الأحد، 2 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة السابعة عشر)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة السابعة عشر)

 

عبادةُ الأوثان على لسانِ مطهري

 

يقول مرتضى مطهري في كتابه التوحيد: (أن العرفاء فسروا القضاء في قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ} بالقضاء التكويني الذي لا يمكن المحيد عنه، ومعناه أن البشر لا يمكنه أن يعبد إلا الله، ولابن عباس في ذلك رواية في المقام مضمونها بأن عابد الوثن يعبد الله من حيث لا يعلم)[1]!

ثم نقلَ شعرًا بالفارسية للعارفِ الشبستري، وهذه ترجمتُه:

أيُّها المسلمُ لو كنتَ تعلمُ ما الوثنُ **** لأيقنتَ بأنَّ الدينَ في عبادةِ ذاك الوثنِ[2]


وحاول تبرير هذا البيت الخطير فقال: (وفي هذا البيت شيء من المبالغة والتجوُّز، فالشاعر لا يريد الإقرار بعبادة الأوثان، بل يريد أن يقول أن عابد الوثن هو في الحقيقة عابد لله)[3]!

أقول: إنَّ تقريره "القضاء التكويني" يعني نفي الاختيار في العبادة، ومقتضاه أن كل عبادة واقعة في الخارج فهي عبادة لله تعالى، حتى عبادة الأوثان، وهذا التبرير هو عين تقرير عقيدة "وحدة الوجود" حيث جعل "ظاهر الشرك" عين "حقيقة التوحيد"!

وهذا المعنى مطابق لما قرره ابن عربي في ديوانه:

الحمدُ للهِ الذي *** أذهبَ عنَّا الحزنا

ولم نزلْ نعبدُه *** لمَّا عبدنا الوثنا[4]

 

فتصريح مطهري وأبيات الشبستري وابن عربي كلها مطابقٌ للمعنى الذي فسَّرَه العرفاءُ حول البيتِ الشعري: "لقيل لي: أنت ممَّن يعبدُ الوثنا" بينما هذا التفسيرُ مناقضٌ لما قاله الإمامُ الحسينُ عليه السلام في مدحِ أبيه أميرِ المؤمنين عليه السلام:

عبدَ اللهَ غلامًا يافعًا **** وقريشٌ يعبدون الوثنين

وقلَى الأوثانَ لم يسجُدْ لها **** مَعْ قريشٍ لا ولا طرفةَ عين[5]

فالإمام علي عليه السلام قلى الأوثان ولم يسجد لها طرفة عين أبدا، بينما العرفاء يقولون: الدين في عبادة الأوثان. فأيهما على التوحيد المحمدي الأصيل؟

 

#طالب_علم

 


[1] - التوحيد، المطهري، ص39، دار المحجة البيضاء.

[2] - التوحيد، المطهري، هامش ص39.

[3] - التوحيد، المطهري،ص39-40.

[4] - ديوان ابن عربي، ص461، طبعة دار صادر.

[5] - الاحتجاج، الشيخ الطبرسي، ج 2 ص 26.

السبت، 1 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة السادسة عشر)


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة السادسة عشر)

 

عبادةُ الأوثان على لسانِ الجنابذي

 

يقول الجنابذي الملقب بالسلطان علي شاه: ({وَقَضَى رَبُّكَ} تكوينًا كما أمر تكليفًا أو أمر تكوينًا وتكليفًا على استعمال القضاء بمعنى إيصال الأمر إلى المأمور سواء كان بنحو التكوين أو التكليف لكن في أمره التكويني لا يقع التخلف وفي أمره التكليفي قد يقع التخلف أو ثبت عالم قضائه {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} أن مصدرية ولا نافية أو ناهية أو مفسرة، ولا ناهية والمعنى قضى ربك أن لا تقع منكم عبادة تكويناً إلا له أو أن لا تقع ولا يصح تكوينًا واختيارًا أو لا يصح اختيارًا وتكليفًا منكم عبادة إلا له! ...فالإنسان في عبادته اختيارًا للشيطان كالإبليسية وللجن كالكهنة وتابعي الجن وللعناصر كالزردشتية وعابدي الماء والهواء والأرض وللمواليد كالوثنية وعابدي الأحجار والأشجار والنباتات كالسامرية وبعض الهنود الذين يعبدون سائر الحيوانات وكالجمشيدية والفرعونية الذين يعبدون الإنسان ويقرُّون بآلهة وللكواكب كالصابئة وللملائكة كأكثر الهنود وللذكر والفرج كبعض الهنود القائلين بعبادة ذكر الإنسان وفرجه! وكالبعض الآخر القائلين بعبادة ذكر مهاديو ملكًا عظيمًا من الملائكة وفرج امرأته! كلهم عابدون لله من حيث لا يشعرون لأن كل المعبودات مظاهر له باختلاف أسمائه)[1][1]!


