الثلاثاء، 21 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثامنة)



 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثامنة)

 

ما المقصود بعبارة " ذُو جَهْلٍ" عند العُرفاء؟

 

وأما ما جاء في عجز البيت الشعري (كَيْ لا يَرَى الحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتَتِنَا) وجاء في بعض المصادر بلفظ (كي لا يرى العلم) فإن العارف يصف كلَّ من لا يقبل عقيدته بالجهل وعدم الفهم لمقصده، يقول دحلان: ("كَيْلا يَرَى الحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتتِنَا" لِقُصُورِ فَهْمِهِ عن دقائق العلوم)[1] وقَصْدُهُ عَدَمُ فَهْمِهِ لعقيدتهم وحدة الوجود التي أشار إليها في صدر البيت بـ"جوهر العلم"، ويستخدم المتصوفة هذا الوصف "ذُو جَهْلٍ" تسخيفًا لِكُلِّ من لا يقبل عقيدتهم الباطلة حتى لو كان من الأكابر!

وفي هذا الصدد يقول محمد محسن الطهراني عند شرحه لهذا البيت: (يقول الإمام السجاد عليه السلام: إنّ عندي من العلوم لو أفصحت عنها لاتَّهمني الناس بالكفر! وليس المقصود بالناس أولئك المعاندين كأمثال يزيد وابن زياد، بل المقصود هذا الصحابي ذو القدر الجليل... نفس أبي حمزة الثمالي هذا الذي علَّمه الإمام هذا الدعاء الذي بين أيدينا كان سيتَّهم الإمام عليه السلام بالكفر...)[2]!

 

وكذلك صرَّح والده محمد حسين الحسيني الطهراني بتفصيل أكثر فقال: (كان استعداد سلمان أكثر سعة، وكان قد وصل إلى مطالب أرقى من العرفان بينما كان إدراك ذلك الحال غير ممكن بالنسبة إلى أبي ذرٍّ، أي لو ألقى سلمان مطالبه لأبي ذرٍّ لردَّها واتَّهمه بالشرك والكفر، وحمل كلامه على الكفر! "لَوْ عَلِمَ أبُو ذَرٍّ مَا فِي قَلْبِ سَلْمَانَ لَقَتَلَهُ أوْ كَفَّرَهُ")[3]!

ثم علَّق على الحديث بقوله: (لاحظوا دقَّة المطلب، ففي الوقت الذي كان فيه أبو ذرٍّ يجلس مع سلمان ... لكن كان هناك تفاوت في الإدراك بينهما إلى درجة أنَّ أبا ذرٍّ لو اطَّلع على مدركات سلمان لقتله أو لرآه مهدور الدم، حيث سيرى الشرك أو الكفر في عقيدته! لأنَّ سلمان وصل إلى مرحلة من مراحل التوحيد لم يدركها أبو ذرٍّ بعد، لأنَّ ذلك التوحيد في نظر أبي ذرٍّ عين عبادة الأصنام)[4]!

 

وهذه المرحلة من مراحل التوحيد الذي لم يتحملها أبي ذر - حَسْبَ زَعْمِ الطَّهْرَانِيِّ - هي عقيدتهم وحدة الوجود حيث كشف الطهراني "السِّرَّ" بعد صفحتين حيث قال: (إنَّ وحدة الوجود سِرُّ آلِ مُحَمَّدٍ، ... وحدة الوجود حقيقة كلِّ شيء من جهة ربط الخاصِّ بالذات الإلهيَّة المقدَّسة... لا فرق بين وحدة الوجود وتوحيد الوجود، فالتوحيد يعني جعله واحداً، والوحدة تعني كونه واحداً... فاحذَفُوا لفظ التوحيد في الوجود الذي يقوم الإسلام عليه وضعُوا مكانه لفظ الوحدة. فيكون لفظ الوحدة مكان التوحيد. أنتم لا تستوحشون من التوحيد، فَلِمَ تخافون من الوحدة؟! هذه أسرار غامضة، لو أراد سلمان أن يبرزها لمن هو دونه لما تحمَّلوها ولقالوا هذا شرك)[5]!


