الأربعاء، 15 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الرابعة)

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الرابعة)

 

لماذا لا يصرِّح العرفاء بعقيدتهم؟

 

وأمَّا سبب تشدد العرفاء في كتمان هذا السر هو خوفهم من أن يكون مصيرهم كمصير الحلاج حيث قُتِلَ وصُلِب.

يقول أبو مدين المغربي:

وفي السر أَسرار دِقاق لطيفةٌ **** تُراقُ دِمانا جَهْرةً لو بها بُحنا[1]

 


ويقول السهروردي:

بالسرِّ، إن باحوا، تُباحُ دماؤهم **** وكذا دماءُ العاشقين تُباحُ[2]

 

وكان كبير العرفاء ابن عربي ينصح تلامذته بعدم التصريح بعقيدتهم في العلن لكيلا يكون مصيرهم كمصير الحلاج فقال:

فمن فهم الإشارة فَليصُنها *** وإلا سوف يُقتلُ بالسِّنانِ

كحلاجِ المَحبّةِ إذ تبدَّت*** لهُ شمسُ الحقيقةِ بالتَّداني

فقال أنا هُوَ الحقُّ الذي لا *** يُغيِّرُ ذاتَهُ مَرُّ الزمانِ[3]


فحينما يريد ابن عربي أن يقول "أنا الحق" أو "ليس في جبتي سوى الله" يمارس النفاق خيفةً من المؤمنين أو يحذر من مخالفةِ صحبه الملحدين فيلف ويدور ولا يقولها في العلن بشكل مباشر ولكن قد يذكرها في بطون الكتب بعد مقدمات من الأعذار والتبريرات[4]!

وقد ذهب كلٌّ من الجنيد والشبلي –وهما من كبار مشايخ الصوفية- إلى أبعد من ذلك في كتمان السر حيث أفتيا بقتل الحلاج!

يقول هاشم عثمان، محقق ديوان الحلاج: (قد ذكر ابن عجيبة فقرة على جانب كبير من الأهمية مفادها أنَّ ممن أفتى بقتل الحلاج الجنيد والشبلي غيرةً على السر أن يُفشى لغير أهله)[5]!

فالجنيد والشبلي يعتقدان بعقيدة الحلاج ولكن خوفًا من الموت من جهة ومن إظهار سرِّ عقيدتهم من جهة أخرى سارعا إلى الإفتاء بقتله!

والظاهر أنّ الشبلي لم تنفع معه هذه الحيلة ولذلك تظاهر بالجنون لاحقًا لكي لا يلقى ما لقيه صاحبه الحلاج حيث قال: (أنا والحلاج شيء واحد، لكنّهم نسبوني إلى الجنون فنجوتُ، ونسبوا الحسين -أي الحلاج- إلى العقل فهلك)[6]!

وعلي المياحي كباقي العرفاء يعرف هذا السر جيدًا، ويعرف مصير من يصرِّح به. لذلك يستخدم الحيل والأساليب الملتوية لخداع البسطاء والاستهزاء بعقولهم، كما يفعل أسلافه المتصوفة.

 

#طالب_علم

 


[1] - الفتوحات الإلهية، ابن عجيبة، ص28.

[2] - ديوان السهروردي المقتول، الدكتور كامل مصطفى الشيبي، ص72.

[3] - رسائل ابن عربي، كتاب الأسرى، باب سفر القلب، ص141، وفي طبعة دار الكتب العلمية ص134، شرح وتحقيق ديوان الحلاج، هاشم عثمان، ص21.

[4] - الحب في التصوف الإسلامي ابن عربي نموذجًا، يحيى محمد، ص99.

[5] - ديوان الحلاج بشرح وتحقيق هاشم عثمان، ص12.

[6] - الروح المجرد، الطهراني، ص445.

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثالثة)

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثالثة)

 

ما معنى الشَّطْحِ عند العرفاء؟

 

يقول كمال الحيدري في تعليقه على كلمات البسطامي والحلاج: (إن الشَّطَحاتِ هي ضرب من كشف الأسرار التي لا يصح أن تُعرض لأي أحد وإنما لابُد من حصر الإفشاء بها إلى أهلها... كتمان السر هو من أوجب الشروط التي اشترطها العرفاء في السير والسلوك، وأن الإفشاء بها مخل بالهدف ومانع عن تحقيق المطلوب)[1].

