الأربعاء، 5 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة العشرون)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة العشرون)

 

ماذا قال الشيخ الساعدي عن الأبيات المنسوبة؟



وقد نبَّه أهل العلم إلى بطلان نسبة هذه الأبيات إلى الإمام السجاد عليه السلام لأنها مخالفة لمنهج المعصومين عليهم السلام ولذلك قال الشيخ حسين الساعدي -أستاذ في حوزة النجف الأشرف- حول دلالة الأبيات المنسوبة:

ابتدأ صاحب الأبيات يتحدث عن كتمانه علمه لكيلا يفتن به الناس. "لو أبوح به لقيل لي أنت ممَّن يعبد الوثنا" وهذا خلاف منطق "الثقلين" إذ الثابت في الروايات المعتبرة المبذولة والواصلة إلينا "إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلِّم الناس على قدر عقولهم"[1] فلا مجال للكتمان إنما بيان بحسب القابل ومستوى ذهن المتلقي إلا في موارد التقية بقواعدها المقررة قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}[2].

 

والأخطر من ذلك أنَّ الأبيات تجعل من إظهار عقيدة الإمام السجاد عليه السلام سببًا لاتهامه بالوثنية ولذلك قال الشيخ الساعدي في الجواب على ذلك:

والإشكال المهم كيف يمكن جعل عقيدة الإمام المعصوم السجاد في دائرة التوبيخ بحيث إذا أظهرها فسيُقال له أنه "ممن يعبد الوثنا"، وهذا يعني فتح باب السؤال على نحو التجاسر هل الإمام السجاد عليه السلام عقيدته وعلمه تورث الخلل في ساحة التوحيد وتُأصِّل إلى عقيدة الوثنية؟!!!

ولا مجال لدعوى أنّ المراد أنّ علمه ذو مضامين عالية لا يدركها الإنسان البسيط ولو سمعها وقع منه الاتهام إذ بيان عقيدة التوحيد وفق منطق القرآن واضح لا شك فيه والمعصوم يجسد البيان القرآني وليس هنالك "توحيد خفي" لا يعلمه إلا صاحب هذه الأبيات فتمعّن[3]. انتهى النقل.

 

الخلاصة: إن نسبة هذه الأبيات للإمام السجاد عليه السلام باطلة لأنها:

أولًا: تخالف أمر المعصومين "عليهم السلام" بالبيان.

ثانيًا: تجعل توحيدهم سببًا للاتهام بالوثنية والعياذ بالله، وهذا محال في حق المعصوم عليه السلام.

 

#طالب_علم

 



[1] - الكافي الشريف، الكليني، ج1 ص23.

[2] - سورة البقرة:42.

[3] - الصوفية والتجاسر على الإمام السجاد عليه السلام، تقرير الجلسة الرمضانية للشيخ الساعدي في النجف الأشرف لعام 1445، بقلم الشيخ أحمد السوداني.

الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة التاسعة عشر)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة التاسعة عشر)

 

هل أوصى أمير المؤمنين عليه السلام بكتمَان التَّوحيد؟

 

بقي أن نردَّ على شبهة يُرددها العرفاء والمتصوفة للدلالة على انتساب هذه الأبيات إلى الإمام زين العابدين عليه السلام، وهي ما جاء في البيت الثاني الذي أنشده المياحي:

وقد تقدَّم في هذا أبو حسنٍ *** إلى الحسين ووصَّى قبله الحسنا

فيقول قائلهم: إذا كان قائل هذه الأبيات غير الإمام زين العابدين عليه السلام فما مناسبة ذكر هذه البيت من الشعر بينهم، كما أنَّ الفارق الزمني بين الأئمة عليهم السلام والحلاج وغيره من المتصوفة كبير جدا[1]؟!


والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:

أولًا: مخالفة الأبيات للأصول، فقد تبين مِمَّا تقدَّم أنَّ مضمون الأبيات مخالف للقرآن والسنة ومنهج المعصومين عليهم السلام، وموافق لذوق المتصوفة، فلا يصح نسبة ما يخالف أصول الدين إلى الإمام السجاد عليه السلام.