فالطَّهراني الأبُ يصوِّر الصحابيَّ الجليل سلمان المحمدي رضوان الله عليه على أنه صوفي يعتقد بوحدة الوجود (حاشاه) فَلَا يَسْتَطِيعُ التصريح بعقيدته حتى لأمثال أبي ذر رضي الله عنه لأنَّ الأخير لا يملك الإدراك الكافي الَّذِي يُمَكِّنُهُ من استيعاب هذه العقيدة، وَلِذَلِكَ سَيَتَّهِمُ سلمان بالكفر والشرك! وكذلك الحال بين الإمام السجاد عليه السلام وأبي حمزة الثمالي فِيمَا ذَكَرَهُ الطهرانيُّ الابن!

وهذا عين ما يفسره العارف من قول الشاعر: (كَيْلا يَرَى الحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتِنَنَا)، فَالجَاهِلُ المَقْصُودُ هُنَا كُلُّ مَنْ لَا يَقْبَلُ عقيدة العرفاء -مهما كان مقامه- وَلِذَلِكَ تَجِدُهُمْ يصفون المراجع والفقهاء بالجهل حين يُكفِّرون من يعتقد بوحدة الوجود والموجود كالحلاج!

 

وقد علَّل تقي الموسوي عدم فهمهم لمقصود العرفاء بوجود حجاب من الله يمنع غير العرفاء من الوصول لفهم عقيدتهم حيث قال بعد ذكر الأبيات: (حتى ينزاح الخمار وستر الحجاب، ويخرجوا من الناسوت، ويدخلوا في الملكوت واللاهوت، لأن خمار الجلال ونصيف الغيب والجمال، جعله الله ستر الحجاب عن الغرباء، كيلا يرى الحقَّ ذُو جهل فيَفتِنَنَا، كما يقول الإمام عليه السلام)[6]!


فتلاحظ كيف جعل سبب "عدم الفهم" بوجود "حجاب إلهي" يمنع غير العرفاء من فهم جوهر العلم، فمن لم يفهمه فهو "غريب" محجوب، ومن فهمه فهو "عارف" دخل الملكوت واللاهوت! 

فهل الدين طلاسم لا يفكها إلا الصوفية؟

 

وقد عَبَّرَ الطَّهْرَانِيُّ عند شرحه لهذا البيت عن سر عقيدتهم بالعلم التوحيدي الواقعي الذي لا يستطيع غير العرفاء تحمله، حيث قال: (يقول إنّي لأخفي تلك الجواهر والنفائس من علمي ولا أُبيِّنها لكي لا يطَّلع عليها الأشخاص الذين لا يتمكَّنون من استيعابها، إنَّ أفكاري وعلمي وجواهري تلك هي عين الحقِّ، لكنِّي أخفي هذا الحقَّ لكي لا يطَّلعَ عليه رجل جاهل، إذ لو اطَّلع عليه فإنَّه يُفتتن، ويوقعنا في الفتنة ويثير الفساد والمشاكل والقيل والقال، ومَشَاقِّ الأمور بسبب دعوتي له إلى الحقِّ، والحقُّ يعني ذلك العلم الحقَّ الحقيقيَّ، أو التوحيديَّ الواقعيَّ الذي لا يستطيع تحمُّله)[7]!

 

وبهذا يظهر أنَّ العلم التوحيدي الواقعي -جوهر العلم -عند الطَّهراني ليس إلا وحدة الوجود التي يُخفيها العرفاء عن العامة.

 

وسيأتي مزيد من التفصيل في الحلقات القادمة.

 

#طالب_علم



[1] - سراج الطالبين، إحسان دحلان، ج١ص٣٦.

[2] - شرح دعاء أبي حمزة الثمالي، محمَّد محسن الحسينيِّ الطهرانيِّ، المحاضرة السابعة سنة ۱٤٣٣هـ ق بعنوان: رفع الأمل إلى أعلى مستوى، ص6.

[3] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص49-50.

[4] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص52.

[5] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص54.

[6] - قدوة العارفين، تقي الموسوي، ص229.

[7] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص59-60.



الاثنين، 20 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة السابعة)

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة السابعة)

 

ما المقصودُ من جوهَرِ عِلمِهِ المَكتوم؟

 

يقول علي المياحي في مطلع القصيدة التي أنشدها:

إني لَأكتُم من علمي جواهره *** كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا[1]

يتحدث الشاعر في هذا البيت عن علمه، ويصف ما يكتمه من هذا العلم بالجواهر، وقد عبّر إحسان دحلان عن هذا العلم المكتوم بـ(أسرار الدين) حيث قال في شرحه لكتاب منهاج العابدين: ("إني لأكتم" أي لأستر "من علمي جواهره" وهي أسرار الدين)[2].