 

إذًا معنى الشطح عند العرفاء هو كشف السر لا أن الذي قاله الحلّاج أو البسطامي مخالف لعقيدتهم!

والأمر الآخر هو عدم وجود هذا المصطلح -أي الكشف- عند غيرهم لذلك قال محقِّق كتاب اصطلاحات الصوفية لعبد الرزاق الكاشاني: (ما وجدتُ هذه المادَّة "الشطح" ولا معناها في كثير من المصادر الأصلية التي رجعت إليها للعثور عليها ككتاب العين وكتاب الجيم وديوان الأدب وجمهرة اللغة وصحاح اللغة ولسان العرب وتهذيب المنطق وكتاب تهذيب الألفاظ وشرح ابن هشام اللخمي على الفصيح، ولم يوجد أيضاً في المصادر المتأخرة كمصباح المنير ولا في المعاصرة كالمنجد)[2]!

 

وعلى هذا يكون مصطلح "الشطح" خاصًا بالمتصوِّفة، والمعنى عندهم كما قال أحدهم: (أن الماء إذا جرى في نهر ضيق فيفيض من حافتيه يقال شطح الماء في النهر)[3].

 

وهذا المعنى ذكره حافظ الشيرازي في حال الحلاج بقوله:

ذاك الذي فيض المعارف عنه قد فاحا *** كل ما جناه أنه بالسر قد باحا[4]

 

فتلاحظ أنه شبّه الحلاج بالمنبع الذي يفيض منه المعارف والعلوم، كما يفيض الماء من النبع، ولكن مشكلة الحلاج في كونه فاض بهذه المعارف في العلن وكشف سر عقيدتهم!

 

ويقول الدكتور رفيق العجم في "موسوعة مصطلحات التصوّف الإسلامي" عن معنى الشطح: (تعبير عما تشعر به النفس حينما تصبح لأول مرة في الحضرة الألوهية فتدرك أن الله هي وهي هو، ويقوم على عتبة الاتحاد ويأتي نتيجة وجد عنيف لا يستطيع صاحبه كتمانه فينطق بالإفصاح عنه لسانه، وفيه يتبين هذه الهوية الجوهرية فيما بين العبد الواصل والمعبود الموصول إليه فيتحدث على لسان الحق لأنه صار والحق شيئًا واحدًا)! ويضيف بعدها قائلاً: (وهذا هو الأصل في تحريم إذاعة ما يجري في النفس إبان هذه الحال، ومن أذاع فقد شطح)[5]!

 

إذاً، المعنى الصحيح للشطح عند العرفاء هو إذاعة السر لذلك قال الدكتور:(ومن أذاع فقد شطح) ولهذا يحرمون الإذاعة لكيلا يُكشف سرُّ عقيدتهم "وحدة الوجود والموجود" وقد لخصها الدكتور بقوله: (أن الله هي وهي هو) أي الله هو العبد والعبد هو الله! فمن كشف هذه العقيدة قالوا عنه بأنه شطح!

وعلل الدكتور سبب كشفها بقوله:(ويأتي نتيجة وجد عنيف لا يستطيع صاحبه كتمانه فينطق بالإفصاح عنه لسانه) وبرر هذا التصريح بقوله: (فيتحدث على لسان الحق -أي الله- لأنه صار والحق شيئاً واحداً)!

 

وهذا المعنى ذكره العرفاء أيضاً، فقد قال تقي الموسوي في كتابه قدوة العارفين: (ليس هو العارف الذي يتكلم، ولكن الذي ينطق هو الوجود البحت البسيط -أي الله-. فالعامة -أي الفقهاء- يظنونها كفراً، والخاصة -أي العرفاء- يسمونها شطحات، والعارف صادق حتى في شطحاته لأن الله هو الذي يتكلم، وحاشا للعارف أن يتكلف، فكلامه صدق لأن حالته هي تلك، والذي قال "أنا الحق" ليس هو الحلاج، ولكن الحلاج أفشى سر الربوبية عند الخاصة والعامة)[6]!