فالجنابذي يمرُّ على عبادةِ الشيطانِ والجنِّ والأصنامِ والكواكبِ والفرج، ثم يحكمُ حكمًا واحدًا: كلُّهم عابدون لله، لأنَّ كلَّ هذه الأشياءِ عينُ ذاتِ الله في مذهبِه!

وهذا ما يقصدُه العرفاءُ من قولِ الشاعر: "لَقيل لي: أنت ممَّن يعبدُ الوثنا"!

 

#طالب_علم

 


[1] - بيان السعادة في مقامات العبادة، الجنابذي، ج2 ص437.

الخميس، 30 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الخامسة عشر)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الخامسة عشر)

 

عبادةُ الأوثان على لسانِ عبدِ الكريم الجيلي

 

ويقول الصوفي عبد الكريم الجيلي: (أما الكفار فإنهم عبدوه بالذات لأنه لمَّا كان الحق سبحانه وتعالى حقيقة الوجود بأسره والكفار من جملة الوجود هو حقيقتهم فكفروا أن يكون لهم رب لأنه تعالى حقيقتهم ولا رب له بل هو الرب المطلق فعبدوه من حيث ما تقتضيه ذواتهم التي هو عينها ثم من عبد منهم الوثن فَلِسِرِّ وجوده سبحانه بكماله بلا حلول ولا مزج في كل فرد من أفراد ذرات الوجود فكان تعالى حقيقة تلك الأوثان التي يعبدونها)[1]!


تُلاحظُ هنا عبارةَ الجيلي صريحةً، فهو بكلِّ بساطةٍ يقول: اللهُ هو حقيقةُ تلك الأوثانِ التي عبدَها الكفار! -والعياذُ بالله-

 

ويقول الجيلي أيضًا: ("لا إله إلا أنا" يعني الإلهية المعبودية ليست إلا أنا. فأنا الظاهر في تلك الأوثان والأفلاك والطبائع وفي كل ما يعبده أهل كل ملة ونحلة فما تلك الآلهة كلها إلا أنا ولهذا أثبت لهم لفظة الآلهة وتسميته لهم بهذه اللفظة من جهة ما هم عليه في الحقيقة تسمية حقيقية لا مجازية ولا كما يزعم أهل الظاهر -أي الفقهاء- أنَّ الحق إنما أراد بذلك من حيث إنهم سموهم آلهة لا من حيث إنهم في أنفسهم لهم هذه التسمية وهذا غلط منهم وافتراء على الحق لأن هذه الأشياء كلها بل جميع ما في الوجود له من جهة ذات الله تعالى في الحقيقة هذه التسمية تسمية حقيقية لأن الحق سبحانه وتعالى عين الأشياء وتسميتها بالإلهية تسمية حقيقية لا كما يزعم المقلد من أهل الحجاب أنها تسمية مجازية ولو كان كذلك لكان الكلام أن تلك الحجارة والكواكب والطبائع والأشياء التي تعبدونها ليست بآلهة وأن لا إله إلا الله أنا فاعبدوني لكنه إنما أراد الحق أن يبين لهم أن تلك الآلهة مظاهر، وأن حكم الألوهية فيهم حقيقة وأنهم ما عبدوا في جميع ذلك إلا هو)[2]!


يتحدَّثُ الجيلي هنا بكلِّ صراحةٍ فيقول: (أنا الذي أظهرُ بصورِ الأوثانِ والأفلاكِ وفي كلِّ ما يعبُدُه أهلُ كلِّ ملةٍ ونحلة)! ويختمُ كلامَه بقولِه: (وأنَّهم ما عبدوا في جميعِ ذلك إلا هو)!

