الاثنين، 24 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الخامسة والثلاثون)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الخامسة والثلاثون)

 

أخطاء أدَّت إلى نسبة الأبيات إلى الإمام السجاد عليه السلام

 

تقدَّم الحديث عن الاشتباهات التي أدت إلى تعدد من نُسبت إليهم الأبيات، كما في وهم عبد الباري داوود حين نسبها لابن الخطيب، ووهم محمد الكتاني حين نسبها لابن عربي.

وهنا انعكس الأمر: فقد نسبها بعضهم إلى الإمام زين العابدين عليه السلام اعتمادًا على مصادر هي نفسها تنسبها إلى غيره!

 

أولًا: خطأ الدكتور غلام رضا أعواني:

ذكر الشيخ جويا جهانبخش في مقاله "نقد الانتساب لأهل البيت" في الهامش 57: (والغريب أن الدكتور غلام رضا أعواني قد تحدَّث في مقالةٍ له أرسلها إلى مؤتمر إحياء الذكرى السنوية المئة على ولادة هنري كوربن عن التفات هنري كوربن إلى هذه الأبيات مورد بحثنا، وأنشد بيتين منها بوصفهما من "الشعر المنسوب إلى الإمام السجاد عليه السلام…". ثمّ قام بالإحالة إلى "تاريخ بغداد 12: 487"[1] أي إلى الموضع الذي لم يذكر الأبيات المذكورة بوصفها شعرًا قاله الإمام زين العابدين عليه السلام، بل بوصفها أبياتًا أنشدها أبو عمرو العتابي... فهل عمد شخصٌ آخر إلى إضافة هذه الإحالة ـ كالمدوِّن مثلًا ـ إلى المقالة، دون أن يلتفت إلى أصل المقال)؟!

 

ثانيًا: خطأ مجذوب علي شاه:

قال جهانبخش أيضًا: (ولهذه النادرة نظيرٌ أيضًا. ففي حاشية مرآة الحقِّ: 91، لمجذوب علي شاه، عمد إلى نسبة الأبيات مورد البحث، التي نسبها هناك إلى الإمام السجاد عليه السلام، مع التنبيه إلى (الاختلاف اليسير)، إلى "شرح نهج البلاغة [لابن أبي الحديد] 11: 222"، في حين أن ذلك الموضع من الأساس يعتبر قائل هذه الأبيات هو الحسين بن منصور الحلَّاج، على ما تقدَّم)[2]! انتهى النقل.


 ثالثًا: خطأ القاري البغدادي:

أضف إلى ما ذكره الشيخ جويا جهانبخش خطأ ثالث وهو ما جاء في كتاب "الدر الثمين في مناقب الشيخ محيي الدين" للقاري البغدادي أنه نقل كلام ابن عربي في "التدبيرات الإلهية" ثم قال: (حتى قال بعض السادة القادة... لا يبلغ الإنسان درجة الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق أنه زنديق، وانظر إلى قول الإمام زين العابدين رضي الله عنه: يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به...)[3].


فتلاحظ أنَّ القاري البغدادي نسبها للإمام السجاد عليه السلام، بينما المصدر الذي ينقل عنه -وهو التدبيرات- ينسبها صريحًا إلى الشريف الرضي[4]!

 

فإذا أحسنَّا الظن وقلنا إنه اشتباه، فإن هذا الاشتباه ساهم بشكل وآخر في انتشار النسبة الباطلة للأسف الشديد، ولذلك ينبغي لهؤلاء التصحيح علنًا -وأخص بذلك الشيعة- كما فعل السيد عبد الستار الحسني البغدادي رحمه الله الذي تراجع وندم حيث قال: (أذْكُرُ أنَّ أُستاذنا الجليل شاكر حسن آل سعيد الرسام التجريدي المعروف وكان يُدرِّسُنا مادَّةَ الرَّسْمِ في المتوسطة النظامية في أواسط الستينات الميلادية كانَ مُغرمًا بهذين البيتين وكانَ مُتَديِّنًا ذَا نَزْعَةٍ أَقْرَبَ ما تكونُ إلى الصُّوفِيَّةِ، وَقَدْ سألني يَوْمَها عَنْ مَدى صِحَّةِ نِسْبَتِهِما إلى الإمام زين العابدين ثِقَةً مِنْهُ بِمَا يَعْرِفُهُ عَنِّي مِنَ الحُضُورِ في المساجِدِ وَغَشَيانِ مَجالِسِ العُلَمَاءِ، فَأَجَبْتُهُ (تَبَرُّعًا) بِأَنَّهُما لَهُ عليه السلام - وأنا الآنَ أَسْتَغْفِرُ الله تعالى عن القَولِ بِغَيْرِ عِلْمٍ. ثُمَّ رأيتُ في تَرْجَمَةِ كُلْثُومِ بنِ عَمْرو العَتَّابِي التَّغلبِي الشَّاعِرِ المَعْرُوفِ - وكان في عَصْرِ المأمون - أنَّ هذين البيتين باختلاف يسير في اللَّفْظِ مَعَ بَيْتَينِ آخَرَيْنِ هُمَا لَهُ)[5]!



