الخميس، 3 سبتمبر 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الحادية والأربعون)

 

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الحادية والأربعون)

 

ماهي المصادر التي اعتمدها علي المياحي؟

 

نسب المياحي الأبيات إلى الإمام زين العابدين عليه السلام على نحو الجزم في لقائه على القناة الرابعة العراقية وفي كتبه ومحاضراته، مما أثار اعتراض بعض العلماء عليه. فاضطر أن ينشر مصادر اعتماده على قناته في التلغرام تحت عنوان: (تنويه بسيط) لكنه خفف العبارة فقال: (تُنسب هذه الأبيات لمولانا زين العابدين...) ثم ذكر الأبيات![1]


وهذا تلبيس، لأنه كان يرويها على نحو "القطع واليقين" ثم لمَّا اعترضوا عليه قال: "تُنسب"!

 

أما مصادره التي ذكرها، فهي:

أولا: مصادر عامية صوفية: ذكر تفسير روح المعاني للآلوسي و ينابيع المودة للقندوزي الحنفي وهما من متصوفة العامة![2]

أما الآلوسي فقد علق على الأبيات ذاكرا أنَّ المقصود من الأسرار التي يجب كتمها هي عقيدتهم وحدة الوجود[3]، ونقل عن المتصوفة أن الإمام عليه السلام عنى بقوله: (جوهر علم لو أبوح به لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا) علم وحدة الوجود إذ الوثن مظهر للذات الإلهية فليس في الدار غيره ديار![4]

وأما القندوزي فهو صوفي من العيار الثقيل على منهج ابن عربي.[5]

فالآلوسي ذكر الأبيات للتبرير لعقيدتهم "وحدة الوجود والموجود" وألصقها بالإمام سلام الله عليه لكسب الشرعية، والقندوزي صوفي على منهج ابن عربي.

فكيف يعتمد المياحي على مثل هؤلاء إن لم يكن منهم؟!

 

ثانيًا: كتب شيعية متأخرة مرسلة بلا سند: وأما الكتب الشيعية التي ذكرها المياحي كمصادر لإثبات نسبة الأبيات للإمام السجاد عليه السلام فهي ليست من المصادر المعتمدة في نقل الروايات والآثار، ومؤلفي هذه الكتب من متأخري المتأخرين أو المعاصرين، حيث نقلوا الأبيات مرسلة بلا سند وبدون تدقيق كما تقدم بيانه.

فأما كتاب "شذرات من فلسفة تاريخ الإمام الحسين عليه السلام" للسيد محمد صادق الصدر -وهو معاصر- فقد صرَّح المؤلف في كتابه أنه نقل الأبيات من مصادر العامة حيث قال:(وقد وجدت في بعض كتب التراجم من العامة في ذكر السجاد عليه السلام ومناقبه إنه كان حافظًا لأسرار الله تعالى ويستدل على ذلك بقوله عليه السلام...) ثم ذكر الأبيات[6]، وقد أحال في الهامش إلى ينابيع المودة للقندوزي الصوفي، ولكنَّ المياحي أخفى هذه العبارة وقال: (والمصادر والمراجع والكتب التي أشارت إلى أنها للإمام السجاد عليه السلام...)[7] ثم ذكر المصادر بدون تنبيه، وهذا تدليس!



وكذلك صاحب "موسوعة الغدير" حيث نقل الأبيات عن العامة فأحال في الهامش إلى (تفسير الآلوسي، 6ج ص190)[8] ولكن المياحي ذكره كمصدر مستقل!

 


وهكذا صاحب كتاب "حياة الإمام زين العابدين عليه السلام" أحال في الهامش إلى ثلاثة مصادر صوفية والرابع ناقل عنهم[9]، ولكن المياحي ذكره كمصدر مستقل وبدون تنبيه!

 


وأمّا الفيض الكاشاني فإنه نقلها مرسلة في كتبه كغيره بدون تدقيق، بالإضافة إلى كونه من تلامذة ملا صدرا في مدرسته الصوفية المنتمية لابن عربي فلا يُعتمد على نقله في هذا الخصوص.

