلام! ...وعندها يستحل جماعة من المسلمين دمي ويقتلونني، إذ يرونني كافرًا بسبب ما أقوله! وهؤلاء المسلمون يرون قتلي- الذي هو أسوأ الأعمال- حسنا، ويقولون: إن هذا الرجل كافر ومشرك وعابد للصنم؛ فيجب قتله وسفك دمه، يجب إزالة هذا القائل بوحدة الوجود عن وجه الأرض)[2]!

تُلاحظ هنا اعترافَه بأنَّ سببَ اتهامِهم له بالشِّرك وعبادةِ الأصنام هو اعتقادُه بوحدةِ الوجود، فيكونُ العلمُ الذي أخفاه الشاعرُ في مطلعِ القصيدة هو هذه العقيدة.

وقد صرَّح الطهرانيُّ بهذا السرِّ قبل ذكرِ الأبياتِ الشعرية ببضعِ صفحات حيث قال: (وحدةُ الوجود من أعظمِ وأعلى وأصعبِ وأدقِّ مسائلِ الحكمةِ المتعالية، وفهمُها ليس يسيرًا هيِّنًا... فهذا من الأسرارِ التي لا يمكن البوحُ بها لأيٍّ كان)[3]!


فكشفَ الطهراني عقيدتَه من غيرِ أن يشعرَ، وصرَّحَ بالسرِّ الذي لا يمكن البوحُ به!

 

وهذا البيت الشعري من جنس ما ذكره السهروردي في التعبير عن حال المتصوفة بقوله:

وَاحَسْرَتَا لِلْعَاشِقِينَ تَحَمَّلُوا **** سِرَّ المَحَبَّةِ وَالهَوَى فَضَّاحُ

بِالسِّرِّ، إِنْ بَاحُوا، تُبَاحُ دِمَاؤُهُمْ **** وَكَذَا دِمَاءُ العَاشِقِينَ تُبَاحُ[4]

 

وَقَدِ اسْتَشْهَدَ المياحي -في كتابه الفيض الإلهي- بهذا البيت في ضرورة كتمان السر[5]!

 

والطهراني صرّح بأن علة "استحلال الدم" الواردة في البيت الشعري -محل البحث- إنما هي المجاهرة بعقيدة وحدة الوجود.

فإذا كان المياحي يستشهد بهذا البيت لإثبات "ضرورة الكتمان"، فهو يقر ضمناً أن سر عقيدته هي وحدة الوجود.

فهل يجرؤ المياحي أن يصرح بذلك، أم سيعود إلى سلوك أهل النفاق فيلف ويدور؟!

 

#طالب_علم



[1] - سراج الطالبين، إحسان دحلان، ج١، هامش ص٣٦.

[2] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص59.

[3] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص52.

[4] - ديوان السهروردي المقتول، الدكتور كامل مصطفى الشيبي، ص72.

[5] - الفيض الإلهي، علي المياحي، ج1 ص143.

الثلاثاء، 21 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثامنة)



 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثامنة)

 

ما المقصود بعبارة " ذُو جَهْلٍ" عند العُرفاء؟

 

وأما ما جاء في عجز البيت الشعري (كَيْ لا يَرَى الحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتَتِنَا) وجاء في بعض المصادر بلفظ (كي لا يرى العلم) فإن العارف يصف كلَّ من لا يقبل عقيدته بالجهل وعدم الفهم لمقصده، يقول دحلان: ("كَيْلا يَرَى الحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتتِنَا" لِقُصُورِ فَهْمِهِ عن دقائق العلوم)[1] وقَصْدُهُ عَدَمُ فَهْمِهِ لعقيدتهم وحدة الوجود التي أشار إليها في صدر البيت بـ"جوهر العلم"، ويستخدم المتصوفة هذا الوصف "ذُو جَهْلٍ" تسخيفًا لِكُلِّ من لا يقبل عقيدتهم الباطلة حتى لو كان من الأكابر!

وفي هذا الصدد يقول محمد محسن الطهراني عند شرحه لهذا البيت: (يقول الإمام السجاد عليه السلام: إنّ عندي من العلوم لو أفصحت عنها لاتَّهمني الناس بالكفر! وليس المقصود بالناس أولئك المعاندين كأمثال يزيد وابن زياد، بل المقصود هذا الصحابي ذو القدر الجليل... نفس أبي حمزة الثمالي هذا الذي علَّمه الإمام هذا الدعاء الذي بين أيدينا كان سيتَّهم الإمام عليه السلام بالكفر...)[2]!

 

وكذلك صرَّح والده محمد حسين الحسيني الطهراني بتفصيل أكثر فقال: (كان استعداد سلمان أكثر سعة، وكان قد وصل إلى مطالب أرقى من العرفان بينما كان إدراك ذلك الحال غير ممكن بالنسبة إلى أبي ذرٍّ، أي لو ألقى سلمان مطالبه لأبي ذرٍّ لردَّها واتَّهمه بالشرك والكفر، وحمل كلامه على الكفر! "لَوْ عَلِمَ أبُو ذَرٍّ مَا فِي قَلْبِ سَلْمَانَ لَقَتَلَهُ أوْ كَفَّرَهُ")[3]!