إنَّ خطورة القول بغير علم في نسبة النصوص من كلام أو شعر لشخص معيَّن بدون تثبُّت، خصوصًا إذا كان شخصية دينية تامَّة العظمة كالإمام السجاد عليه السلام، قد يؤدي إلى انتشار خطأ كبير يصعب تداركه، فمن وقع في خطأ أو اشتباه ثم تبيَّن له الحق، لا يكفي أن يسكُت، فالواجب المتعيِّن عليه تصحيح الخطأ والتراجع عنه علنًا وأن يُبيِّن للناس كما فعل السيد عبد الستار البغدادي، وهذا هو التواضع العلمي.

 

#طالب_علم

 


[1] - انظر: زائر شرق: 16!! (الشيخ جويا جهانبخش).

[2] - مجلة نصوص معاصرة، العدد 42-43، مقال بعنوان" نقد الانتساب لأهل البيت" للشيخ جويا جهانبخش، ص325.

[3] - الدرر الثمين في مناقب الشيخ محيي الدين" للقاري البغدادي المطبوع بمقدمة كتاب "خصوص النعم في شرح فصوص الحكم" للمهائمي، ص 48.

[4] - التدبيرات الإلهية، ابن عربي، بتحقيق الدكتور محمد الإدريسي الحسيني، ص80.

[5] - السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني، السيد عبد الستار الحسني البغدادي، هامش ص223.

الأحد، 23 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الرابعة والثلاثون)

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الرابعة والثلاثون)

 

اختلاف المتصوفة في نسبة الأبيات:

 

اختلف المتصوفة فيما بينهم في نسبة هذه الأبيات اختلافًا كثيرًا، وهذا ناتج عن أمرين: تخبطهم وعدم ضبطهم من جهة، ومحاولتهم الحثيثة لإلصاقها بأئمة أهل البيت عليهم السلام -لكسب الشرعية- من جهة أخرى.

وبالاستقراء نجد:

1- أكثرهم نسبها إلى الإمام زين العابدين عليه السلام.

 

2- بعضهم نسبها إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وبعضهم إلى الإمام الحسن، وبعضهم إلى الصادق، وبعضهم إلى الرضا عليهم السلام.

 

3- بعضهم عممها فقال: (وفي المنسوب إليهم شعرًا...)[1] أو (وينسبون في ذلك إلى خواص النبوة وخلفائها كثيرًا...)[2].

 

4- بعضهم أبهمها: (وللّه در القائل؛ وهو من الأوائل...)[3] أو (وقيل: شعر...)[4] أو (وتمثل في ذلك بقول بعضهم...)[5].

 

5- بعضهم نسبها لمشايخ الصوفية بصيغة الجمع: (وأنشدوا في ذلك: يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به...)[6] أو (وأنشدوا في ذلك شعرا...)[7] أو (قال قائلهم...)[8].

 

6- بعضهم تردد فيها -هل الأبيات للإمام زين العابدين عليه السلام أم تمثَّل بها؟- كما فعل زعيمهم ابن عربي.

وهنا موضع الشاهد في تناقض ابن عربي حيث نقل الدكتور كمال مصطفى الشيبي في كتابه الصلة: (ثم يأتي تيار مقابل من ابن عربي، وذلك أنه قد روى عن السجاد علي بن الحسين: أنه قال أو تمثل بالأبيات التالية:

إني لأكتُم من علمي جواهره *** كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

وقد تقدم في هذا أبو حسن *** إلى الحسين ووصَّى قبله الحسنا

يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به *** لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا

ولَاستحلَّ رجالٌ مُسلِمون دمي *** يرون أقبح ما يأتونه حسنا[9]

 


أقول: لاحظ قوله: (أنه قال أو تمثل بالأبيات...) ثم ذكر الأبيات الأربعة، لكننا حين راجعنا الفتوحات المكية وجدنا ابن عربي ذكر البيتين الأخيرين فقط وقال متردِّدا: (كان يشير علي بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب زين العابدين رضي الله عنهم بقوله فلا أدري هل هما من قيله أو تمثَّل بهما)[10]!