فكلُّ المعبوداتِ هي عينُ ذاتِ الله -في نظرِهم-، فإذا عبدتَها فقد عبدتَ الله! -والعياذُ بالله- فالجيلي يضعُ كلامًا على لسانِ الله، وهذا الكلامُ هو الكفرُ الصريحُ الذي يخشى العارفُ أن يُصرِّحَ به، لكي لا يقال له: "أنت مِمَّن يعبدُ الوثنا"!

 

#طالب_علم

 

[1] - الإنسان الكامل، عبد الكريم الجيلي، ص249، طبعة مؤسسة التاريخ العربي، وفي طبعة مركز الصفاء للدراسات، ص417.

[2] - الإنسان الكامل، عبد الكريم الجيلي، ص101-102، طبعة مؤسسة التاريخ العربي، وفي طبعة مركز الصفاء للدراسات، ص189.



[1] - الإنسان الكامل، عبد الكريم الجيلي، ص249، طبعة مؤسسة التاريخ العربي، وفي طبعة مركز الصفاء للدراسات، ص417.

[2] - الإنسان الكامل، عبد الكريم الجيلي، ص101-102، طبعة مؤسسة التاريخ العربي، وفي طبعة مركز الصفاء للدراسات، ص189.

الاثنين، 27 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الرابعة عشر)

 



#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الرابعة عشر)

 

عبادةُ الأوثانِ على لسانِ ابنِ عربي

 

يقول ابن عربي: (إن للحق في كل معبود وجهًا يعرفه من يعرفه ويجهله من يجهله: {وَقَضى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} أي حكم. فالعالم يعلم من عُبِدَ، وفي أي صورة ظهر حتى عبدَ، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عُبدَ غير الله في كل معبود)[1]!


 وقال أيضًا: (فلا بد أن يكون الخالق عين كل صورة يعبدها المخلوق مع افتقار الصورة إلى المادة... وقد قال: {وقَضى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ...} ولا قضى أن يُعبد غير الله، فلا بد أن يكون هو عين كل شيء، أي عين كل ما يفتقر إليه وعين ما يعبد كما أنّه عين العابد من كل عابد... وأما وصفه بالغني عن العالم إنّما هو لمن توهم أن الله تعالى ليس عين العالم)[2]!

 

لاحظْ قولَه: "فما عُبِدَ غيرُ اللهِ في كلِّ معبود"، أي أنَّ عابدَ الوثنِ لم يعبدْ إلا الله، لأنَّ الوثنَ عينُ ذاتِ الله في مذهبِه، فإذا عبدتَ الوثنَ فقد عبدتَ الله. وهذا هو المعنى الذي لو كَشفَ عنه العارف لقالوا له: (أنت ممَّن يعبدُ الوثنا)!

 

#طالب_علم

 



[1] - فصوص الحكم، ابن عربي ص72.

[2] - الفتوحات المكية، ابن عربي، ج4 ص101- 102

الأحد، 26 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثالثة عشر)



#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثالثة عشر)

 

عبادةُ الأصنام هي عبادةُ الله!

 

ما نريدُ توضيحَه هنا في معنى قولِ الشاعر: "أنت ممَّن يعبدُ الوثنا" عند العرفاء هو تأكيدٌ لما تقدَّم عن اعتقادِ العرفاء، مع ذكرِ نماذجَ من نصوصِهم وتصريحاتِهم.

فقد قلنا بأنَّ العرفاء يعتقدون أنَّ العبادةَ لأيِّ شيءٍ من الموجودات هي عبادةٌ لله تعالى، وأنَّها -أي العبادة- لا تقعُ بحسبِ التكوين إلا لله عزَّ وجل، حتى لو كانت للشمسِ والقمرِ والنجومِ والأصنام... إلخ، فأنت في الواقع تعبدُ الله من حيث لا تشعر! لأنَّ كلَّ هذه الموجودات -حتى الأوثان- هي عينُ ذاتِ الله في معتقَدِهم!

ينقل محمد تقي فعالي عن أوشو قوله: (إنَّ الله يكونُ في كلِّ مكان، فكيف يمكن أن لا يكونَ في تلك الأصنام؟! فهو موجودٌ في الوثنِ الحجريِّ أيضًا)[1]!