 

ثانيًا: عدم ثبوت النسبة، فلا يوجد مصدر شيعي أو غير شيعي مُعتمد يثبت نسبة الأبيات إلى الإمام السجاد عليه السلام. فكلُّ من نسبها إليه نقلها مرسلة بلا إسناد، والطريق المسند للأبيات ينسبها لغيره كما سيأتي.

 

ثالثًا: اضطراب النَّص، فأكثر المصادر التي ذكرت الأبيات لم تذكر البيت الثاني: "وقد تقدم في هذا أبو حسن... إلى آخره" فبعضهم ذكر البيتين الأخيرين فقط[2] وبعضهم ذكر ثلاثة أبيات بدون هذا البيت المعني[3]. وحتى بعض من نفى نسبة الأبيات ذكرها بصيغة المثنَّى فقال: (وقد شكك صاحب الناطق بالصواب في هذه النسبة وقال في البيتين الأخيرين: عزوهما إلى زين العابدين)[4]! ولذلك لا يُستبعد إدخال هذا البيت من قبل المتصوفة لربط الأبيات بالأئمة عليهم السلام.

 

رابعًا: ذِكرُ الأئمة عليهم السلام لا يثبت النسبة، فعلى فرض التسليم بوجود هذا البيت من الشعر ضمن الأبيات المنسوبة، فلا دلالة على انتساب هذه الأبيات للإمام السجاد عليه السلام، فيمكن لأي إنسان شيعي أو محب لأهل البيت عليهم السلام أن يقول هذا الكلام[5]، ولا يستلزم ذلك أن يكون حاضرًا في نفس الزمان.

وعلى سبيل المثال ما قاله السيد الحميري رحمه الله في شأن الغدير الأغر:

وقــَـام مـحـمَّدٌ بـِغـديرِ خُــمٍّ *** فَـنـَادى مُـعـلِنًا صَـوتًـا نـَدِيَّا

لــِمَـنْ وافَـــاهُ مـِــن عــَربٍ *** وعُجْمٍ وحَفُّوا حَوْلَ دَوحَتِهِ حِنِيَّا

ألَا مــَنْ كـُنـتُ مَـولاهُ فَـهَذا *** لــَهُ مـَولَـى وكــانَ بــِه حـَفِيَّا

إلـهـيْ عـادِ مَـنْ عـادَى عـَلِيًّا *** وكــُـنْ لـِوَلـِيـِّهِ مَـولًـى وَلـِيـَّا[6]

فهل كان السيد الحميري حاضرًا في غدير خُم؟ وهل سمع بنفسه ذلك القول من النبي صلى الله عليه وآله؟!

فكما صوَّر السيد الحميري ذلك الموقف والكلام النبوي وعبَّر عنه وهو لم يحضره، أيضًا يسعُ أهل الزيغ تدبيج وقائع وكلمات عن لسان أهل البيت عليهم السلام وصياغتها شعريًّا.

 

خامسًا: بطلان دعوى الوصية بكتمان التوحيد، حيث ادَّعى صاحب الأبيات أن أمير المؤمنين كتم "التوحيد الخفي" وأوصى ولديه بكتمانه. والسؤال: أين الرواية التي تأمر بكتمانِ التوحيد؟

مصادرنا مملوءة بخطب أمير المؤمنين في التوحيد من نهج البلاغة وغيره، ولم يكتم شيئًا. والقرآن ينهى عن كتمان الحق: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون}[7]. فإذا كان أمير المؤمنين لم يوصِ بكتمان التوحيد، ولم ينقل أحد هذه الوصية المزعومة، سقط الاستدلال بالبيت بالكامل.

 

#طالب_علم



[1] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3، هامش ص58.

[2] - روضة التعريف بالحب الشريف، ابن الخطيب السلماني، ص427.

[3] - إيقاظ الهمم في شرح الحكم، ابن عجيبة، ص188.

[4] - الصلة بين التصوف والتشيع، ج١ ص١٧١-١٧٢.