 

ثم في موضع آخر في التدبيرات الإلهية جزم بنسبتها للشريف الرضي فقال: (اعلم شرح الله سبحانه صدرك أنَّ مبنى هذا الطريق التسليم والتصديق، حتى قال بعض السادة القادة: "لا يبلغ الإنسان درجة الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صدِّيق أنه زنّيدق" ثم يؤيد قول هذا السيد بقول الشريف الرضي حفيد علي بن أبي طالب "كرم الله وجهه العزيز ورضي عنه" شعر...) ثم ذكر الأبيات[11].

 

والعجيب أنه نسبها للشريف الرضي في مقدمة الفتوحات أيضًا فقد جاء: (ولم يكن لقول الرضي من حفدة علي بن أبي طالب صلى الله عليه وسلم معنى إذ قال: يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به...) ثم ذكر البيتين الأخيرين[12]!

 

وفي موضع ثالث قال: (وكما قال علي رضي اللّه عنه حين عدم النقلة: "أنَّ ههنا -وضرب بيده إلى صدره- لعلومًا جمَّة لو وجَدتُ لها حملة". وكما قال ابنه الذكي الحبر الكبير السني...) ثم ذكر الأبيات[13]، فنسبها لأحد أبناء أمير المؤمنين بلا تسمية.

 

فكيف يقول "لا أدري هل هي للسجاد أم تمثَّل بها" ثم يجزم أنها للشريف الرضي المتوفى سنة 406هـ؟

وكيف يتمثل السجاد عليه السلام وهو المستشهد سنة 95هـ بأبيات الرضي المتوفى بعده بثلاثة قرون؟

وإذا كان يقصد من عبارة (ابنه الذكي الحبر الكبير السني...) الإمام السجاد عليه السلام -كما ادعى محقق كتاب "مجموعة رسائل ابن عربي"[14] فهذا قمة التناقض!

 

وقد حاول الشيبي تبرير هذا التناقض فقال: (وليست الأبيات للشريف الرضي الذي نعرفه ولكن ابن عربي قدم عبارة الشريف الرضي للوصف لا لتحديد الشخصية، ولا بُدَّ أنه أخذها من مصادر شيعية)[15]!

وهذا بعيد، لأن العبارة صريحة في التعيين، ولا يردُّها تقديم أو تأخير، حتى أن الطهراني استغرب من كون ابن عربي ينسب الأبيات إلى الشريف الرضي[16].

فالدكتور الشيبي يعلم جيدًا بعدم وجود أي مصدر شيعي يؤيد هذا الادعاء، بل حتى مصادر أهل الخلاف لا يوجد فيها من نسبها للشريف الرضي وقد اعترف هو نفسه بذلك ولكنه أراد تبرئة ساحة ابن عربي من هذا التناقض الواضح الفاضح!

 

نعم يوجد من الصوفية من نسبها للشريف الرضي وهو محمد بن حسن السمنودي الأزهري المتوفى سنة 1199هـ، في كتابه "تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين"[17] ولكنه متأخر كما تلاحظ، والظاهر أنه أخذ هذه النسبة عن ابن عربي.

 

الخلاصة: من هذا الاستقراء يتضح التخبط والتناقض في نسبة الأبيات حتى عند المتصوفة أنفسهم، وهو دليل قاطع على عدم ثبوتها عن الإمام زين العابدين عليه السلام، ولو كانت ثابتة عنه لنقلوها بسند متصل ولم يختلفوا فيها كل هذا الاختلاف.

 

#طالب_علم

 


[1] - الطريق إلى الله تعالى، الشيخ حسين البحراني، تحقيق وتعليق حبيب الكاظمي، ص91.

[2] - روضة التعريف في الحب الشريف، ج2، ص427.

[3] - كتاب الوجود، عبد الغني النابلسي، ص260.

[4] - مفتاح السعادة ومصباح السيادة، أحمد مصطفى زاده، ص47.

[5] - شرح الأزهار، أحمد بن يحيى المرتضى، ج3 ص166.

[6] - شرح حكم ابن عطاء الله السكندري، أحمد بن محمد زروق، ص95.

[7] - نتاج الأفكار القدسية، عبد الله العروسي،ج2 ص63.

[8] - اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح، شمس الدين البرماوي ج2، باب حفظ العلم، ص86-87، فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب، حسن بن علي الفيومي، ج1 ص717.