 

وقد بينَّا في السطور السابقة أن المقصود من "السر" عند العرفاء هو عقيدتهم المتمثلة في "وحدة الوجود" وهذا ما صرَّح به الآلوسي في تفسيره عن معنى العلم الذي يكتمه الشاعر فقال عند ذكره للأبيات: (يسمون ذلك علم الأسرار الإلهية وعلم الحقيقة، وإلى ذلك أشار رئيس العارفين علي زين العابدين حيث قال: إني لأكتم من علمي جواهره...) إلى آخر الأبيات ثم قال بعدها: (ومن ذلك علم وحدة الوجود، وقد نصوا على أنه طور ما وراء طور العقل)[3]!

 


وجاء كذلك في "حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي" عن معنى هذا العلم فقال بعد ذكر الأبيات: (وهو علم الحقيقة، والحكمة المسكوت عنها، وقد أشار إلى هذا المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو يُفهم من لفظ الرسالة فإنّ الرسالة ما يُرسل إلى الغير، وهذا مذهب الصوفية رحمهم اللّه تعالى)[4]!

 

وكذلك عبد الغني النابلسي حيث ذكر الأبيات في هذا الخصوص فقال: (إنه تعالى هو الوجود المطلق بالإطلاق الحقيقي، وإنه يجوز أن يتجلى ويظهر في أي صورة شاء من الصور والأشخاص المحسوسة والمعقولة من غير أن يتغير أو يتبدل عما هو عليه سبحانه. وربما يكفرونهم في ذلك، ولا يعلمون ما هم فيه من قبح الحال، وللَّه در القائل؛ وهو من الأوائل: يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا * ولاستباح رجال مؤمنون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا) ثم قال: (وقد ابتلى  الله تعالى بهم الأولين من العارفين والمحققين، كما ابتلى الله تعالى الأنبياء والمرسلين بالمُكذِّبين من أُممهم الضالين)[5]!

 


فتبيَّنَ أنَّ "جوهر العلم" عند العرفاء هو عقيدة وحدة الوجود، فهم لا يتكلمون عن "علومٍ خفيَّة" عامَّة، بل عن عقيدة وحدة الوجود تحديدًا.

 

#طالب_علم



[1] - راجع اليوتيوب، قصتي مع علي صادق، ضيف الحلقة الشيخ علي المياحي، الدقيقة 49.

[2] - سراج الطالبين، إحسان دحلان، ج١ص٣٦.

[3] - تفسير روح المعاني، الآلوسي، ج3 ص356، وفي طبعة أخرى ج6 ص190.

[4] - حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي، دار الكتب العلمية، ج3ص512، وفي طبعة دار صادر، ج3 ص263-264.

[5] - كتاب الوجود، عبد الغني النابلسي، ص260.

السبت، 18 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة السادسة)

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة السادسة)

 

هل الأبيات المنسوبة توافق ذوق المتصوفة أم لا؟

 

قبل الدخول في مناقشة نسبة الأبيات، نريد تسليط الضوء على مضمونها، لنرى هل توافق منهج المعصومين عليهم السلام أم ذوق المتصوفين؟ وسنعرض هنا ما ذكره العرفاء والمتصوفة من معاني مفرداتها بغض النظر عن الاختلاف الموجود في ضبط كلمات الشعر بين المصادر المتعددة، وكذلك الاضطراب الشديد في عدد الأبيات حيث ذكر بعضهم بيتاً واحدًا فقط وبعضهم بيتين وبعضهم ثلاثة، هذا عدا عن الاختلاف العجيب في ترتيب الأبيات بين تقديم وتأخير، ولذلك اعتمدنا على الأبيات التي ذكرها المياحي في المقابلة ونسبها للإمام زين العابدين عليه السلام حيث قال:

إني لَأكتُم من علمي جواهره *** كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

وقد تقدم في هذا أبو حسنٍ *** إلى الحسين ووصّى قبله الحسنا

ورُبّ جوهر علم لو أبوح به *** لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا

ولَاستحلَّ رجالٌ مسلمون دمي*** يرون أقبح ما يأتونه حسنا[1]

 


وهذه الأبيات من جنس قول صالح بن عبد القدوس:

رب سرّ كتمته، فكأني **** أخرس أو ثَني لساني عقلُ

ولو أني أبديتُ للناس علمي **** لم يكن في غير حبسي أكلُ [2].