 

وأمَّا كتاب "مفتاح الفلاح" للشيخ البهائي العاملي، فالناقل للأبيات هو الشارح الخواجوئي وليس المؤلف[10]، ولو راجع الأصل بلا شرح لم يجد لها أثراً![11]!

نعم ذكر الشيخ البهائي بيتين في الكشكول بلا إسناد[12]، والكشكول ذو صبغة صوفية واضحة كما قال الشيخ جهانبخش: (وقد استشهد العلامة الشيخ البهائي في واحدةٍ من مقالات كشكوله ـ ذي الصبغة الصوفية الواضحة ـ ببيتين من الشعر مورد البحث، في معرض الحديث عن مسألتين صوفيتين، وهما: "إنَّ سرَّ الحقيقة ممَّا لا يُمكن أن يُقال"، و"إفشاء سرِّ الربوبية كفرٌ"، مع إسنادهما إلى الإمام زين العابدين عليه السلام)[13].

 

الخلاصة: لا يوجد مصدر واحد بسند متصل يثبت صدور تلك الأبيات عن الإمام زين العابدين عليه السلام، وكل ما اعتمد عليه المياحي إما صوفي على مذهب وحدة الوجود، أو شيعي متأخر ناقل بلا تدقيق عن الصوفية.

بل وقع المياحي في ثلاثة تدليسات:

1- دلس على ابن عجيبة فنسب له أربعة أبيات بترتيب "منهاج العابدين"، بينما ابن عجيبة ذكر ثلاثة فقط بترتيب مختلف.

 

2- دلس في التعبير، فبعد أن كان يجزم بنسبتها للإمام زين العابدين عليه السلام، قال حينما رأى الاعتراض عليه: (تُنسب).

 

3- دلس حينما ذكر مصادر شيعية هي في الأصل ناقلة عن العامة من دون أن ينبِّه لذلك.

 

4- إذا لم يكن نقله عن "مفتاح الفلاح" عن توهُّم فهو تدليس رابع، لأن الأبيات ليست في أصل الكتاب وإنما في حاشية الشارح!

 

#طالب_علم



[2] - راجع قناة الشيخ علي المياحي على التلجرام.

[3] - تفسير روح المعاني، الآلوسي، ج3 ص356، ج6 ص190.

[4] - تفسير روح المعاني، ج15ص125، وفي طبعة أخرى، ج8 ص118.

[5] - راجع مجلة نصوص معاصرة، عدد 42-43، مقال بعنوان" نقد الانتساب لأهل البيت" للشيخ جويا جهانبخش، ص315.

[6] - شذرات من فلسفة تاريخ الحسين عليه السلام، السيد محمد صادق الصدر، ص121 وفي طبعة دار ومكتبة البصائر، ص135.

[7] - راجع قناة الشيخ علي المياحي على التلجرام.

[8] - موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب،ج7 ص52.

[9] - حياة الإمام زين العابدين "عليه السلام" للشيخ باقر شريف القرشي ص122، موسوعة سيرة أهل البيت عليهم السلام، ج15 ص130.

[10] - مفتاح الفلاح للشيخ البهائي العاملي ج1ص76، بتعليق: محمد إسماعيل الخواجوئي، تحقيق: مهدي الرجائي، مؤسسة النشر الإسلامي.

[11] - راجع مفتاح الفلاح للشيخ البهائي، ص12، طبعة دار الأعلمي.

[12] - الكشكول، بهاء الدين العاملي، ج3 ص172.

[13] - مجلة نصوص معاصرة، العدد 42-43، مقال بعنوان" نقد الانتساب لأهل البيت" للشيخ جويا جهانبخش، ص311.

الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الأربعون)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الأربعون)

 

من هو ابن عجيبة الذي جعله المياحي مصدرًا؟

 

اعتمد المياحي على كتاب "إيقاظ الهمم في شرح الحكم" لابن عجيبة كمصدر أساسي للأبيات المنسوبة، ولذلك نقلها عنه في محاضراته وكتبه، وابن عجيبة هو أحمد بن محمد بن عجيبة الحسيني الفاسي (ت 1224هـ)، من كبار مشايخ الصوفية.

 

 أولًا: تصريحه بوحدة الوجود:

ومن تصريحاته في كتابه "إيقاظ الهمم في شرح الحكم" حين شرح فقرة لابن عطاء وهي: "كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء؟" ويعني بذلك الله سبحانه وتعالى فعلَّق ابن عجيبة بقوله: (إذ لا وجود للأشياء مع وجوده ولا ظهور لها مع ظهوره، وعلى تقدير ظهورها فلا وجود لها من ذاتها فلولا ظهوره في الأشياء ما وقع عليها أبصار)[1]!

 

وجاء أيضًا في شرح فقرة لابن عطاء وهي "كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء؟" فعلَّق ابن عجيبة بقوله: (بناء الجر أي تجلى بكل شيء فلا وجود لشيء مع وجوده فكيف يحجبه شيء، والغرض أن لا شيء)[2]!

فابن عجيبة يقرر "وحدة الوجود والموجود" صراحة: (لا وجود لشيء مع وجوده)!

 

 ثانيًا: تبنيه لكفريات الحلاج والبسطامي:

جاء في تعليقه على قول أبي العباس المرسي: "لو كشف عن نور الولي لعبد من دون الله"

فعلَّق ابن عجيبة بقوله: (وثبت عن الشيخ أبي يزيد رضي الله تعالى عنه أنه لما تجلى له هذا النور قال: سبحاني ما أعظم شأني. وقال الحلاج -رضي الله عنه-: أنا أنت بلا شك فسبحانك سبحاني، وتوحيدك توحيدي، وعصيانك عصياني)[3]!

ونقل أبيات الحلاج الكفرية:

سبحان من أظهر ناسوته **** سرَّ سنا لاهوته الثاقب

ثم بدا في خلقه ظاهرًا **** في صورة الآكل والشارب

حتى لقد عاينه خلقه **** كلحظة الحاجب بالحاجب

ثم علَّق بقوله: (وبإِظهار هذا وأمثاله قُتل -رضي الله عنه- فمن لطف الله تعالى ورحمته أن ستر ذلك السر بظهور نقائضه، صونًا لذلك السر أن يظهر لغير أهله، ومن أفشاه لغير أهله قُتل كما فُعل بالحلاج)[4].

فعدَّ قتل الحلاج لطفًا إلهيًّا لحفظ سر وحدة الوجود اعتبارا بما جرى للحلاج، لا أنه كان نكالا لتصريحه بالكفر!

ومع ذلك فقد صرح ابن عجيبة بسر عقيدته في نفس الكتاب فقال: (وهذه الأسرار هي أَسرار الذات...التي تجلَّى الحق بها في مظهر الأكوان)[5]!

 

 ثالثًا: كذبه على أمير المؤمنين عليه السلام:

نسب في نفس الكتاب أبياتًا لأمير المؤمنين عليه السلام وهي من نظم الحلاج قطعًا، قال: (ومما ينسب لسيدنا علي كرم الله وجهه:

رأيت ربِّي بعين قلبي‌ **** فقلت لا شكَّ أنت أنت‌

أنت الذي حزت كل أين‌ **** بحيث لا أين ثمَّ أنت‌

فليس للأين منك أين‌ **** فيعلم الأين أين أنت‌

وليس للوهم فيك وهم‌ **** فيعلم الوهم كيف أنت‌

أحطت علما بكلِّ شي‌ء **** فكلُّ شي‌ء أراه أنت‌

وفي فنائي فنا فنائي‌ **** وفي فنائي وجدت أنت[6]



وهذه الأبيات موجودة في ديوان الحلاج[7]!