[5] - راجع مقالا بعنوان: افتراء صوفي على الإمام السجاد عليه السلام/ للكاتب نبيل الكرخي.

[6] - الغدير، العلامة الأميني، ج2 ص231.

[7] - سورة البقرة: آية 42.

الاثنين، 3 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثامنة عشر)


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثامنة عشر)

 

عبادةُ الأوثان على لسانِ الخُمينيِّ

 

يقول الخميني: (كل العالم من أعلى مراتب الوجود إلى أسفل سافلين هو لا شيء إذ إنَّ كل ما هو موجودٌ هو تعالى لا غير؟! فماذا يمكن أن يُقال عن الوجود المطلق- أي الله-؟! ولولا أمر الله وإذنه -جلّ وعلا- فربما لم يتحدث عنه بشيء أي من الأولياء، وإن كان كل ما هو موجود حديثًا عنه لا عن سواه! والكلُّ عاجز عن التمرُّد عن ذكره، فكلُّ ذكرٍ ذكرُه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ..}...فإنه – أي الله- هو الحمد والحامد والمحمود)[1]!


قوله: (فكلُّ ذِكرٍ ذِكرُه) و (هو الحمد والحامد والمحمود) يعني: حتى ذكر الأصنام هو ذكر الله، لأن كل شيء هو الله، ولذلك استشهد بالآية القرآنية: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} في مقام إثبات الحكم التكويني، وهذا عين عقيدة ابن عربي: أنَّ العبادة لا تقع إلا لله تكويناً!

 

وقد أكَّد ذلك ابنه مصطفى -وهو "ترجمان صادق وأمين لآراء والده ومعتقداته"[2]- بشكل أوضح.

ذكر في تفسيره: (أنّ العبادة لا تقع - بحسب التكوين وفي الأعيان والخارج - إلا لله تعالى، وذلك إما لأجل أنَّ الظاهر إرادة حصر العبادة فيه- أي الله- أينما تحققت، فنعبده ولا نعبد غيره، لا على وجه الاختيار، بل سواء كان بالاختيار أو كان لا بالاختيار، وسواء كان بحسب الظاهر معبوده غيره، أو كان هو تعالى اسمه، أو لأجل أن السالك كلما تميز شيئًا للعبادة فهو غيره تعالى، ومع ذلك تكون العبادة له تعالى، فيعلم من ذلك أنَّ جميع العبادات تقع له تعالى، أي أنَّ السالك يتصوَّر حال الخطاب ما ليس هو هو، ومع ذلك يُعدُّ فعله عبادته تعالى، أو لأجل أنَّ ضمير الجمع للاستيعاب، أي إياك نعبد أنا وجميع العابدين، فتكون الآية الشريفة دليلًا على أنه تعالى كل الخيرات، وأنَّ بسيط الحقيقة كل الأشياء وإن كان ليس بشيء من حدودها الناقصة الراجعة إلى أنفسها، وإلى ذلك يشير ما عن ابن عباس: أنَّ القضاء في قوله تعالى: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إيَّاه} تكويني)[3]!

 

ثم ختم كلامه بشعر بالفارسية ترجمته:

أيها المؤمن لو كنت تعلم ما الوثن **** لأيقنت بأن الدين في عبادة ذاك الوثن!

 


فصريح كلامه هو: (أنَّ العبادة لا تقع...إلا لله تعالى ...أينما تحققت) وهذا يعني حينما تعبد الصنم فأنت في الواقع تعبد الله شئت أم أبيت، ولذلك ختمَ ببيت الشعر: (الدين في عبادة الوثن)!

 

وهذا ما يخفيه العارف عن الناس لكي لا يقال له:"أنت مِمَّن يعبدُ الوثنا"!