 

وجاء في حديث الشاعر عبد القادر الحصني عن مضمون الأبيات الشعرية قوله: (يلتقي مضمون النص وقول السيد المسيح عليه السلام: "لا تعطوا القدس للكلاب ولا تلقوا جواهركم قدام الخنازير لئلا تدوسها بأرجلها وترجع فتمزقكم". (متى: 7/6)، وقول أبي هريرة: "ورثت عن رسول الله وعاءين من العلم: أولهما ما بثثته عليكم والثاني لو بثثته لقطعتم مني هذا البلعوم")[3]!

 

فتلاحظ كيف ربط الحصني بين الكلام المنسوب للسيد المسيح عليه السلام وحديث أبي هريرة والأبيات، ليجعل "كتمان السر" سنة إلهية عامة، مع أن حديث أبي هريرة محمول عند أهل الخلاف على أحاديث الفتن، لا على عقيدة وحدة الوجود كما يذهب العرفاء والمتصوفة!

 

#طالب_علم

 

[1] - راجع اليوتيوب، قصتي مع علي صادق، ضيف الحلقة الشيخ علي المياحي، الدقيقة 49.

[2] - الصلة بين التصوف والتشيع، الشيبي، ج1هامش ص172.

[3] - شرح ديوان الحلاج، عبد القادر الحصني، ص113.

الجمعة، 17 يوليو 2026

سلسلة حلقات (تنزيه زين العابدين عن أشعار المتصوفين)



سلسلة حلقات

(تنزيه زين العابدين عن أشعار المتصوفين)

 

🖋️ / #طالب_علم

 

 

(الحلقة الأولى)

https://taleb-elm313.blogspot.com/2026/07/blog-post.html

 

(الحلقة الثانية) سِرُّ العرفاء

https://taleb-elm313.blogspot.com/2026/07/blog-post_13.html

 

(الحلقة الثالثة) ما معنى الشَّطْحِ عند العرفاء؟

https://taleb-elm313.blogspot.com/2026/07/blog-post_14.html

 

(الحلقة الرابعة) لماذا لا يصرِّح العرفاء بعقيدتهم؟

https://taleb-elm313.blogspot.com/2026/07/blog-post_15.html

 

(الحلقة الخامسة) ما هي علاقة الأبيات المنسوبة بسِرِّ العرفاء؟

https://taleb-elm313.blogspot.com/2026/07/blog-post_17.html

 

  (الحلقة السادسة) هل الأبيات المنسوبة توافق ذوق المتصوفة أم لا؟

 

(الحلقة السابعة) ما المقصودُ من جوهَرِ عِلمِهِ المَكتوم؟

https://taleb-elm313.blogspot.com/2026/07/blog-post_20.html

 

(الحلقة الثامنة) ما المقصود بعبارة " ذُو جَهْلٍ" عند العُرفاء؟

https://taleb-elm313.blogspot.com/2026/07/blog-post_21.html

 


تنزيه زين العابدين (الحلقة الخامسة)

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الخامسة)

 

ما هي علاقة الأبيات المنسوبة بسِرِّ العرفاء؟

 

إنّ الأبيات التي نسبها المياحي إلى الإمام زين العابدين عليه السلام -على نحو الجزم- في لقائه على القناة الرابعة العراقية وكذلك في بعض كتبه[1]، يذكرها المتصوِّفة في هذا السياق، أي كتم السر، فقد جاء في شرح الحكم العطائية للشرقاوي قوله: (يجب مراعاة حال السائل فقد لا تكون في بعض السائلين أهلية للمسؤول عنه، فتكون إجابة مثله من الجهل وتعبيره عن كل مشهود له فيه نوعٌ من إفشاء السر الذي يجب كتمانه... والسر أمانة الله تعالى عند العبد، فإفشاؤه بالتعبير عنه خيانة...وقد يكون فيها ما لا يصح ذكره لِما يلزم عليه من الضرر والإفساد وإنكار الناس له... قال علي بن الحسين بن علي رضي الله عنه:

يا رب جوهر علم لو أبوح به *** لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا

ولَاستحلَّ رجالٌ مُسلِمون دمي *** يرون أقبح ما يأتونه حسنا

إني لَأكتُم من علمي جواهره *** كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

وقال أبوهريرة رضي الله عنه: "حفظتُ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جرابين من العلم، أمّا أحدهما فبثثتُه للناس، وأمّا الآخر فلو بثثتُه لقطعتم مني هذا الحلقوم"، ولذا قُتل الحلاج بإفشاء شيء من ذلك حيث قال: ما في الجبة إلا الله...)[2]!