 


الخلاصة: ابن عجيبة صوفي يعتقد بوحدة الوجود والموجود ويترحَّم على زنادقة كالحلاج والبسطامي، وينسب شعر الحلاج لأمير المؤمنين عليه السلام (حاشاه)، فكيف يكون نقله حجة وكتابه مصدرًا معتمدًا في نسبة شعرٍ للإمام السجاد عليه السلام؟

 

#طالب_علم

 


[1] - إيقاظ الهمم في شرح الحكم، أحمد بن محمد بن عجيبة، ص79، طبعة دار المعارف.

[2] - إيقاظ الهمم في شرح الحكم، أحمد بن محمد بن عجيبة، ص78.

[3] - إيقاظ الهمم في شرح الحكم، أحمد بن محمد بن عجيبة، ص260

[4] - إيقاظ الهمم في شرح الحكم، أحمد بن محمد بن عجيبة، ص260-261.

[5] - إيقاظ الهمم في شرح الحكم، أحمد بن محمد بن عجيبة، ص72.

[6] - إيقاظ الهمم في شرح الحكم، أحمد بن محمد بن عجيبة، ص84.

[7] - ديوان الحلاج، تحقيق محمد باسل، 123-124.

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة التاسعة والثلاثون)


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة التاسعة والثلاثون)

 

من أين أخذ المياحي الأبيات المنسوبة؟

 

ذكرنا سابقًا أن انتشار نسبة الأبيات للإمام السجاد عليه السلام في بعض مؤلفات الشيعة المتأخرة كان بسبب اعتمادهم على نقل من سبقهم دون تدقيق. ولكن المياحي لم يكتفِ بهم، بل أخذها مباشرة من كتب الصوفية.

قال في مقدمة فيديو شرحه للأبيات: (روى ابن أبي عجيبة عن سيدنا ومولانا الإمام زين العابدين عليه السلام قوله: إني لأكتم من علمي جواهره ... إلخ)[1].

ونقلها عنه في كتبه: "النور الإلهي"[2] و "حقيقة النفس"[3] و"النفس في الشعر الصوفي"[4].

 

والحقيقة التي تكشف التدليس: أن المياحي ذكر الأبيات الأربعة في كتابه "النور الإلهي" مبتدئًا بالبيت الأول: (إني لأكتم...) ثم نسبها لابن عجيبة، وبالرجوع إلى كتاب "إيقاظ الهمم" لابن عجيبة وجدناه ذكر ثلاثة أبيات فقط بترتيب مختلف تمامًا، فقال: (ولله در زین العابدين سيدنا علي بن الحسين بن علي كرم الله وجهه حيث يقول:

يا رب جوهر علم لو أبوح به **** لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا

ولاستحل رجال مسلمون دمي **** يرون أقبح ما يأتونه حسنا

إني لأكتم من علمي جواهره **** كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا)[5].

 


فتبين أن المياحي:

أولًا: زاد بيتًا رابعًا ليس عند ابن عجيبة.

ثانيًا: غيَّر الترتيب، فأخذ ترتيب كتاب "منهاج العابدين" المنسوب للغزالي[6]، ونسبه كذبًا لابن عجيبة.

وهذا تدليس صريح في المصدر.

 

#طالب_علم

 


[1] - راجع اليوتيوب مقطع بعنوان: الشيخ علي المياحي يفسر حكمة الإمام السجاد عليه السلام "إني لأكتم من علمي جواهره"

[2] - النور الإلهي، علي المياحي، ج2 ص477.

[3] - حقيقة النفس، علي المياحي، 144-145.

[4] - النفس في الشعر الصوفي، علي المياحي، ص138-139.

[5] - إيقاظ الهمم في شرح الحكم، أحمد بن محمد بن عجيبة، ص188، طبعة دار المعارف.

[6] - منهاج العابدين، المنسوب للغزالي، بتحقيق محمود مصطفى حلاوي، ص56.