[9] - الصلة بين التصوف والتشيع، كمال الشيبي، ج1ص171.

[10] - الفتوحات المكية، ابن عربي، ج1 ص200، طبعة دار صادر.

[11] - التدبيرات الالهية، ابن عربي، بتحقيق الدكتور محمد الإدريسي الحسيني، ص80.

[12] - الفتوحات المكية، ابن عربي، ج1 ص32، طبعة دار صادر.

[13] - مجموعة رسائل ابن عربي، ج2 ص144.

[14] - مجموعة رسائل ابن عربي، هامش ج2 ص144، طبعة دار المحجة البيضاء.

[15] - الصلة بين التصوف والتشيع، كمال الشيبي، ج1هامش ص171-172.

[16] - الروح المجرد، الطهراني، ص372.

[17] - تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين، محمد بن حسن السمنودي الأزهري، ص95.

الأربعاء، 19 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثالثة والثلاثون)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثالثة والثلاثون)

 

12- نقد نسبة الأبيات إلى كلثوم بن عمرو العتابي:

 

وأما نسبتها إلى الشاعر أبي عمرو كلثوم بن عمرو العتابي التغلبي المتوفى سنة 220هـ وقيل 208هـ، فقد ذكر ذلك الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد حيث قال: (أخبرني أبو الحسن محمد بن عبد الواحد: حدَّثنا أبو الفضل محمد بن عبد الله الشيباني قال: حدَّثني كلثوم بن عمرو بن كلثوم التغلبي قال: أنشدني أبي أن جدّه كلثوم بن عمرو أنشده لنفسه: "إني لأخفي من علمي جواهره...) إلى آخر الأبيات[1].



وما يميز هذه النسبة أنها الوحيدة المسندة إلى قائلها بعكس النِّسب الأخرى، وأنَّ مصدرها قديم وهو "تاريخ بغداد" للخطيب المتوفى سنة 463هـ، لذلك قال الدكتور كمال مصطفى الشيبي: (وهذه النسبة أقرب إلى الصواب)[2].

 

وما يقوي هذه النسبة هو مناسبتها لحال العتابي حيث ذكر الدكتور مسعد العطوي سبب إنشاد العتابي لهذه الأبيات فقال: (وصارت تهمة الزندقة وسيلة من وسائل الانتقام في ذلك العصر، فإذا ما غضب الشاعر أو الكاتب أو العالم على زميله وجه إليه تهمة الزندقة، وإذا ما وجد شاعر ماجن خالع اتهموه بالزندقة، وإذا ما جلس شاب إلى هؤلاء الشعراء المُجَّان اتهموه بالزندقة أيضًا، فضلًا عن الصداقة والمسامرة، وأظن أن هذه الأسباب هي التي جعلتهم يرمون العتابي بالزندقة، فهو من البصرة وجالس بشار بن برد الذي قُتل بتهمة الزندقة، ومكث العتابي بالكوفة مدة من الزمن، وجالس ونادم حماد عجرد ومطيع بن إياس وخلافهم، وهم متهمون بالزندقة، لذا فإن الطاعن والحاقد عليه يكاد يجد الحجة له على العتابي، كما أن علمه بالفارسية وغرابته على العرب، واتصاله بالبرامكة وآل طاهر وغيرهم يزيد من التهمة، وقد أدرك ذلك بنفسه فتحاشى بعض الأفكار خوفًا من اتهام الناس له فقال:

إني لأخفي من علمي جواهره **** كي لا يرى العلم ذو جهل فيفتتنا

ورُبَّ جوهر علم لو أبوح به **** لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا

ولاستحلَّ رجال يبتغون دمي **** يرون أقبح ما يأتونه حسنا

وقد تقدم في هذا أبو حسنٍ * أوصى حسينًا بما قد خبَّر الحسنا)[3].

 


وجاء في "معجم الشعراء" للمرزباني في ترجمته: (كلثوم بن عمرو العتابي، التغلبي. من ولد عمرو بن كلثوم الشاعر. والعتابي يكنى أبا عمرو، وهو شامي، من أهل قنسرين، شاعر مجيد، مقتدر على قول الشعر، وهو كاتب مترسل، وله ألفاظ تُثبت، ورسائل تُدوَّن. ورمي بالزندقة، والرفض، فطلبه الرشيد، فهرب إلى اليمن...)[4].

فالأبيات تتطابق تمامًا مع واقع العتابي وخوفه من رميه بالزندقة، وكتمان ما لديه مما يعتبره من العلم خشية سوء الفهم.