 

الخلاصة: هذه النماذج التي عرضناها -في هذه الحلقة والحلقات الماضية- تكشف بوضوح ما تعمَّد الطهراني طمسه بالخلط الفاحش بين المعنى الظاهر للبيت "لَقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا" وبين عقيدة العرفاء الباطنة التي قرروها في كتبهم، فالبيت لا يُفهم إلا في ضوء عقيدة "وحدة الوجود" التي تجعل عبادة الوثن عبادة لله، ولهذا يكتمونها لكي لا يُقال لهم: "أنت مِمَّن يعبدُ الوثنا"!

 

#طالب_علم



[1] - وصايا عرفانية، ص44، مقدمة كتاب سر الصلاة، ص40.

[2] - أسرار ملكوتية وإشراقات عرفانية، الشيخ رضوان فقيه، ص 7.

[3] - تفسير القرآن الكريم، مصطفى الخميني، ج2 ص32-33.

الأحد، 2 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة السابعة عشر)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة السابعة عشر)

 

عبادةُ الأوثان على لسانِ مطهري

 

يقول مرتضى مطهري في كتابه التوحيد: (أن العرفاء فسروا القضاء في قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ} بالقضاء التكويني الذي لا يمكن المحيد عنه، ومعناه أن البشر لا يمكنه أن يعبد إلا الله، ولابن عباس في ذلك رواية في المقام مضمونها بأن عابد الوثن يعبد الله من حيث لا يعلم)[1]!

ثم نقلَ شعرًا بالفارسية للعارفِ الشبستري، وهذه ترجمتُه:

أيُّها المسلمُ لو كنتَ تعلمُ ما الوثنُ **** لأيقنتَ بأنَّ الدينَ في عبادةِ ذاك الوثنِ[2]


وحاول تبرير هذا البيت الخطير فقال: (وفي هذا البيت شيء من المبالغة والتجوُّز، فالشاعر لا يريد الإقرار بعبادة الأوثان، بل يريد أن يقول أن عابد الوثن هو في الحقيقة عابد لله)[3]!

أقول: إنَّ تقريره "القضاء التكويني" يعني نفي الاختيار في العبادة، ومقتضاه أن كل عبادة واقعة في الخارج فهي عبادة لله تعالى، حتى عبادة الأوثان، وهذا التبرير هو عين تقرير عقيدة "وحدة الوجود" حيث جعل "ظاهر الشرك" عين "حقيقة التوحيد"!

وهذا المعنى مطابق لما قرره ابن عربي في ديوانه:

الحمدُ للهِ الذي *** أذهبَ عنَّا الحزنا

ولم نزلْ نعبدُه *** لمَّا عبدنا الوثنا[4]

 

فتصريح مطهري وأبيات الشبستري وابن عربي كلها مطابقٌ للمعنى الذي فسَّرَه العرفاءُ حول البيتِ الشعري: "لقيل لي: أنت ممَّن يعبدُ الوثنا" بينما هذا التفسيرُ مناقضٌ لما قاله الإمامُ الحسينُ عليه السلام في مدحِ أبيه أميرِ المؤمنين عليه السلام:

عبدَ اللهَ غلامًا يافعًا **** وقريشٌ يعبدون الوثنين

وقلَى الأوثانَ لم يسجُدْ لها **** مَعْ قريشٍ لا ولا طرفةَ عين[5]

فالإمام علي عليه السلام قلى الأوثان ولم يسجد لها طرفة عين أبدا، بينما العرفاء يقولون: الدين في عبادة الأوثان. فأيهما على التوحيد المحمدي الأصيل؟

 

#طالب_علم

 


[1] - التوحيد، المطهري، ص39، دار المحجة البيضاء.

[2] - التوحيد، المطهري، هامش ص39.

[3] - التوحيد، المطهري،ص39-40.

[4] - ديوان ابن عربي، ص461، طبعة دار صادر.

[5] - الاحتجاج، الشيخ الطبرسي، ج 2 ص 26.