الخميس، 27 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثامنة والثلاثون)

 

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثامنة والثلاثون)

 

من أدخل الأبيات المشبوهة إلى الداخل الشيعي؟

 

إنّ أوَّل من نقل هذه الأبيات إلى الداخل الشيعي هو حيدر الآملي في تفسيره المحيط الأعظم[1]، وكتابه شرح فصوص الحكم[2]، وقد نقل الأبيات بالنص عن كتاب الفتوحات المكية لابن عربي[3]، ولأن الآملي يرى ابن عربي وليًّا من أولياء الله تعالى ولا يقول إلا الواقع وصدور الكذب منه مستحيل، كما عبَّر هو بنفسه[4]، ولذلك نقل الأبيات عنه في كتابه جامع الأسرار[5] أيضًا، ومن هنا انتقلت الأبيات المشبوهة إلى الداخل الشيعي!

 

فمن هو حيدر آملي؟ وهل يصح الأخذ عنه والاعتماد عليه؟

 

الجواب: هو حيدر بن علي بن حيدر العلوي الحسيني الآملي الصوفي المُتوفَّى في القرن الثامن الهجري ولا يعلم سنة وفاته بدقة حيث انقطعت أخباره بعد العام 782هـ.

يقول المطهري عند ترجمته: (السيد حيدر الآملي وهو من محققي العرفاء، له كتاب بعنوان "جامع الأسرار" وهو من الكتب الدقيقة في العرفان النظري الذي شاده ابن عربي)[6]!

 

ويقول الدكتور خنجر علي حمية عن عقيدة حيدر الآملي: (والآملي كما هو الحال مع ابن عربي شديد الحماس لفكرة وحدة الوجود ... وهو شأنه شأن المنتمين إلى تيار وحدة الوجود، يرى أن الوجود واحد لا كثرة فيه ولا تعدد، وهو الوجود الحق الواجب ... وهو الحقيقة التي لا ثاني لها ولا شيء يشبهها، والتي تتصف وحدها بالوجود على نحو الحقيقة، وما سواها وهم لا حقيقة له ولا وجود، لا في خارج ولا في ذهن)[7]!

 

فحيدر الآملي صوفيٌّ متلبس بلباس التشيع، ومن المعتقدين بوحدة الوجود ومن المتعصبين المغالين في التصوُّف، لذلك قال عنه صاحب الرياض: (كان من أفاضل علماء الصوفية، وكان إمامي المذهب... غاليًا في التصوُّف)[8]!

وقد استغرب صاحب الرياض مدح الآملي للحسن البصري حيث عدَّه من تلامذة أمير المؤمنين عليه السلام[9]!

وعلّق على كتاب الآملي بقوله: (وله كتاب جامع الأسرار، وقد جمع فيه بين الأقوال المتعارضة المتضادة المناقضة للشريعة الحقَّة، وفيه فوائد نافعة وحشوٌ كثير من مطالب الصوفية ضائعة)[10]!

 

وكان تأليف حيدر آملي كتاب جامع الأسرار بغرض تحويل الشيعة إلى صوفية حيث قال: (إن هذا الكتاب مشتمل على أعظم أقوال الصوفية والشيعة ومعارضاتهم ومجادلاتهم وأقوال علماء الظاهر أيضاً -أي الفقهاء- وأقوال الأنبياء والأولياء عليهم السلام كذلك، وكان الغرض من ذلك أن يصير الشيعة صوفية والصوفية شيعة)[11]!

 

ولهذا قال السيد محسن الأمين العاملي في أعيان الشيعة عند ترجمة حيدر آملي: (طريقة التصوُّف إن خرجت عن مجرد الزهد في الدنيا والتفكر في عجائب قدرة الله تعالى فهي من تسويلات الشيطان، وهذا السيد -أي حيدر آملي- حاول كما سمعت تطبيق شطح الصوفية وأقوالهم المعارضة المناقضة للشرع على ظاهر الشريعة، وما الذي يدعو إلى ذلك؟ وما الفائدة منه؟ وهل نزلت فيهم آية أو وردت فيهم رواية تقدسهم حتى نحتاج إلى تطبيق أقوالهم على ظاهر الشرع؟ وهل جاء التصوف في الشريعة الإسلامية وأمر به صحابي وإمام بشكله الذي ظهر في الإسلام؟ كلا وألف كلا) ثم أضاف: (ومن أدلة غلوه في التصوف شرحه لفصوص محيي الدين)[12]!