ثم علَّق على الحديث بقوله: (لاحظوا دقَّة المطلب، ففي الوقت الذي كان فيه أبو ذرٍّ يجلس مع سلمان ... لكن كان هناك تفاوت في الإدراك بينهما إلى درجة أنَّ أبا ذرٍّ لو اطَّلع على مدركات سلمان لقتله أو لرآه مهدور الدم، حيث سيرى الشرك أو الكفر في عقيدته! لأنَّ سلمان وصل إلى مرحلة من مراحل التوحيد لم يدركها أبو ذرٍّ بعد، لأنَّ ذلك التوحيد في نظر أبي ذرٍّ عين عبادة الأصنام)[4]!

 

وهذه المرحلة من مراحل التوحيد الذي لم يتحملها أبي ذر - حَسْبَ زَعْمِ الطَّهْرَانِيِّ - هي عقيدتهم وحدة الوجود حيث كشف الطهراني "السِّرَّ" بعد صفحتين حيث قال: (إنَّ وحدة الوجود سِرُّ آلِ مُحَمَّدٍ، ... وحدة الوجود حقيقة كلِّ شيء من جهة ربط الخاصِّ بالذات الإلهيَّة المقدَّسة... لا فرق بين وحدة الوجود وتوحيد الوجود، فالتوحيد يعني جعله واحداً، والوحدة تعني كونه واحداً... فاحذَفُوا لفظ التوحيد في الوجود الذي يقوم الإسلام عليه وضعُوا مكانه لفظ الوحدة. فيكون لفظ الوحدة مكان التوحيد. أنتم لا تستوحشون من التوحيد، فَلِمَ تخافون من الوحدة؟! هذه أسرار غامضة، لو أراد سلمان أن يبرزها لمن هو دونه لما تحمَّلوها ولقالوا هذا شرك)[5]!


فالطَّهراني الأبُ يصوِّر الصحابيَّ الجليل سلمان المحمدي رضوان الله عليه على أنه صوفي يعتقد بوحدة الوجود (حاشاه) فَلَا يَسْتَطِيعُ التصريح بعقيدته حتى لأمثال أبي ذر رضي الله عنه لأنَّ الأخير لا يملك الإدراك الكافي الَّذِي يُمَكِّنُهُ من استيعاب هذه العقيدة، وَلِذَلِكَ سَيَتَّهِمُ سلمان بالكفر والشرك! وكذلك الحال بين الإمام السجاد عليه السلام وأبي حمزة الثمالي فِيمَا ذَكَرَهُ الطهرانيُّ الابن!

وهذا عين ما يفسره العارف من قول الشاعر: (كَيْلا يَرَى الحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتِنَنَا)، فَالجَاهِلُ المَقْصُودُ هُنَا كُلُّ مَنْ لَا يَقْبَلُ عقيدة العرفاء -مهما كان مقامه- وَلِذَلِكَ تَجِدُهُمْ يصفون المراجع والفقهاء بالجهل حين يُكفِّرون من يعتقد بوحدة الوجود والموجود كالحلاج!

 

وقد علَّل تقي الموسوي عدم فهمهم لمقصود العرفاء بوجود حجاب من الله يمنع غير العرفاء من الوصول لفهم عقيدتهم حيث قال بعد ذكر الأبيات: (حتى ينزاح الخمار وستر الحجاب، ويخرجوا من الناسوت، ويدخلوا في الملكوت واللاهوت، لأن خمار الجلال ونصيف الغيب والجمال، جعله الله ستر الحجاب عن الغرباء، كيلا يرى الحقَّ ذُو جهل فيَفتِنَنَا، كما يقول الإمام عليه السلام)[6]!


فتلاحظ كيف جعل سبب "عدم الفهم" بوجود "حجاب إلهي" يمنع غير العرفاء من فهم جوهر العلم، فمن لم يفهمه فهو "غريب" محجوب، ومن فهمه فهو "عارف" دخل الملكوت واللاهوت! 

فهل الدين طلاسم لا يفكها إلا الصوفية؟

 

وقد عَبَّرَ الطَّهْرَانِيُّ عند شرحه لهذا البيت عن سر عقيدتهم بالعلم التوحيدي الواقعي الذي لا يستطيع غير العرفاء تحمله، حيث قال: (يقول إنّي لأخفي تلك الجواهر والنفائس من علمي ولا أُبيِّنها لكي لا يطَّلع عليها الأشخاص الذين لا يتمكَّنون من استيعابها، إنَّ أفكاري وعلمي وجواهري تلك هي عين الحقِّ، لكنِّي أخفي هذا الحقَّ لكي لا يطَّلعَ عليه رجل جاهل، إذ لو اطَّلع عليه فإنَّه يُفتتن، ويوقعنا في الفتنة ويثير الفساد والمشاكل والقيل والقال، ومَشَاقِّ الأمور بسبب دعوتي له إلى الحقِّ، والحقُّ يعني ذلك العلم الحقَّ الحقيقيَّ، أو التوحيديَّ الواقعيَّ الذي لا يستطيع تحمُّله)[7]!

