#تنزيه_زين_العابدين
(الحلقة الرابعة)
لماذا لا يصرِّح
العرفاء بعقيدتهم؟
وأمَّا سبب تشدد العرفاء في كتمان هذا السر هو خوفهم من أن يكون مصيرهم
كمصير الحلاج حيث قُتِلَ وصُلِب.
يقول أبو مدين المغربي:
وفي السر أَسرار دِقاق لطيفةٌ **** تُراقُ دِمانا
جَهْرةً لو بها بُحنا[1]
ويقول السهروردي:
بالسرِّ، إن باحوا، تُباحُ دماؤهم **** وكذا دماءُ
العاشقين تُباحُ[2]
وكان كبير العرفاء ابن عربي ينصح تلامذته بعدم التصريح بعقيدتهم في العلن
لكيلا يكون مصيرهم كمصير الحلاج فقال:
فمن فهم الإشارة فَليصُنها *** وإلا سوف يُقتلُ
بالسِّنانِ
كحلاجِ المَحبّةِ إذ تبدَّت*** لهُ شمسُ الحقيقةِ
بالتَّداني
فقال أنا هُوَ الحقُّ الذي لا *** يُغيِّرُ ذاتَهُ مَرُّ الزمانِ[3]
فحينما يريد ابن عربي أن يقول "أنا الحق" أو "ليس
في جبتي سوى الله" يمارس النفاق خيفةً من المؤمنين أو يحذر من مخالفةِ
صحبه الملحدين فيلف ويدور ولا يقولها في العلن بشكل مباشر ولكن قد يذكرها في بطون
الكتب بعد مقدمات من الأعذار والتبريرات[4]!
وقد ذهب كلٌّ من الجنيد والشبلي –وهما من كبار مشايخ الصوفية- إلى أبعد
من ذلك في كتمان السر حيث أفتيا بقتل الحلاج!
يقول هاشم عثمان، محقق ديوان الحلاج: (قد ذكر ابن عجيبة فقرة على جانب
كبير من الأهمية مفادها أنَّ ممن أفتى بقتل الحلاج الجنيد والشبلي غيرةً على السر
أن يُفشى لغير أهله)[5]!
فالجنيد والشبلي يعتقدان بعقيدة الحلاج ولكن خوفًا من الموت من جهة ومن
إظهار سرِّ عقيدتهم من جهة أخرى سارعا إلى الإفتاء بقتله!
والظاهر أنّ الشبلي لم تنفع معه هذه الحيلة ولذلك تظاهر بالجنون لاحقًا
لكي لا يلقى ما لقيه صاحبه الحلاج حيث قال: (أنا والحلاج شيء واحد، لكنّهم
نسبوني إلى الجنون فنجوتُ، ونسبوا الحسين -أي الحلاج- إلى العقل فهلك)[6]!
وعلي المياحي كباقي العرفاء يعرف هذا السر جيدًا، ويعرف مصير من يصرِّح
به. لذلك يستخدم الحيل والأساليب الملتوية لخداع البسطاء والاستهزاء بعقولهم، كما
يفعل أسلافه المتصوفة.
#طالب_علم
[1] -
الفتوحات الإلهية، ابن عجيبة، ص28.
[2] -
ديوان السهروردي المقتول، الدكتور كامل مصطفى الشيبي، ص72.
[3] -
رسائل ابن عربي، كتاب الأسرى، باب سفر القلب، ص141، وفي طبعة دار الكتب العلمية
ص134، شرح وتحقيق ديوان الحلاج، هاشم عثمان، ص21.
[4] -
الحب في التصوف الإسلامي ابن عربي نموذجًا، يحيى محمد، ص99.
[5] -
ديوان الحلاج بشرح وتحقيق هاشم عثمان، ص12.
[6] -
الروح المجرد، الطهراني، ص445.