 

الخلاصة: إنَّ أقوى نسبة للأبيات سندًا ودلالة هي نسبتها إلى "كلثوم بن عمرو العتابي"، لوجود سند متصل في "تاريخ بغداد"، ولكونها توافق حاله وما رُمي به من تهمة الزندقة، وعليه فالظاهر أنَّ الأبيات له، وليست لأحد غيره.

وسيأتي مزيد من التفصيل والترجيح النهائي في الحلقات القادمة.

 

#طالب_علم

 


[1] - تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، ج12 ص487.

[2] - الصلة بين التصوف والتشيع، ج١ هامش ص172.

[3] - العتابي حياته وأدبه، مسعد العطوي، ص48.

[4] - معجم الشعراء، المرزباني، ص291.

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثانية والثلاثون)



#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثانية والثلاثون)

 

10 و11- نقد نسبة الأبيات إلى ابن الخطيب المغربي وابن عربي الأندلسي:

 

وأما نسبتها إلى الصوفي ابن الخطيب المغربي المقتول سنة 776هـ، فهي وهمٌ محض من المحقق، وسبب الوهم أن عبد الباري محمد داوود محقق كتاب "السر في أنفاس الصوفية" للجنيد نقل الأبيات عن كتاب "روضة التعريف في الحب الشريف" لابن الخطيب.


والحقيقة أنَّ ابن الخطيب لم ينسبها لأحد بعينه في "الروضة" إنما قال: (وينسبون في ذلك إلى خواص النبوة وخلفائها كثيرًا كقوله: يا رب جوهر علم لو أبوح به ...)[1] فتوهَّم المحقق فجعلها من قول ابن الخطيب نفسه وأدرجها في مقدمة كتاب "السر في أنفاس الصوفية"[2]!

 واللطيف أن محمد الكتاني محقق كتاب "روضة التعريف" نفسه توهم أيضًا ونسب الأبيات لابن عربي المتوفى سنة 638هـ حيث قال في الهامش رقم 904: (ورد البيتان في الفتوحات المكية 1\32 وهما لابن عربي)[3]!

 


وكذلك توهم نواف الجراح محقق كتاب "تنزل الأملاك" فنسبها لابن عربي لأن الأخير قال: (وكما قال ابنه الذكي الحبر الكبير السني: يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به ...) وهذا الإبهام في تحديد القائل هو الذي دفع الجراح للتوهم بأنَّ المقصود ابن عربي نفسه[4]!

 


الخلاصة: إنَّ نسبة الأبيات إلى ابن الخطيب المغربي وهمٌ من المحقق عبد الباري داوود، ونسبتها إلى ابن عربي وهمٌ أيضًا من محققي "روضة التعريف" و "تنزل الأملاك". وابن عربي نفسه لم يثبتها لنفسه، بل تردَّد في نسبتها بين الإمام زين العابدين عليه السلام على سبيل التمثيل، وبين الشريف الرضي، وسيأتي مزيد من التفصيل في الحلقات القادمة.

 

#طالب_علم



[1] - روضة التعريف في الحب الشريف، ج2، ص427.

[2] - السر في أنفاس الصوفية للجنيد، بتحقيق عبد الباري محمد داوود، ص10.

[3] - روضة التعريف في الحب الشريف، ج2، هامش ص427.

[4] - تنزل الأملاك، ابن عربي، تحقيق نواف الجراح، هامش ص22، طبعة دار صادر.

الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الحادية والثلاثون)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الحادية والثلاثون)

 

9- نقد نسبة الأبيات إلى الأحنف العكبري:

 


وأما نسبتها إلى الشاعر أبي الحسن عقيل بن محمد العكبري -من أهل عكبرا ببغداد- المعروف بـ"الأحنف العكبري" المُتوفى سنة 385هـ، جاء ذلك في موقع "الديوان" حيث نسبت إليه الأبيات الشعرية وأدرجت ضمن ديوانه في الموقع[1] وكذلك موقع البيت العربي[2]، وموقع موسوعة الأدب العربي[3]، وموقع عالم الأدب[4] وغيرها، ولكن بمراجعة النسخة المطبوعة من الديوان بتحقيق سلطان بن سعد السلطان وجدناها -رغم إضافتها ضمن تسلسل القصائد للشاعر- قد نسبت إلى الإمام الصادق عليه السلام حيث جاء في المصدر قول الحسن بن شهاب: وقال -أي الأحنف-: (ويُرْوَى للصادق عليه السلام:

إني لأكتم من علمي فواضلَه **** كي لا يرى العلم ذو جهل فيفتتنا

وقد تقدَّم في هذا أبو الحسن **** إلى الحسين ووصّى قبله حسنا

يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به **** لقيل إنك ممَّن يعبد الوثنا)[5].