 

إذًا معنى الشطح كشف السر، والسر هو عقيدة "وحدة الوجود والموجود"، وقد كشف الحلّاج هذا السر للخاصة والعامة بقوله: "أنا الحق" والحلاج صادق في شطحاته لأن الله هو الذي يتكلم!

وكل العرفاء كالحلاج لا يختلفون عنه في العقيدة إلا أنه كان يجهر بها في العلن وهم يكتمونها أشد الكتمان خوفا من القتل!

وهذه هي الحقيقة التي أجراها الله سبحانه وتعالى على لسان علي القاضي الطباطبائي حين قال: (إنّ أساس مطالب منصور الحلاج هي نفس مطالب سائر العرفاء، وليس لديه شيء آخر دونهم لكنّه كان مُفشِيًا للأسرار الإلهيّة)[7]!

فلاحظ قوله: (هي نفس مطالب سائر العرفاء)! أي أنّ عقائد الحلّاج هي نفس عقائد سائر العرفاء! ويؤكد علي القاضي[8] على تطابق معتقدهم بقوله: (وليس لديه شيء آخر دونهم)! فالحلّاج يساوي سائر العرفاء.



أما عن الأسرار التي كشفها الحلاج، فهو لم يكشف إلا عن عقيدتهم "وحدة الوجود والموجود" حين قال "أنا الحق" و"ليس في جبتي سوى الله" والتي أدت إلى قتله كما أشار المياحي بذلك في كتابه "حقيقة النفس" حيث قال: (إن الحلاج أذاع سر الحب وكشف أسرار العشق وقد قيل إنّه دفع ضريبة ذلك بقتله)[9]!

 

فالأسرار التي يريد المياحي كتمانها وعدم البوح بها حين قال: (كشف أسرار الربوبية كفر وهتك أستار الألوهية زندقة) هي هذه التي أجراها الله على ألسنتهم من غير أن يشعروا، وقد فضحهم الحلاج كما قال الجنيد[10]!

 

#طالب_علم

 



[1] - مراتب السير والسلوك إلى الله، كمال الحيدري، ص96.

[2] - اصطلاحات الصوفية، عبد الرزاق الكاشاني، بتعليق محمد علي حكيم وتحقيق محسن عقيل، هامش ص123.

[3] - الحلَّاج في ما وراء المعنى والخط واللون، سامي مكارم، ص 142.

[4] - العرفان والدين والفلسفة، المطهري، ص361.

[5] - موسوعة مصطلحات التصوُّف الإسلامي، الدكتور رفيق العجم، ص497.

[6] - قدوة العارفين سيرة العارف حسن المسقطي، تقي الموسوي، ص145.

[7] - الروح المجرد، الطهراني ص444، طبعة دار المحجة البيضاء.

[8] - قال علي المياحي في كتابه النور الإلهي، ص352: (ومن مثل السيد علي القاضي قدس سره وهو العارف الذي لم تنجب المدرسة الشيعية أمثاله)!

[9] - حقيقة النفس، علي المياحي، ص145.

[10] - جواهر التصوف، يحيى بن معاذ، جمع وتعليق سعيد عاشور، ص215.

الاثنين، 13 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثانية)

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثانية)

 

سِرُّ العرفاء

أرى أنه من الضروري قبل الدخول في مناقشة الأبيات ونسبتها أن نبيّن ما هو سر العرفاء ولماذا يخفون هذا السر عن غيرهم؟ خاصةً أنّ المياحي في هذا اللقاء تحدّث عن الأسرار التي يجب كتمانها، ثم استشهد بالأبيات المنسوبة كدليل على صحة طريقتهم وتبريرًا لعقائدهم الباطنية، حيث قال: (فبالنتيجة: الكتمان قاعدة من قواعد العرفان، كما أن الجمع والضرب والطرح في الرياضيات، هنا الكتمان مطلوب)[1].