 


بل بلغ به الغلو أنه زعم أن الله أمره بشرح الفصوص فقال: (أمرني الحق تعالى بشرح فصوص الحكم الذي هو منسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعطاه للشيخ الأعظم محيي الدين الأعرابي [كذا] قدس الله سره في النوم وقال له: أوصله إلى عباد الله، المستحقِّين المستعدِّين)[13]!

 

والأعظم من ذلك أنه ساوى بين القرآن الكريم وفصوص الحكم –والعياذ بالله- حيث قال: (كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كتابان، النازل عليه والصادر منه. أما الكتاب النازل فالقرآن، وأما الكتاب الصادر فالفصوص، وبيَّنَّا أنهما عديما المثال والنظير وانحصار نوعيهما في شخصيهما. أما الشيخ الأعظم –يقصد ابن عربي- فقد بينا أيضًا أنَّ له كتابين: الواصل إليه والصادر منه، وأما الكتاب الواصل إليه -من النبي- فالفصوص، وأما الكتاب الصادر منه فالفتوحات، وبينا أنهما عديما المثال والنظير في نوعيهما وانحصار نوعيهما في شخصيهما)[14]!

 

ومن جانب آخر كان الآملي يعرض عقيدته الصوفية بشكل صريح وواضح ويجيز تصريحات الحلاج والبسطامي الكفرية ويعتبرها صحيحة فقد قال: (الفرق بين صوم أهل الطريقة وصوم أهل الحقيقة، أنَّ الأول سبب لتهذيب الأخلاق والاتصاف بصفات الحق، لقوله: "تخلَّقوا بأخلاق الله" والثاني سبب لفناء العبد وبقاءه بالحق في مقام التوحيد الصرف المُعبَّر عنه بالفناء في التوحيد المُشار إليه في قول العارف: "أنا الحق، سبحاني ما أعظم شأني" وقد ضربنا في هذا قبل ذلك مثالًا لطيفًا لئلا يتوهم الجاهل في كلام هؤلاء القوم -أي المتصوفة- ما ليس له تحقيق وهو أنهم قالوا: نفرض هناك نارًا موصوفة بالضوء والإحراق والحرارة والإنضاج وغير ذلك، ونفرض بإزائها فحمًا موصوفًا بالظلمة والكدورة وعدم الحرارة والإنضاج، ثم نفرض أنه حصل لهذا الفحم قربًا إلى تلك النار بالتدريج واتصف بجميع صفاتها فصار نارًا وحصل منه ما حصل من النار، بل صار هو هي، أفلا يجوز له أن يقول أنا النار؟ كما قال العارف -أي الحلَّاج- أنا الحق؟ ومعلوم أنه يجوز لأنه صادق في قوله وفيه قيل: أنا من أهوى ومن أهوى أنا)! ثم أضاف: (وهاهنا أسرار لا يجوز إفشاؤها أكثر من هذا)[15]!

اعترف الآملي هنا بكشف جزء من السِّر ويعتذر عن إفشاء الباقي لعدم جواز إظهاره! ولا ندري ماذا يريد أن يقول أكثر من التصريح بقوله "أنا الحق" و"سبحاني ما أعظم شأني" والتبرير لمن صرح بها؟!