 


وكذلك ذكر دحلان في كتابه سراج الطالبين عند شرحه لهذه الأبيات قوله: (قتلوا منصور الحلاج بإفشاء شيء من ذلك حيث قال: "ما في الجبة إلا الله"...)[3]!

 

وكذلك ملا صدرا ذكر الأبيات في سياق استخدام مثل هذه الشطحات الصوفية حيث جاء في كتابه مفاتيح الغيب: (قال الجنيد: لا يبلغ أحد درج الحقيقة حتى يشهد ألفُ صديق بأنه زنديق، وذلك لأنهم يعلمون من الله ما لا يعلمه غيره... وإلى هذا العلم أشار علي بن الحسين عليه السلام بما اشتهرت نسبته إليه أنه قال: یا رب جوهر علم لو أبوح به...)[4]!

 


وقد تقدم تصريح كمال الحيدري باستخدام الأبيات المنسوبة وربطها باستخدام العرفاء والمتصوفة للغة الرمز والإشارة فقال: (اعتاد الأقدمون من أهل الأسرار على تضمين معارفهم الحقة في قوالب الرموز حتى أضحت لغة تخصهم دون غيرهم، وما ذلك إلا حرصًا منهم على كرامتها فلا تنتهك من قبل الجهلة، وأرواحهم فلا تسفك بيد متقرب إلى الله تعالى بجهله أو عماه عن رؤية ما يشع من كلماتهم من نور يتلألأ، وما ينسب إلى الإمام السجاد علي بن الحسين لما فيه الغنى والكفاية عن بيان هذه الحقيقة المرة...) ثم ذكر الأبيات[5]!

 

وجاء في كتاب " حل الرموز ومفاتيح الكنوز" للعز بن عبد السلام بعد ذكره للأبيات المنسوبة قوله: (أما أهل التمكين فإنهم علموا وكتموا ما علموا لما يعلمون من ضعف احتمال عقول أطفال العقول فلهذا إنّ الحلاج لما علم شيئاً من هذا العلم وتفوه به أبيح دمه، وكان خطؤه من حيث إظهاره ما يُكتتم وإعلانه بما يُسَر، فكان حكم من باح أن دمه يباح)[6]!

 

فتلاحظ هنا أن العرفاء والمتصوفة يستخدمون هذه الأبيات تبريرا لأسرارهم الكفرية، مثل كلمات الحلاج (أنا الحق) و(ليس في جبتي سوى الله) وغيرها، وأن الخطأ الوحيد للحلاج عندهم هو التصريح بعقيدتهم في العلن وليس في أصل العقيدة!

لذلك قال العارف عبد الله الفاطمي: (ترد حكاية الحلاج وتقدُّمه إلى المشنقة ـ في بعض المناسبات ـ مثلًا على إفشاء الأسرار، والبوح بالمعاني التي لا تدركها أفهام العامَّة، يقول حافظ: "قال ذلك العاشق -أي الحلاج- شيئًا فَنُبَتْ له المشنقة جزاء بَوْحه بالأسرار")[7]!

 

فكأنّ حافظ الشيرازي يشرح عبارة العز بن عبد السلام - كان حُكم من باح أن دمه يباح- فقال إنّ مقتل الحلاج كان جزاءً لبوحه بالأسرار لا أنه نكالًا لتصريحه بالكفر! لأن هذا الذي يحسبه الفقهاء كفرًا ليس بكفر عند العرفاء، بل هو أعلى درجات العرفان[8] ولكن لا تدركه أفهام العامة!

 

والخلاصة أن المتصوفة استخدموا هذه الأبيات ونسبوها للإمام السجاد عليه السلام كذبًا وزورًا لإضفاء الشرعية عليها وتبريرًا لأسرارهم الكفرية!

 

#طالب_علم



[1] - حقيقة النفس، 144-145، النفس في الشعر الصوفي، ص138-139، النور الإلهي، ج2 ص477، الفيض الإلهي، ج1ص148.

[2] - المنح القدسية على الحكم العطائية، عبد الله الشرقاوي، الحكمة رقم80، ص131.

[3] - سراج الطالبين، إحسان دحلان، ج١ص٣٦.

[4] - مفاتيح الغيب، ملا صدرا الشيرازي، طبعة دار المحجة البيضاء، ص102-103، وفي طبعة مؤسسة التاريخ العربي، ص121.