 

وبهذا يظهر أنَّ العلم التوحيدي الواقعي -جوهر العلم -عند الطَّهراني ليس إلا وحدة الوجود التي يُخفيها العرفاء عن العامة، وإن المقصود من عبارة "ذُو جَهْلٍ" ما هي إلا تسخيفًا لِكُلِّ من لا يقبل عقيدتهم الباطلة حتى لو كان من الأكابر!

 

وسيأتي مزيد من التفصيل في الحلقات القادمة.

 

#طالب_علم



[1] - سراج الطالبين، إحسان دحلان، ج١ص٣٦.

[2] - شرح دعاء أبي حمزة الثمالي، محمَّد محسن الحسينيِّ الطهرانيِّ، المحاضرة السابعة سنة ۱٤٣٣هـ ق بعنوان: رفع الأمل إلى أعلى مستوى، ص6.

[3] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص49-50.

[4] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص52.

[5] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص54.

[6] - قدوة العارفين، تقي الموسوي، ص229.

[7] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص59-60.



الاثنين، 20 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة السابعة)

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة السابعة)

 

ما المقصودُ من جوهَرِ عِلمِهِ المَكتوم؟

 

يقول علي المياحي في مطلع القصيدة التي أنشدها:

إني لَأكتُم من علمي جواهره *** كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا[1]

يتحدث الشاعر في هذا البيت عن علمه، ويصف ما يكتمه من هذا العلم بالجواهر، وقد عبّر إحسان دحلان عن هذا العلم المكتوم بـ(أسرار الدين) حيث قال في شرحه لكتاب منهاج العابدين: ("إني لأكتم" أي لأستر "من علمي جواهره" وهي أسرار الدين)[2].

 

وقد بينَّا في السطور السابقة أن المقصود من "السر" عند العرفاء هو عقيدتهم المتمثلة في "وحدة الوجود" وهذا ما صرَّح به الآلوسي في تفسيره عن معنى العلم الذي يكتمه الشاعر فقال عند ذكره للأبيات: (يسمون ذلك علم الأسرار الإلهية وعلم الحقيقة، وإلى ذلك أشار رئيس العارفين علي زين العابدين حيث قال: إني لأكتم من علمي جواهره...) إلى آخر الأبيات ثم قال بعدها: (ومن ذلك علم وحدة الوجود، وقد نصوا على أنه طور ما وراء طور العقل)[3]!

 


وجاء كذلك في "حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي" عن معنى هذا العلم فقال بعد ذكر الأبيات: (وهو علم الحقيقة، والحكمة المسكوت عنها، وقد أشار إلى هذا المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو يُفهم من لفظ الرسالة فإنّ الرسالة ما يُرسل إلى الغير، وهذا مذهب الصوفية رحمهم اللّه تعالى)[4]!

 

وكذلك عبد الغني النابلسي حيث ذكر الأبيات في هذا الخصوص فقال: (إنه تعالى هو الوجود المطلق بالإطلاق الحقيقي، وإنه يجوز أن يتجلى ويظهر في أي صورة شاء من الصور والأشخاص المحسوسة والمعقولة من غير أن يتغير أو يتبدل عما هو عليه سبحانه. وربما يكفرونهم في ذلك، ولا يعلمون ما هم فيه من قبح الحال، وللَّه در القائل؛ وهو من الأوائل: يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا * ولاستباح رجال مؤمنون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا) ثم قال: (وقد ابتلى  الله تعالى بهم الأولين من العارفين والمحققين، كما ابتلى الله تعالى الأنبياء والمرسلين بالمُكذِّبين من أُممهم الضالين)[5]!

 


فتبيَّنَ أنَّ "جوهر العلم" عند العرفاء هو عقيدة وحدة الوجود، فهم لا يتكلمون عن "علومٍ خفيَّة" عامَّة، بل عن عقيدة وحدة الوجود تحديدًا.

 

#طالب_علم



[1] - راجع اليوتيوب، قصتي مع علي صادق، ضيف الحلقة الشيخ علي المياحي، الدقيقة 49.

[2] - سراج الطالبين، إحسان دحلان، ج١ص٣٦.

[3] - تفسير روح المعاني، الآلوسي، ج3 ص356، وفي طبعة أخرى ج6 ص190.

[4] - حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي، دار الكتب العلمية، ج3ص512، وفي طبعة دار صادر، ج3 ص263-264.

[5] - كتاب الوجود، عبد الغني النابلسي، ص260.