 

وقال في كتابه حقيقة النفس: (من أهم صفات المؤمن إذ يجب عليه أن يحفظ السر ولا يصرح به مهما كانت الظروف وقد قيل عندهم "صدور الأحرار قبور الأسرار" و"كشف سر الربوبية كفر" فالسر لا يخرج إلا لأهله ومستحقيه وإذاعته لؤم وزلل...لذا كان الأولياء يخفون علومهم الباطنية وأسرارهم الخفية لأن الكشف قد يؤدي إلى ضرر بالناس وبصاحب السر أيضًا...فالكتمان أمر مهم في الطريق ومن هنا يقول الإمام علي بن الحسين الذي يعتقد المتصوفة أنه منهم وهو بالحق إمام[2] المسلمين قاطبة[3]:

يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به *** لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا

ولَاستحلَّ رجالٌ مُسلِمون دمي *** يرون أقبح ما يأتونه حسنا

إني لَأكتُم من علمي جواهره *** كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا)[4].

وقال أيضًا: (إن الحلاج أذاع سر الحب وكشف أسرار العشق وقد قيل إنّه دفع ضريبة ذلك بقتله)[5].

 



فما هو هذا السر الذي يجب كتمانه وعدم البوح به؟ ولماذا يُتَّهمُ من يصرح به بأنه عابد وثن؟!

 

الجواب: إن العرفاء المتصوِّفة قوم يحيطون أنفسهم بالضبابية، ويمارسون التلون والتناقض، فعقائدهم باطنية ويمارسون (النفاق) مع المؤمنين الموحدين ولكن الله يظهر الحق على ألسنتهم كما هي سنته تعالى على مدى التاريخ، وعلى رغم حرصهم على كتمان سرهم، إلا أنه تصدر منهم بعض الفلتات التي تبين حقيقة معتقدهم، وهذه الفلتات يُنطقهم الله بها لكي لا يختلط الحق بالباطل كما هي سنة الله في كشف المنافقين.

قال أمير المؤمنين عليه السلام: (ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه)[6].

 

فالعرفاء بصورة عامة يمارسون النفاق، فلا يصرحون بحقيقة اعتقادهم بوحدة الوجود علنًا في المحافل العامة، لأن حقيقة ذلك الاعتقاد عندهم سر من الأسرار. فيبقون عقيدتهم طي الكتمان إلا في بعض المواضع الخاصة، ويشرحونها بلغة لا يفهمها عامة الناس لأنها لغة عرفانية صوفية فلسفية. وإنما يتلقفها عنهم أمثالهم ممن يبحثون عن الضلال ويدرسون تلك الأراجيف الملبسة ثوب العلم.

يقول الصوفي عبد الكريم الجيلي: (الكلام عن الحقائق بالإشارة، ولا يفهم إشارتنا، ويعرف آفة ما فيها من عباراتنا، إلا من هو نحن، ونحن هو، فافهم)[7]!

 

ويقول كمال الحيدري: (اعتاد الأقدمون من أهل الأسرار على تضمين معارفهم الحقة في قوالب الرموز حتى أضحت لغة تخصهم دون غيرهم، وما ذلك إلا حرصًا منهم على كرامتها فلا تنتهك من قبل الجهلة وأرواحهم فلا تسفك بيد متقرب إلى الله تعالى بجهله أو عماه عن رؤية ما يشع من كلماتهم من نور يتلالأ، وما ينسب إلى الإمام السجاد علي بن الحسين لما فيه الغنى والكفاية عن بيان هذه الحقيقة المرة:

يا رب جوهر علم لو أبوح به **** لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا

ولاستحلَّ رجال مسلمون دمي **** يرون أقبح ما يأتونه حسنا

ولكي لا تكون المعارف الحقة والأسرار الشامخة شرعة لكل وارد وفي يد من ليس أهلًا، عمدوا إلى صيانتها بأقفال عصيَّة إلا على من طوى المراحل بعد خلع النعلين وطيِّ القدمين والانخلاع من القوتين، تلك الأقفال المحكمة العصية هي الرموز والإيحاءات والإشارات)[8]!

 


ومن ناحية أخرى يحتاط العرفاء من يقظة الجماهير ويأتون بعبارات تُوهم بأنهم لا يقصدون المعاني الكفرية وهكذا جرت كلماتهم على التمويه.

نعم، قد يصرِّح بعض من يأمنون على أنفسهم من العقاب في المحافل العامة أو من اختاروا الانتحار كالحلّاج.

وأمّا سر عقيدتهم فقد كشفه الحلاج نفسه صراحة بقوله: (أنا الحق)[9]! ولذلك قال الجنيد: (لقد فضحنا الحلّاج)[10]!