السبت، 1 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة السادسة عشر)


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة السادسة عشر)

 

عبادةُ الأوثان على لسانِ الجنابذي

 

يقول الجنابذي الملقب بالسلطان علي شاه: ({وَقَضَى رَبُّكَ} تكوينًا كما أمر تكليفًا أو أمر تكوينًا وتكليفًا على استعمال القضاء بمعنى إيصال الأمر إلى المأمور سواء كان بنحو التكوين أو التكليف لكن في أمره التكويني لا يقع التخلف وفي أمره التكليفي قد يقع التخلف أو ثبت عالم قضائه {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} أن مصدرية ولا نافية أو ناهية أو مفسرة، ولا ناهية والمعنى قضى ربك أن لا تقع منكم عبادة تكويناً إلا له أو أن لا تقع ولا يصح تكوينًا واختيارًا أو لا يصح اختيارًا وتكليفًا منكم عبادة إلا له! ...فالإنسان في عبادته اختيارًا للشيطان كالإبليسية وللجن كالكهنة وتابعي الجن وللعناصر كالزردشتية وعابدي الماء والهواء والأرض وللمواليد كالوثنية وعابدي الأحجار والأشجار والنباتات كالسامرية وبعض الهنود الذين يعبدون سائر الحيوانات وكالجمشيدية والفرعونية الذين يعبدون الإنسان ويقرُّون بآلهة وللكواكب كالصابئة وللملائكة كأكثر الهنود وللذكر والفرج كبعض الهنود القائلين بعبادة ذكر الإنسان وفرجه! وكالبعض الآخر القائلين بعبادة ذكر مهاديو ملكًا عظيمًا من الملائكة وفرج امرأته! كلهم عابدون لله من حيث لا يشعرون لأن كل المعبودات مظاهر له باختلاف أسمائه)[1][1]!


فالجنابذي يمرُّ على عبادةِ الشيطانِ والجنِّ والأصنامِ والكواكبِ والفرج، ثم يحكمُ حكمًا واحدًا: كلُّهم عابدون لله، لأنَّ كلَّ هذه الأشياءِ عينُ ذاتِ الله في مذهبِه!

وهذا ما يقصدُه العرفاءُ من قولِ الشاعر: "لَقيل لي: أنت ممَّن يعبدُ الوثنا"!

 

#طالب_علم

 


[1] - بيان السعادة في مقامات العبادة، الجنابذي، ج2 ص437.

الخميس، 30 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الخامسة عشر)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الخامسة عشر)

 

عبادةُ الأوثان على لسانِ عبدِ الكريم الجيلي

 

ويقول الصوفي عبد الكريم الجيلي: (أما الكفار فإنهم عبدوه بالذات لأنه لمَّا كان الحق سبحانه وتعالى حقيقة الوجود بأسره والكفار من جملة الوجود هو حقيقتهم فكفروا أن يكون لهم رب لأنه تعالى حقيقتهم ولا رب له بل هو الرب المطلق فعبدوه من حيث ما تقتضيه ذواتهم التي هو عينها ثم من عبد منهم الوثن فَلِسِرِّ وجوده سبحانه بكماله بلا حلول ولا مزج في كل فرد من أفراد ذرات الوجود فكان تعالى حقيقة تلك الأوثان التي يعبدونها)[1]!


تُلاحظُ هنا عبارةَ الجيلي صريحةً، فهو بكلِّ بساطةٍ يقول: اللهُ هو حقيقةُ تلك الأوثانِ التي عبدَها الكفار! -والعياذُ بالله-

 

ويقول الجيلي أيضًا: ("لا إله إلا أنا" يعني الإلهية المعبودية ليست إلا أنا. فأنا الظاهر في تلك الأوثان والأفلاك والطبائع وفي كل ما يعبده أهل كل ملة ونحلة فما تلك الآلهة كلها إلا أنا ولهذا أثبت لهم لفظة الآلهة وتسميته لهم بهذه اللفظة من جهة ما هم عليه في الحقيقة تسمية حقيقية لا مجازية ولا كما يزعم أهل الظاهر -أي الفقهاء- أنَّ الحق إنما أراد بذلك من حيث إنهم سموهم آلهة لا من حيث إنهم في أنفسهم لهم هذه التسمية وهذا غلط منهم وافتراء على الحق لأن هذه الأشياء كلها بل جميع ما في الوجود له من جهة ذات الله تعالى في الحقيقة هذه التسمية تسمية حقيقية لأن الحق سبحانه وتعالى عين الأشياء وتسميتها بالإلهية تسمية حقيقية لا كما يزعم المقلد من أهل الحجاب أنها تسمية مجازية ولو كان كذلك لكان الكلام أن تلك الحجارة والكواكب والطبائع والأشياء التي تعبدونها ليست بآلهة وأن لا إله إلا الله أنا فاعبدوني لكنه إنما أراد الحق أن يبين لهم أن تلك الآلهة مظاهر، وأن حكم الألوهية فيهم حقيقة وأنهم ما عبدوا في جميع ذلك إلا هو)[2]!