 


 أقول: هناك إشكالات حول هذه النسبة وتناقض صريح في الديوان، فمن العجيب أن تضاف في الديوان أبيات شعرية لغير الشاعر، لأنَّ كل الأشعار الموجودة فيه هي للشاعر الأحنف العكبري، حيث جاء في خاتمة الديوان: (قال الحسن بن شهاب بن علي بن شهاب عفا الله عنه: هذا آخر ما وُجِدَ من شعر الأحنف العكبري)[6].

فالراوي يؤكد أن كل ما في الديوان هو شعر الأحنف فقط، فكيف تُضاف أبيات "يُروى للصادق عليه السلام" ضمنه وترقَّم ضمن شعره؟!

وقد كان الراوي -الحسن بن شهاب- حريصًا على شعر الأحنف يدونه ويحفظه، وكان يكتب إليه يسأله عن جديده، ويستحثه إلى أن يرسل له شعره[7].

ولذلك من العجيب أن تضاف أبيات شعرية في الديوان لا تخص الشاعر وتُجعل ضمن أبيات الشاعر ثم يرقِّمها المحقق بالرقم التسلسلي (793) للأبيات!

 

 نعم، صحيح أن هناك بعض الأبيات في الديوان قد نسبت إلى غير الأحنف كقوله ضمن قصيدة طويلة:

بغداد دار لأهل المال طيبة **** وللمفاليس دار الذل والضيقِ

أمسيت فيها مضاعًا بين ساكنها**** كأنني مصحف في بيت زنديقِ

فإنَّ هذين البيتين قد نُسبا إلى شخص آخر أيضا حيث قال المحقق في الهامش: (نسب هذا البيت والبيت الثامن في المصادر الأدبية إلى عبد الوهاب المالكي...)[8].

وقوله أيضاً:

ألِفتُ التغرُّب والغُربة **** فِي كُل يَومٍ أَخَا تُربة

وهذا البيت نُسب إلى غيره أيضاً فقد علَّق عليه المحقق في الهامش بقوله: (ورد هذا البيت وآخران غيره في فوات الوفيات"1/65" منسوبة إلى المعتمد على الله)[9].

وقد تكرر ذلك لأبيات شعرية كثيرة في الديوان[10] ولكنها من نظم الشاعر يرويها عنه الحسن بن شهاب مباشرة في الديوان، إلا أنّ العجيب هو أن تضاف في الديون أبيات لا تخص الشاعر كما تقول النسخة المطبوعة!

فلا أدري هل القائمون على المواقع نقلوا من الديوان المطبوع فتوهَّموا أنَّ الأبيات للأحنف لوجودها ضمن الترقيم، أم أنهم اطلعوا على المخطوط ولم يجدوا عبارة "يروى للصادق عليه السلام" فأثبتوها للأحنف؟!

أم أن الناسخ -وهو محمد بن علي الكاتب- اشتبه ونسب الأبيات للإمام الصادق عليه السلام، بأن يكون (مثلا) كاتب المخطوط قد كتب: (قيل أنها تُروى للصادق) في الهامش، فأدخلها الناسخ في صلب النص؟! أم أنه تصرف من نفسه وأدخل الأبيات في الديوان؟!

فإن قلنا بأنَّ جامع الديوان قد نسب الأبيات للإمام الصادق عليه السلام كما جاء في النسخة المطبوعة، فهنا نسأل: لماذا لم يروِ جامع الديوان أشعارًا أخرى لشعراء آخرين ثم يضيفها إلى الديوان كما فعل مع هذه الأبيات؟!

فنحن بين أمرين لا يستقيمان:

إمَّا أن تكون الأبيات للشاعر الأحنف العكبري، وهنا نسأل: من أضاف عبارة "ويُروى للصادق عليه السلام...

وإمَّا أن تكون الأبيات ليست للأحنف العكبري، وهنا نسأل: كيف يضاف إلى الديوان أبيات لا تخص الشاعر ولا تُنسب إليه وتُرقَّم ضمن تسلسل أشعاره؟!

فإما هي للأحنف وأُقحمت فيها النسبة للصادق عليه السلام، وإما ليست له وأُقحمت في ديوانه، وفي الحالتين النسبة ساقطة.