يقول الشاعر الصوفي سنائي الغزنوي:

اللسان الذي باح بالسرِّ المطلق *** كان الحلّاج في صيحته: أنا الحقُّ[11]!

ويقول الصوفي عبد الله الأنصاري: (بوح الواجد كقول الحلاج رحمه الله "أنا الحق")[12] [12]!

 

فتلاحظ أخي القارئ أنّ الحلّاج باح بقوله "أنا الحق" وقوله هذا هو سرُّهم المطلق، وهذا السر يجب أن يكون مكتومًا.

وتلاحظ أيضًا تلازم ذكرهم لهذين الاصطلاحين:

 "الشطح" و "الشطحات"

مع هذين العنوانين:

"كشف السر" و"الأسرار"

وهو ما يؤكد على أن معنى الشطح متعلِّقٌ بكشف سر عقيدتهم!

 

#طالب_علم

 



[1] - راجع اليوتيوب، قصتي مع علي صادق، ضيف الحلقة الشيخ علي المياحي، الدقيقة 50:30.

[2] - جاء في المصدر بلفظ (أمام).

[3] - جاء في كتاب "هل الشيخ المياحي يتبنّى التصوف"ص13 نقلا عن الشيخ المياحي في كتابه النفس في الشعر الصوفي، ص 139 وفي موضوع صفة (الكتمان) التي يجب أن يتحلَّى بها المتصوف، وأنَّ كشف سر الربوبية كفر عندهم. ثم قال الكاتب: نراه يقحم اسم الإمام علي بن الحسين عليه السلام مع اسمين من أعلام المتصوفة ممن أثاروا البلبلة في تراث الفكر الإسلامي فضلًا عن التضليل وفساد العقيدة هما: الحلاج ومحي الدين بن عربي، هذا ناهيك عن ذكر أبيات من الشعر منسوبة إلى الإمام عليه السلام. مما يوحي بتقديم الشيخ المياحي لاسم إمام معصوم في موضوع يخص المتصوفة بهدف أن يقول إنّ المتصوفة لا يخرجون عن دائرة الإئتمام بالمعصومين (عليهم السلام) وهو ما ذكره الشيخ المياحي بقوله: (الإمام علي بن الحسين الذي يعتقد المتصوفة أنه منهم وهو بالحق إمام المسلمين قاطبة) وهنا تكمن الخطورة.

[4] - حقيقة النفس، علي المياحي، 144-145، النفس في الشعر الصوفي، علي المياحي، ص138-139.

[5] - حقيقة النفس، علي المياحي، ص145.

[6] - نهج البلاغة ج 2 ص 148.

[7] - المناظر الإلهية، عبد الكريم الجيلي، ص81.

[8] - المثل الإلهية، كمال الحيدري، ص١٩٤.

[9] - مكاشفة القلوب، الغزالي، ص27.

[10] - جواهر التصوف، يحيى بن معاذ، جمع وتعليق سعيد عاشور، ص215.

[11] - نهاية العشق، عبد الله الفاطمي، ص27.

[12] - منازل السائرين، عبد الله الأنصاري، مع شرح عبد الرزاق الكاشاني، ص 109.

الأحد، 12 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الأولى)

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الأولى)

 

ظهر علي المياحي[1] في مقابلة تلفزيونية على القناة الرابعة العراقية متحدثًا عن العرفان والتصوف، وتطرّق خلال حديثه إلى موضوع الأسرار الإلهية وضرورة كتمانها ومن بين ما قال: (كشف أسرار الربوبية كفر وهتك أستار الألوهية زندقة)[2]!

وهذه إحدى العبارات الصوفية المشهورة والتي تكشف عن حرص القوم على كتم سر عقيدتهم!