 

ولكي يُدخلوا هذا المعتقدَ الفاسدَ في الإسلام ويُنظِّروا له من بابِ الدين، جنحوا إلى الكذبِ على الله ورسولِه، والقولِ في كتابِه تعالى بالهوى، وتأويلِ الآيات وفقَ ما يشتهي كبيرُ العرفاء ابنُ عربي (لعنه الله)، فقالوا بأنَّ القضاءَ في قوله تعالى: {وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}[2] هو قضاءٌ تكوينيٌّ، بمعنى أنَّك لا تستطيعُ أن تعبدَ غيرَ الله تكوينيًّا، وأنَّ ذلك حكمٌ واقعٌ لا محالة!

بينما الآيةُ الكريمةُ نفسُها تردُّ هذا الادِّعاء، ولكنَّ العرفاء يبترون الآيات ثم يستدلُّون بالمقطعِ المبتور لإثباتِ هذا المعتقدِ الزائف. قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}[3].

فلو كان القضاءُ تكوينيًّا لما وُجِدَ عاقٌّ لوالدَيه، ولما استحقَّ عقوبةً. فبترُ الآيةِ تدليسٌ وتحريفٌ صريح.

 

وعن وحدةِ الأديان عند المتصوفة ولكي يقفَ القارئُ الكريمُ على معتقدِ العرفاء والمتصوفة بشكلٍ واضح أنقلُ له تصريحَ الدكتور أبي العلا عفيفي المحقِّق والمعلِّق على كتاب "فصوص الحكم".

يقول الدكتور في مقدمة الفصوص: (لم يستطع ابن عربي بعد أن قال بوحدة الوجود أن يدين بالإله الذي صوره الناس في مختلف أنواع الصور في معتقداتهم، وخلعوا عليه ما شاء عقولهم وقلوبهم أن يخلعوه من الصفات، فإن إله المعتقدات في نظره من خلق الإنسان، يتصوره كل معتقد بحسب استعداده وحظه من العلم والرقي الروحي، أما إله ابن عربي بل متصوفة وحدة الوجود جميعًا فلا صورة تحصره ولا عقل يحده أو يقيده لأنه المعبود على الحقيقة في كل ما يُعبد، المحبوب على الحقيقة في كل ما يُحب، إن العارف الكامل في نظره هو من رأى كل معبود مجلى للحق يُعبد فيه ... وكل من عبد غير هذا أو أحب غيره فقد جهل حقيقة ما عَبَدَ وما أحَب، يعبد المعتقِد إلهه الخاص الذي خلقه في معتقده ويجحد غيره من آلهة الاعتقادات، ويثني على الحق وما درى أنه يثني على نفسه، لأنه إله المعتقد من صنعه والثناء على الصنعة ثناء على الصانع، ولو عرف هذا المعتقد حقيقة الأمر، وأن غيره ما عبد إلا الحق في صورة خاصة من صور الاعتقاد، أي لو عرف قول الجنيد وقد سئل عن الله فقال: (لون الماء لون الإناء) - لو عرف كل ذلك ما أنكر على غيره ما يعبده، لأن ذلك الغير يظن ولا يعلم أن معبوده هو الله والله تعالى يقول: (أنا عند ظن عبدي بي) أي إنني لا أتجلى لعبدي إلا في صورة معتقده الخاص... فكل صورة من الصور ناطقة بألوهية الحق، وكل معبود من المعبودات وجه من وجوهه، {فَأَيْنَمَا تولوا فثم وجه الله} ، وأينما[4] تعبدوا فإنكم لا تعبدون سواه، قال تعالى: {وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} يقول ابن عربي: حكم، وقدّر أزلًا أنكم لا تعبدون غير الله مهما تكن صور معبوداتكم)[5]!


فتُلاحظُ أخي القارئ أنَّ ابنَ عربي يُقرُّ بكلِّ الاعتقاداتِ الباطلةِ وأنَّها صحيحةٌ توصلُ الإنسانَ إلى الله! لأنَّه -أي الإنسان- في الحقيقةِ لا يستطيعُ أن يعبدَ غيرَ الله تكوينيًّا. فالوثنيُّ، على سبيلِ المثال، يتوهمُ أنَّه يعبدُ الصنمَ، ولكنه في الحقيقةِ يعبدُ الله شاءَ أم أبى! وهذا عينُ ما أخفاه الطهرانيُّ تحت قناعِ "حقائقِ التوحيد"، وهو عينُ ما يقصدُه المياحي وباقي العرفاء من البيتِ الشعري: "لقيل لي: أنت ممَّن يعبدُ الوثنا"!