وهذا ما يدعو إلى احتمال وقوعهم في الاشتباه والخطأ -إذا ما أحسنّا الظن بهم- وذلك لأنه النسخة الخطية قديمة جدًّا وهذا ما سبَّب صعوبة في قراءة كثير من نصوصها حيث يقول المحقق: (وعمر المخطوطة يزيد على ثمانمائة سنة، وهذا العمر الطويل أثر عليها، ففقد من أولها أوراق متعددة، شملت قافية الهمزة وجزءًا من قافية الباء، وفي آخر الديوان اختلطت قافية الميم مع النون)[11]!

 

وقال أيضًا: (كما أثرت الأرضة على باقي الأوراق ولكنه كان تأثيرا خفيفًا، لم يؤثر على قراءة المخطوط إلا في القليل، أما البلل فقد أصاب الأوراق الأخيرة منها، فمنع من قراءة بعض الكلمات، وزاد الأمر سوءًا محاولة أحدهم إصلاح ما أفسده البلل بإعادة كتابته، ولكنه لم يكن خبيرا، فجاءت محاولته كالطمس)[12]!

وقال في مقدمة الديوان: (وقد واجهتُ صعوبات شتَّى في التحقيق، إذ الاعتماد على نسخة واحدة يجعل الأمر شاقًّا وعسيرًا، إضافة إلى ما حدث للنسخة من آفات الكتب، وأسوأها بلل من سائل لعله حبر وقع في آخرها، طمس بعض الأبيات وكلماتها، وجاء أحد النساخ وحاول التعديل والإصلاح، فلم يوفق في ذلك، فأحدث تحريفًا في تلك الأبيات، ولم يسلم منها إلا القليل)[13]!

ولذلك صعب على المحقق قراءة الأشعار وكلماتها فقال تحت عنوان خطوات التحقيق: (وضعت ملحقا في آخر الكتاب فيه صور للكلمات أو الأبيات التي لم أستطع قراءتها أو حرف فيها الناسخ أو المصحح)[14]!

 

فترى أخي القارئ ما تعرضت له المخطوطة من فقدان بعض الأوراق واختلاط قافية الميم والنون وأثر الأرضة والبلل عليها وزاد على ذلك تحريف الناسخ أو المصحح باعتراف المحقق الذي هو أيضًا حذف كلمات كثيرة من الديوان بحجة أنها "غير لائقة" أو "غير مناسبة"[15]!

وهذا خلاف الأمانة العلمية التي تقتضي من المحقق نقل النص كما هو من غير تغيير أو حذف، فإنَّ إخفاء ما قاله الشاعر من كلمات غير لائقة هي محاولة لحجب جانب من جوانب سلوك الشاعر، ونقلها لا يعيب المحقق فناقل الكفر ليس بكافر.

والعجيب أنَّ المحقق تشدَّق بالأمانة العلمية في مقدمة الديوان بقوله: (إذ الأمانة العلمية تقتضي أن أنشر الديوان كما وصل إلينا)[16]!

ولهذا لا يبعد أن يكون المحقق خلال بحثه عن الأبيات وجد أن بعضهم قد نسبها إلى الإمام الصادق عليه السلام وبعضهم نسبها إلى الإمام زين العابدين عليه السلام، فيُحتمل أنَّ المحقق نسبها للإمام الصادق عليه السلام اجتهادًا منه، خصوصًا أنه ذكر في الهامش: (وقد نّسب هذا البيت وآخر معه إلى زين العابدين رحمه الله)[17]، كما أنه علل سبب تصرُّفه في بعض النصوص بأنها وهم أو خطأ حيث قال عند عنوان خطوات التحقيق: (حاولت قراءة النص قراءة صحيحة، وأصلحت ما وجدته من خطأ أو وهم)[18]!

 

وإذا ما أحسنَّا الظن به بسبب عدم استطاعته قراءة المخطوطة لأنه ذكر أنَّ شطرًا من الأبيات محل البحث هي واحدة من النصوص التي لم يستطع قراءتها بسبب التحريف وعدم الوضوح فلعل هذا هو السبب الذي جعله يشتبه وينسبها إلى الإمام الصادق عليه السلام لذلك قال في الهامش: (هذا الشطر مُحرَّف في الأصل، انظر الصورة رقم "٤٧"، والتعديل من الكشكول "٣٠٦/٢")[19]!