يتحدَّثُ الجيلي هنا بكلِّ صراحةٍ فيقول: (أنا الذي أظهرُ بصورِ الأوثانِ والأفلاكِ وفي كلِّ ما يعبُدُه أهلُ كلِّ ملةٍ ونحلة)! ويختمُ كلامَه بقولِه: (وأنَّهم ما عبدوا في جميعِ ذلك إلا هو)!

فكلُّ المعبوداتِ هي عينُ ذاتِ الله -في نظرِهم-، فإذا عبدتَها فقد عبدتَ الله! -والعياذُ بالله- فالجيلي يضعُ كلامًا على لسانِ الله، وهذا الكلامُ هو الكفرُ الصريحُ الذي يخشى العارفُ أن يُصرِّحَ به، لكي لا يقال له: "أنت مِمَّن يعبدُ الوثنا"!

 

#طالب_علم

 

[1] - الإنسان الكامل، عبد الكريم الجيلي، ص249، طبعة مؤسسة التاريخ العربي، وفي طبعة مركز الصفاء للدراسات، ص417.

[2] - الإنسان الكامل، عبد الكريم الجيلي، ص101-102، طبعة مؤسسة التاريخ العربي، وفي طبعة مركز الصفاء للدراسات، ص189.



[1] - الإنسان الكامل، عبد الكريم الجيلي، ص249، طبعة مؤسسة التاريخ العربي، وفي طبعة مركز الصفاء للدراسات، ص417.

[2] - الإنسان الكامل، عبد الكريم الجيلي، ص101-102، طبعة مؤسسة التاريخ العربي، وفي طبعة مركز الصفاء للدراسات، ص189.

الاثنين، 27 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الرابعة عشر)

 



#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الرابعة عشر)

 

عبادةُ الأوثانِ على لسانِ ابنِ عربي

 

يقول ابن عربي: (إن للحق في كل معبود وجهًا يعرفه من يعرفه ويجهله من يجهله: {وَقَضى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} أي حكم. فالعالم يعلم من عُبِدَ، وفي أي صورة ظهر حتى عبدَ، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عُبدَ غير الله في كل معبود)[1]!


 وقال أيضًا: (فلا بد أن يكون الخالق عين كل صورة يعبدها المخلوق مع افتقار الصورة إلى المادة... وقد قال: {وقَضى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ...} ولا قضى أن يُعبد غير الله، فلا بد أن يكون هو عين كل شيء، أي عين كل ما يفتقر إليه وعين ما يعبد كما أنّه عين العابد من كل عابد... وأما وصفه بالغني عن العالم إنّما هو لمن توهم أن الله تعالى ليس عين العالم)[2]!

 

لاحظْ قولَه: "فما عُبِدَ غيرُ اللهِ في كلِّ معبود"، أي أنَّ عابدَ الوثنِ لم يعبدْ إلا الله، لأنَّ الوثنَ عينُ ذاتِ الله في مذهبِه، فإذا عبدتَ الوثنَ فقد عبدتَ الله. وهذا هو المعنى الذي لو كَشفَ عنه العارف لقالوا له: (أنت ممَّن يعبدُ الوثنا)!

 

#طالب_علم

 



[1] - فصوص الحكم، ابن عربي ص72.

[2] - الفتوحات المكية، ابن عربي، ج4 ص101- 102