 

#طالب_علم


[1] - الإعلان، ص60، نقلا عن فعالي، محمد تقي، آفتاب وسايه ها، 1389 ش، 177، عن اوشو، راز بزرگ.

[2] - سورة الإسراء، آية 23.

[3] - سورة الإسراء، آية 23.

[4] - جاء في المصدر (وأياما) خطأ مطبعي.

[5] - فصوص الحكم، ابن عربي، بتعليق أبو العلا عفيفي، ص32-33.

السبت، 25 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثانية عشر)

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثانية عشر)

 

محاولةُ تضييعِ الحقيقة

 

حاول الطهراني -عند شرحه لهذا البيت- تضييع الحقيقة بقوله: (أنّ الإمام يقول هنا: إنّ الحقائق التي فهمتها وأدركتها عن التوحيد هي عند الناس كعبادة الأصنام، أُولئك الناس الذين يرون أقبح أعمالهم -التي هي عين الشرك- عملاً حسناً؛ أي أنّ إيماني يغاير ويعاكس كلّ المغايرة والمعاكسة إيمان هؤلاء القوم، وكلُّ ما أعرفه عن التوحيد فهو عندهم شرك، وما يعدُّه هؤلاء من الإسلام وسيرة المسلمين فينجزون أعمالهم ـ على أساسه عن نيَّة وعقيدة حسنة فيحجُّون ويجاهدون ويقومون بسائر الأعمال الحسنة، ويحلُّون سفك دمي من ثمَّ عن عصبيَّة إسلاميَّة، فإنَّ جميع هذه الأعمال باعتبارها غير مقترنة برؤية جمال الحقِّ وانكشاف وحدته... ذلك لأنها لم تصطبغ بصبغة الوحدة ولم يُجلَ عنها صدأ الأنانيَّة والإنِّيَّة، فهي لذلك من أخبث الأفعال والأعمال... وبطبيعة الحال فإنَّ مَن ينظر إلى جميع الموجودات بالنظر التوحيدي سيراها بشكل آخر، ولولا ذلك لما قال عليه السلام إنَّه يتكتَّم على علمه فلا يُظهره ولا يُجريه على لسانه وحيث إنَّ السبيل الوحيد للعلاج منحصر في أن نخطو بقدم صدق على صراط التوحيد من أجل نيل مشاهدة الإمام السجّاد عليه السلام)[1]!

ويقول أيضاً في "كتابه ولاية الفقيه في حكومة الإسلام": (المراد بجوهر العلم هو العلوم الأصيلة والواقعية وغير القابلة للتشكيك والتي تعُدُّ جميع العلوم في مقابلها اعتبارية وباطلة ومجازا، بينما يكون ذلك العلم هو العلم الجوهر، أي العلم الأصيل بالواقع والحقيقة. فكم من العلوم التي لو أظهرتها وبينتها لاتهمت بعبادة الأوثان والخروج عن الإسلام! حيث يتصور أنَّ ليس للمسلم مثل هذه العقيدة، وما هي إلا عقيدة عبدة الأوثان! وعندها يستحل جماعة من المسلمين دمي ويقتلونني، إذ يرونني كافرا بسبب ما أقوله! وهؤلاء المسلمون يرون قتلي- الذي هو أسوأ الأعمال- حسنا، ويقولون: إن هذا الرجل كافر ومشرك وعابد للصنم؛ فيجب قتله وسفك دمه، يجب إزالة هذا القائل بوحدة الوجود عن وجه الأرض، وتطهير الأرض من لوث وجوده لكي لا يظهر بين المسلمين نظير له، فيفعلون ذلك العمل مع كونه: أقبح ما يأتونه)[2]!

 

أقول: حاول الطهراني في بداية شرحه للأبيات أن يموِّه المعنى المقصود عند العرفاء حيث قال: (إنّ الحقائق التي فهمتها وأدركتها عن التوحيد هي عند الناس كعبادة الأصنام...)! والصحيح هو أن العرفاء يعتقدون بوحدة الوجود والموجود وليس التوحيد فكل الموجودات -حتى الأوثان- هي عين ذات الله في معتقدهم ولكن الطهراني استخدم لفظ "التوحيد" و"النظر التوحيدي" ليُخفي عقيدة وحدة الوجود، مع أنه صرح قبلها أن المراد هو "انكشاف الوحدة" و"صبغة الوحدة" وجعل من يخالفه هو المشرك فقال: (أُولئك الناس الذين يرون أقبح أعمالهم -التي هي عين الشرك- عملًا حسناً...) بينما الشرك بل الكفر هو في عقيدتهم وحدة الوجود والموجود فلو كشفها للناس لقالوا بأنه يعبد الوثن ولذلك قال في كتابه ولاية الفقيه في حكومة الإسلام: (فكم من العلوم التي لو أظهرتها وبينتها -يقصد وحدة الوجود- لاتُّهمت بعبادة الأوثان والخروج عن الإسلام! حيث يتصور أن ليس للمسلم مثل هذه العقيدة، وما هي إلا عقيدة عبدة الأوثان)!