وعلى الرغم من أنَّ المحقق اعتمد على كتاب الكشكول للعاملي لتصحيح العبارة المحرفة من الأبيات، وهذا الأخير ينسبها إلى الإمام زين العابدين عليه السلام، إلا أنَّ الديوان المطبوع ينسبها إلى الإمام الصادق عليه السلام، فلعله اعتمد على بعض المصادر الصوفية في نسبتها إليه وإن لم يصرِّح بذلك.

وقد راجعت قسم الصور فوجدت الوثيقة المحرفة برقم "46" وليس "47" كما ذكر المحقق وكانت فعلًا غير واضحة ويصعب قراءة البيت الشعري من أثر العوامل التي طرأت على المخطوطة، وهو البيت الثالث من القصيدة:

يا رب جوهر علم لو أبوح به **** لقيل إنك ممَّن يعبد الوثنا[20].

 


ولكن الصورة مقطوعة لا تعرض الأبيات السابقة لهذا البيت ولا عبارة "ويُروى للصادق عليه السلام..."، ولذلك نحتاج الرجوع إلى النسخة المخطوطة من الديوان[21]، لأن المواقع الشعرية التي نقلت هذا الأبيات لم تذكر هذه العبارة أبدًا، بل نسبة الأبيات للأحنف العكبري مباشرة.

فإما أنَّ المواقع نقلت من المطبوع فتوهمت أنها للأحنف لوجودها ضمن الترقيم، وإما اطلعوا على المخطوط ولم يجدوا عبارة "يُروى للصادق عليه السلام" فأثبتوها للأحنف.

 

الخلاصة: نسبة الأبيات إلى الأحنف العكبري مشكوك فيها جدًا، بسبب إدخالها في ديوانه مع التصريح بأنها "تُروى للصادق عليه السلام"، وبسبب سوء حالة المخطوطة وتصرف المحقق بالحذف والتعديل.

وأما نسبتها إلى الإمام الصادق عليه السلام فهي باطلة أيضًا لعدم وجود سند ولا مصدر معتمد لها قبله.

 

#طالب_علم

 


[1] - موقع الديوان، العصر العباسي، الأحنف العكبري، القصيدة رقم 824.

[2] - موقع البيت العربي/ الأحنف العكبري/ إني لأكتم من علمي فواضلَه.

[3] - موقع موسوعة الأدب العربي/ الأحنف العكبري/ إني لأكتم من علمي فواضلَه.

[4] - موقع عالم الأدب/ القصائد/ العباسي/الأحنف العكبري/ القصيدة رقم820.

[5] - ديوان الأحنف العكبري، جمعه الحسن بن شهاب الحنبلي، تحقيق سلطان سعد السلطان، ص526.

[6] - ديوان الأحنف العكبري، جمعه الحسن بن شهاب الحنبلي، تحقيق سلطان سعد السلطان، ص539.

[7] - ديوان الأحنف العكبري، التمهيد، ص22.

[8] - ديوان الأحنف العكبري، بتحقيق سلطان سعد السلطان، هامش ص372.

[9] - ديوان الأحنف العكبري، بتحقيق سلطان سعد السلطان، هامش ص123.

[10] - راجع ديوان الأحنف العكبري في الصفحات التالية: 132، 147، 148، 266، 267، 305، 311، 370، 404، 452، 470، 534.

[11] - ديوان الأحنف العكبري، تحقيق سلطان سعد السلطان، ص89، عالم المخطوطات والنوادر، ج2 العدد الأول، ص219.

[12] - ديوان الأحنف العكبري، تحقيق سلطان سعد السلطان، ص89.

[13] - ديوان الأحنف العكبري، تحقيق سلطان سعد السلطان، المقدمة، ص4.

[14] - ديوان الأحنف العكبري، تحقيق سلطان سعد السلطان، ص90.

[15] - راجع ديوان الأحنف العكبري في الصفحات التالية: 125،120، 282، 283، 303، 476، 522، 523، 532.

[16] - ديوان الأحنف العكبري، تحقيق سلطان سعد السلطان، المقدمة، ص4.

[17] - ديوان الأحنف العكبري، هامش رقم 4 ص526.

[18] - ديوان الأحنف العكبري، تحقيق سلطان سعد السلطان، ص90.

[19] - ديوان الأحنف العكبري، هامش رقم 4 ص526.

[20] - ديوان الأحنف العكبري، قسم صور من المخطوط، ص556.

[21] - حاولت الاطلاع على النسخة الخطية لديوان الأحنف الموجودة في مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض، ولكن لم تتم الإجابة على الطلب عبر الإيميل، كما أنَّ بُعد المسافة وكثرة الأشغال حالا دون زيارة المكتبة للأسف الشديد.