 

ويقول الآملي في كتابه جامع الأسرار: (الدين الحقيقي والإسلام اليقيني والتوحيد الذاتي الجمعي هو الذي يكون خالصًا من الشركين -أي الجلي والخفي- عن مشاهدة الغير في الوجود مطلقًا، ظاهرًا كان أو باطنًا، ذِهنًا كان أو خارجًا، بحيث لا يشاهد معه غيره، أي لا يشاهد مع الحق غير الحق، ويكون عنده الشاهد والمشهود، والعارف والمعروف، عينًا واحدة وحقيقة واحدة، كما قال العارف بذلك:

أأنت أم أنَا هذا العينُ في العينِ؟!*** حاشاي حاشاي من إثباتِ إثنينِ

وقال آخر: "أنا من أهوى ومن أهوى أنا" وقال أيضًا: "سبحاني سبحاني ما أعظم شأني" وقال غيره: "ليس في الوجود سوى الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، فالكل هو وبه ومنه وإليه" وأمثال ذلك كثيرة). ثم قال: (هذا آخر التوحيد الذاتي وشهود الوجود الحقيقي رزقنا الله تعالى الوصول إلى هذا المقام بمحمد وآله الكرام)[16]!

فهنا لم يمدح الآملي مقام الحلَّاج فحسب، بل طلب من الله وتوسل بمحمد وآله أن يرزقه الوصول إلى مقامه العالي!

 

ولذلك تبرَّأ السيد دلدار علي الهندي صاحب كتاب "الشهاب الثاقب في الرَّدِ على الصوفية" من حيدر الآملي وذمَّه ولم يعتبره من علماء الشيعة الذين يُرجع إليهم ويُعتمد عليهم فقد نقل صاحب كتاب "كشف الحجب والأستار عن أسماء الكتب والأسفار" عن السيد دلدار علي قوله: (جامع الأسرار ومنبع الأنوار لحيدر بن علي العبيدي الحسيني الصوفي كما صرَّح به آية الله في العالمين، أعلى الله ذكره في أعلى عليين في الشهاب الثاقب، وقال: إنه -أي حيدر الآملي- اختار القول بوحدة الوجود وأنا منه بريء، وهو ليس من علمائنا الذين يرجع إليهم ويعتمد عليهم)[17].

 


 الخلاصة: من لم يتورَّع عن أن يدَّعي أنَّ الله أمره بشرح الفصوص، وأنَّ الفصوص كالقرآن، وأنَّ قول "أنا الحق" صحيح، هل سيتورع عن أن ينسب الأبيات المشبوهة إلى الإمام السجاد عليه السلام؟!

والعتب ليس عليه وحده، بل على من يأخذ عنه بعد معرفة حاله.

 

#طالب_علم

 


[1] - تفسير المحيط الأعظم، حيدر آملي، ج1 ص495.

[2] - نص النصوص في شرح الفصوص، حيدر آملي، تحقيق محسن بيدارفر، ج1ص56، ج3ص1264.

[3] - الفتوحات المكية، ابن عربي، ج1 ص200، طبعة دار صادر.

[4] - المقدمات من كتاب نص النصوص، حيدر الآملي، ص105.

[5] - جامع الأسرار، حيدر آملي، ص34-35.

[6] - الكلام والعرفان والحكمة العلمية، المطهري، ص93.

[7] - العرفان الشيعي، د. خنجر علي حمية، ص773، طبعة دار الهادي بيروت.

[8] - رياض العلماء، ج2 ص222.

[9] - رياض العلماء، ج2 ص220.

[10] - رياض العلماء، ج2 ص222.

[11] - جامع الأسرار ومنبع الأنوار، حيدر الآملي، ص544، طبعة دار المحجة البيضاء.

[12] - أعيان الشيعة، ج6 ص272.

[13] - جامع الأسرار، حيدر الآملي، ص 69.

[14] - تفسير المحيط الأعظم، حيدر الآملي، ج1 ص22.

[15] - تفسير المحيط الأعظم، ج4 ص221-222، أسرار الشريعة وأطوار الطريقة وأنوار الحقيقة، ص270-271.

[16] - جامع الأسرار، حيدر آملي، ص198-199، طبعة دار المحجة البيضاء.

[17] - كشف الحجب والأستار عن أسماء الكتب والأسفار، السيد إعجاز الكنتوري، ص151.