والعجيب أنه قال قبل هذه العبارة: (المراد بجوهر العلم هو العلوم الأصيلة والواقعية وغير القابلة للتشكيك)!

فكيف تكون علومًا (غير قابلة للتشكيك) ويحكم جمهور المسلمين بأنها كفر وعبادة أوثان؟ هذا يعني إما أنها ليست حقًا، أو أن جمهور الأمة كلهم كفار، وهذا عين التناقض!

 


ورغم محاولته التمويه إلا أنه أشار إلى عقيدتهم الباطلة -وحدة الوجود- بقوله: (برؤية جمال الحقِّ وانكشاف وحدته) وقوله: (إنّ مَن ينظر إلى جميع الموجودات بالنظر التوحيديِّ سيراها بشكل آخر..)! أي يراها متوحدة، ثم عرَّض بعقيدة المؤمنين المخالفة لعقيدتهم بقوله: (لأنها لم تصطبغ بصبغة الوحدة ولم يُجلَ عنها صدأ الأنانيِّة والإنِّيَّة)! ولهذا قال إنّ الإمام يكتم هذه العقيدة لكيلا يتم تكفيره واتهامه بعبادة الأصنام (والعياذ بالله) حيث قال: (ولولا ذلك لما قال عليه السلام إنّه يتكتَّم على علمه فلا يُظهره ولا يُجريه على لسانه)!

 

وقد تأسَّف الطهراني على حال الفقهاء ووصفهم بالتكبُّر لأنهم لا يقبلون ولا يصدِّقون بأحوال المتصوفة وخزعبلاتهم، حيث قال: (ما يؤسَف له كثيراً هو تكبُّر الإنسان الذي لا يستطيع التنازل ولا التصديق بأنَّ ذلك السقَّاء في بيت الإمام عليه السلام الذي يذهب ويملأ جرَّة الماء يمتلك مقاماً كهذا.[3] وكم من هؤلاء المُستخدَمين، الذين يأتوننا بالماء أو يكنسون بيوتنا، تكون حالاتهم النفسانيَّة والروحيَّة وملكاتهم ومعتقداتهم مشابهة لبايزيد البسطاميِّ ومعروف الكرخيِّ)[4]!

 

ثم عرَّض بالفقهاء لتكفيرهم المتصوفة بسبب اعتقادهم بوحدة الوجود حيث قال على لسان الفقهاء: (فإنَّنا نقوم بتكفير وتفسيق العرفاء بالله وأولياء الحقِّ أمثال محيي الدين بن عربي؛ ونقتل كلَّ بائس عاجز ووالهٍ منقلب، بحجَّة التصوف والقول بوحدة الوجود، فيصبح قتل الدراويش سنَّتنا معنىً وظاهراً)[5]!

 


وكرر التعريض مرة أخرى بالفقهاء في كتابه "ولاية الفقيه في حكومة الإسلام" لتكفيرهم المتصوفة وهذا التعريض بمثابة شرح لعبارة الشاعر "يعبد الوثنا" حيث قال: (ويقولون: إنَّ هذا الرجل كافر ومشرك وعابد للصنم؛ فيجب قتله وسفك دمه، يجب إزالة هذا القائل بوحدة الوجود عن وجه الأرض)[6]!

 

فالطهرانيُّ فضحَ نفسَه وكشفَ أنَّ سببَ تكفيرِ الفقهاء للصوفية هو القولُ بـ"وحدةِ الوجود"، ووضَّحَ معنى قولِ الشاعر "يعبدُ الوثنا" حين ربطَ عبادةَ الأصنام باعتقادِهم الكفريِّ!