وقد ذكر المياحي هذه العبارة تمهيدًا لعرض أبياتٍ صوفية نسبها للإمام زين العابدين عليه السلام فقال:

إني لَأكتُم من علمي جواهره **** كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

وقد تقدم في هذا أبو حسنٍ **** إلى الحسين ووصّى قبله الحسنا

ورُبّ جوهر علم لو أبوح به **** لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا

ولَاستحلَّ رجالٌ مسلمون دمي**** يرون أقبح ما يأتونه حسنا[3]

 

وكأنّ الميّاحي، في هذا السياق، كرر كلام شارح المثنوي، إبراهيم الدسوقي شتا، في عباراته حين نقل كلام أمير المؤمنين عليه السلام بعد هذه الأبيات فقال: (اندمجتُ على مكنون علم لو بُحْتُ به لاضطربتم اضطرابَ الأرْشِيَةِ في الطَّوِيِّ البعيدة)[4] وإن كان الدسوقي قد أخَّر ذكر الأبيات عن كلام أمير المؤمنين عليه السلام إلا أنه ذكر هذه العبارة، كما فعل المياحي تبعا له، تبريرًا لأسرار العرفاء الكفرية!

علمًا أنّ كلام أمير المؤمنين عليه السلام جاء ضمن خطبة من خُطبه بعد استشهاد رسول الله صلى الله عليه وآله ومجيء عمه العباس وأبي سفيان إليه، وقد عرضا عليه المبايعة بالخلافة، إلا أن أمير المؤمنين عليه السلام رفض عرضهما لانشغاله بتجهيز جنازة النبي صلى الله عليه وآله، ولعلمه المسبق بما سيحدث بعد ذلك من فتن حيث قال الشريف الرضي في نهج البلاغة عند ذكر عنوان هذه الخطبة: (ومن خطبة له عليه السلام لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وخاطبه العباس وأبو سفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافة: " أَيُّهَا النَّاسُ شُقُّوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ وَعَرِّجُوا عَنْ طَرِيقِ الْمُنَافَرَةِ وَضَعُوا تِيجَانَ الْمُفَاخَرَةِ أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَرَاحَ هَذَا مَاءٌ آجِنٌ وَلُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا وَمُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كَالزَّارِعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ، فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ وَإِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي وَاللَّهِ لَابْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لَاضْطَرَبْتُمْ اضْطِرَابَ الْأَرْشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ الْبَعِيدَةِ ")[5].

 

فسكوت الإمام عليه السلام عن كشف هذه العلوم في قوله: "اندمجتُ على مكنون علم..." كان سياسة علويةً حكيمة لدرء الفتن وتجنب الاضطراب بين الناس، فكشفُها في تلك المرحلة كان سيؤدي إلى الفوضى والضلال بدل الهداية. وفي كلمته إشارة إلى علمه بالفتن التي ستحدث، وكيف أن النهوض في وجهها قد لا يكون مُجدِيًا، مع قلة الناصر، فكان السكوت لحكمة إلهية التزمها أمير المؤمنين عليه السلام.

فكما تلاحظ أخي القارئ لا شأن لعبارة أمير المؤمنين عليه السلام بالأسرار الصوفية لا من قريب ولا من بعيد، ولكن العرفاء يبترون النصوص الدينية ثم يستدلون بالمقطع المبتور لإثبات عقيدتهم على طريقة استدلال منكر الصلاة بقوله: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ}[6] وقد استخدموا عبارة أمير المؤمنين عليه السلام بهدف أَسْلَمَةِ الأبيات الصوفية وإدخالها في الدين من باب التأويل لكي يقولوا بتوافقها مع النص في كتمان الأسرار، ثم إلصاقها بالأئمة -عليهم السلام- كذبًا وزورًا لإضفاء الشرعية على تلك الأبيات المشبوهة!

 

وسيأتي توضيح ذلك بالتفصيل في الحلقات القادمة.

 

#طالب_علم



[1] - هو أحد مروجي الأفكار الصوفية والداعي لها بأساليب خبيثة ماكرة، كتأويل الآيات والروايات بما يوافق عقيدتهم الباطلة، وقد نسب في محاضراته مقولات صوفية للمعصومين عليهم السلام.

[2] - جامع الأسرار ومنبع الأنوار، حيدر آملي، ص20، بلفظ (إفشاء سر الربوبية كفر...الخ).

[3] - راجع اليوتيوب، قصتي مع علي صادق، ضيف الحلقة الشيخ علي المياحي، الدقيقة 49.

[4] - مثنوي، جلال الدين الرومي، شرح إبراهيم الدسوقي شتا، ج5 ص536.

[5] - نهج البلاغة، خطب أمير المؤمنين عليه السلام، ج1 ص40.

[6] - سورة الماعون: آية 4.