[5] - المثل الإلهية، كمال الحيدري، ص١٩٤.

[6] - حل الرموز ومفاتيح الكنوز، بتحقيق الدكتور محمد بوخنيفي، ص158، وفي طبعة أخرى بعنوان: زبد خلاصة التصوف المسمى حل الرموز ومفاتيح الكنوز، العز بن عبد السلام، تحقيق محمد الشاغول، ص١١٥.

[7] - نهاية العشق، عبد الله الفاطمي، ص26.

[8] - قدوة الفقهاء والعرفاء، تقي الموسوي، هامش ص235.

الأربعاء، 15 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الرابعة)

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الرابعة)

 

لماذا لا يصرِّح العرفاء بعقيدتهم؟

 

وأمَّا سبب تشدد العرفاء في كتمان هذا السر هو خوفهم من أن يكون مصيرهم كمصير الحلاج حيث قُتِلَ وصُلِب.

يقول أبو مدين المغربي:

وفي السر أَسرار دِقاق لطيفةٌ **** تُراقُ دِمانا جَهْرةً لو بها بُحنا[1]

 


ويقول السهروردي:

بالسرِّ، إن باحوا، تُباحُ دماؤهم **** وكذا دماءُ العاشقين تُباحُ[2]

 

وكان كبير العرفاء ابن عربي ينصح تلامذته بعدم التصريح بعقيدتهم في العلن لكيلا يكون مصيرهم كمصير الحلاج فقال:

فمن فهم الإشارة فَليصُنها *** وإلا سوف يُقتلُ بالسِّنانِ

كحلاجِ المَحبّةِ إذ تبدَّت*** لهُ شمسُ الحقيقةِ بالتَّداني

فقال أنا هُوَ الحقُّ الذي لا *** يُغيِّرُ ذاتَهُ مَرُّ الزمانِ[3]


فحينما يريد ابن عربي أن يقول "أنا الحق" أو "ليس في جبتي سوى الله" يمارس النفاق خيفةً من المؤمنين أو يحذر من مخالفةِ صحبه الملحدين فيلف ويدور ولا يقولها في العلن بشكل مباشر ولكن قد يذكرها في بطون الكتب بعد مقدمات من الأعذار والتبريرات[4]!

وقد ذهب كلٌّ من الجنيد والشبلي –وهما من كبار مشايخ الصوفية- إلى أبعد من ذلك في كتمان السر حيث أفتيا بقتل الحلاج!

يقول هاشم عثمان، محقق ديوان الحلاج: (قد ذكر ابن عجيبة فقرة على جانب كبير من الأهمية مفادها أنَّ ممن أفتى بقتل الحلاج الجنيد والشبلي غيرةً على السر أن يُفشى لغير أهله)[5]!

فالجنيد والشبلي يعتقدان بعقيدة الحلاج ولكن خوفًا من الموت من جهة ومن إظهار سرِّ عقيدتهم من جهة أخرى سارعا إلى الإفتاء بقتله!

والظاهر أنّ الشبلي لم تنفع معه هذه الحيلة ولذلك تظاهر بالجنون لاحقًا لكي لا يلقى ما لقيه صاحبه الحلاج حيث قال: (أنا والحلاج شيء واحد، لكنّهم نسبوني إلى الجنون فنجوتُ، ونسبوا الحسين -أي الحلاج- إلى العقل فهلك)[6]!

وعلي المياحي كباقي العرفاء يعرف هذا السر جيدًا، ويعرف مصير من يصرِّح به. لذلك يستخدم الحيل والأساليب الملتوية لخداع البسطاء والاستهزاء بعقولهم، كما يفعل أسلافه المتصوفة.

 

#طالب_علم

 


[1] - الفتوحات الإلهية، ابن عجيبة، ص28.

[2] - ديوان السهروردي المقتول، الدكتور كامل مصطفى الشيبي، ص72.

[3] - رسائل ابن عربي، كتاب الأسرى، باب سفر القلب، ص141، وفي طبعة دار الكتب العلمية ص134، شرح وتحقيق ديوان الحلاج، هاشم عثمان، ص21.

[4] - الحب في التصوف الإسلامي ابن عربي نموذجًا، يحيى محمد، ص99.

[5] - ديوان الحلاج بشرح وتحقيق هاشم عثمان، ص12.

[6] - الروح المجرد، الطهراني، ص445.