ثم إدَّعى الطهراني أنَّ الفقهاء عاجزون عن أن يفعلوا هذا الفعل مع الإمام زين العابدين عليه السلام حيث قال على لسانهم: (ولأنَّنا نَقصُر عن تكفير أو تفسيق الإمام السجَّاد، كما ليس في وسعنا في زمننا هذا أن نريق دمه)[7]!

 

فهو هنا يريد تصويرَ الإمام السجاد عليه السلام على أنَّه صوفيٌّ يعتقدُ بوحدةِ الوجود -والعياذُ بالله- من خلال هذه الأبيات المنسوبةِ كذبًا وزورًا إليه، ثم يهجمُ من خلالها على الفقهاء ويصوِّرُهم للقارئ على أنَّهم نواصب -حاشاهم-! أي كالناصبيِّ الذي لا يُعلِنُ تكفيرَه وبغضَه للعترة لكنَّه يُنفِّسُ عن غلِّه على العترة في شيعتهم! فالفقهاء كما حاول تصويرهم لا يستطيعون تكفيرَ الإمام زين العابدين عليه السلام فهذا يُسقطُهم، ولكنَّهم يُنفِّسون عن غلِّهم بتكفيرِ العرفاء المتصوفة الذين يصوِّرُهم الطهرانيُّ على أنَّهم إنَّما يتَّبعون الإمام عليه السلام ويأخذون عنه تلك العقيدةَ الزائغة -والعياذُ بالله-!

 

#طالب_علم


[1] - الروح المجرَّد، محمد الحسيني الطهراني، ص373-374.

[2] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص59-60.

[3] - أنكر مرتضى مطهري ذلك فقال: يدَّعي البعض أنه-أي البسطامي- سقَّاء لبيت الإمام الصادق عليه السلام وهذا الادعاء لا يتفق مع التاريخ، فهو لم يُدرك عصر الإمام الصادق عليه السلام. راجع العرفان والدين والفلسفة، ص359، الإسلام وإيران، ص446.

[4] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص61.

[5] - الروح المجرَّد، محمد الحسيني الطهراني، ص374.

[6] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص59-60.

[7] - الروح المجرَّد، محمد الحسيني الطهراني، ص374.

الجمعة، 24 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الحادية عشر)

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الحادية عشر)

 

تفسيرٌ آخر لعبارة: "يعبُدُ الوثَنا"

 

فسَّر ابن عربي العبارة بطريقة أخرى حيث قال: (فنبه بقوله "يعبد الوثنا" على مقصوده ينظر إليه تأويل قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق آدم على صورته" بإعادة الضمير على الله تعالى وهو من بعض محتملاته)[1]!

 


يشرح ابن عربي المقصود من قول الشاعر "يعبد الوثنا" بكونه كالضمير العائد على الله في حديث "إن الله خلق آدم على صورته"! فحينما تعبد الصنم فأنت في الواقع تعبد الله لأن كل شيء هو الله!

ولكي يوضح لك المعنى أكثر قال في موضع آخر: (إن العالم خلقه الله في غاية الإحكام والإتقان كما قال الإمام أبو حامد الغزالي من أنه لم يبق في الإمكان أبدع من هذا العالم فأخبر أنه تعالى خلق آدم على صورته والإنسان مجموع العالم ولم يكن علمه بالعالم تعالى إلا علمه بنفسه إذ لم يكن في الوجود إلا هو فلا بد أن يكون على صورته فلما أظهره في عينه كان مجلاه)[2]!

 

وهذا يعني أن الله خلق آدم على صورته (هو)! وصورته مجموع العالم، فظهر آدم في عين ذات الله إذ ليس في الوجود إلا الله! وبهذا يكون الوثن عين ذات الله أيضًا، فحينما تعبده فأنت في الواقع تعبد الله! (والعياذ بالله).

 

وأما السبب الآخر في ذكر عبادة الأوثان في قول الشاعر: (لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا) هو بسبب اعتقاد العرفاء أن العبادة -حتى لو كانت للأوثان- لا تقع إلا لله بحسب التكوين، بمعنى أنك لا تستطيع أن تعبد غير الله تكوينيًّا، وأنّ ذلك حكم واقع لا محال، وسيأتي توضيح ذلك بالتفصيل في الحلقات القادمة.

 

#طالب_علم



[1] - الصلة بين التصوف والتشيع، كمال مصطفى الشيبي، ج1 ص172.

[2] - الفتوحات المكية، ج2، ص345.