#تنزيه_زين_العابدين
(الحلقة الأولى)
ظهر علي المياحي[1] في
مقابلة تلفزيونية على القناة الرابعة العراقية متحدثًا عن العرفان والتصوف، وتطرّق
خلال حديثه إلى موضوع الأسرار الإلهية وضرورة كتمانها ومن بين ما قال: (كشف
أسرار الربوبية كفر وهتك أستار الألوهية زندقة)[2]!
وهذه إحدى العبارات الصوفية المشهورة والتي تكشف عن حرص القوم على كتم سر
عقيدتهم!
وقد ذكر المياحي هذه العبارة تمهيدًا لعرض أبياتٍ صوفية نسبها للإمام زين
العابدين عليه السلام فقال:
إني لَأكتُم من
علمي جواهره **** كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا
وقد تقدم في هذا
أبو حسنٍ **** إلى الحسين ووصّى قبله الحسنا
ورُبّ جوهر علم لو
أبوح به **** لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا
ولَاستحلَّ رجالٌ
مسلمون دمي**** يرون أقبح ما يأتونه حسنا[3]
وكأنّ الميّاحي، في هذا السياق، كرر كلام شارح المثنوي، إبراهيم الدسوقي
شتا، في عباراته حين نقل كلام أمير المؤمنين عليه السلام بعد هذه الأبيات فقال: (اندمجتُ
على مكنون علم لو بُحْتُ به لاضطربتم اضطرابَ الأرْشِيَةِ في الطَّوِيِّ البعيدة)[4] وإن كان
الدسوقي قد أخَّر ذكر الأبيات عن كلام أمير المؤمنين عليه السلام إلا أنه ذكر هذه
العبارة، كما فعل المياحي تبعا له، تبريرًا لأسرار العرفاء الكفرية!
علمًا أنّ كلام أمير المؤمنين عليه السلام جاء ضمن خطبة من خُطبه بعد
استشهاد رسول الله صلى الله عليه وآله ومجيء عمه العباس وأبي سفيان إليه، وقد عرضا
عليه المبايعة بالخلافة، إلا أن أمير المؤمنين عليه السلام رفض عرضهما لانشغاله
بتجهيز جنازة النبي صلى الله عليه وآله، ولعلمه المسبق بما سيحدث بعد ذلك من فتن
حيث قال الشريف الرضي في نهج البلاغة عند ذكر عنوان هذه الخطبة: (ومن خطبة له
عليه السلام لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وخاطبه العباس وأبو سفيان بن
حرب في أن يبايعا له بالخلافة: " أَيُّهَا النَّاسُ شُقُّوا أَمْوَاجَ
الْفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ وَعَرِّجُوا عَنْ طَرِيقِ الْمُنَافَرَةِ وَضَعُوا
تِيجَانَ الْمُفَاخَرَةِ أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ أَوِ اسْتَسْلَمَ
فَأَرَاحَ هَذَا مَاءٌ آجِنٌ وَلُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا وَمُجْتَنِي
الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كَالزَّارِعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ، فَإِنْ
أَقُلْ يَقُولُوا حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ وَإِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا جَزِعَ مِنَ
الْمَوْتِ هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي وَاللَّهِ لَابْنُ أَبِي
طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ بَلِ انْدَمَجْتُ
عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لَاضْطَرَبْتُمْ اضْطِرَابَ الْأَرْشِيَةِ
فِي الطَّوِيِّ الْبَعِيدَةِ ")[5].
فسكوت الإمام عليه السلام عن كشف هذه العلوم في قوله: "اندمجتُ
على مكنون علم..." كان سياسة علويةً حكيمة لدرء الفتن وتجنب الاضطراب بين
الناس، فكشفُها في تلك المرحلة كان سيؤدي إلى الفوضى والضلال بدل الهداية. وفي
كلمته إشارة إلى علمه بالفتن التي ستحدث، وكيف أن النهوض في وجهها قد لا يكون
مُجدِيًا، مع قلة الناصر، فكان السكوت لحكمة إلهية التزمها أمير المؤمنين عليه
السلام.
فكما تلاحظ أخي القارئ لا لشأن لعبارة أمير المؤمنين عليه السلام
بالأسرار الصوفية لا من قريب ولا من بعيد، ولكن العرفاء يبترون النصوص الدينية ثم
يستدلون بالمقطع المبتور لإثبات عقيدتهم على طريقة استدلال منكر الصلاة بقوله: {فَوَيْلٌ
لِلْمُصَلِّينَ}[6] وقد استخدموا عبارة أمير
المؤمنين عليه السلام بهدف أَسْلَمَةِ الأبيات الصوفية وإدخالها في الدين من باب
التأويل لكي يقولوا بتوافقها مع النص في كتمان الأسرار، ثم إلصاقها بالأئمة -عليهم
السلام- كذبًا وزورًا لإضفاء الشرعية على تلك الأبيات المشبوهة!
وسيأتي توضيح ذلك بالتفصيل في الحلقات القادمة.
#طالب_علم
[1] -
هو أحد مروجي الأفكار الصوفية والداعي لها بأساليب خبيثة ماكرة، كتأويل الآيات
والروايات بما يوافق عقيدتهم الباطلة، وقد نسب في محاضراته مقولات صوفية للمعصومين
عليهم السلام.
[2] -
جامع الأسرار ومنبع الأنوار، حيدر آملي، ص20، بلفظ (إفشاء سر الربوبية كفر...الخ).
[3] -
راجع اليوتيوب، قصتي مع علي صادق، ضيف الحلقة الشيخ علي المياحي، الدقيقة 49.
[4] -
مثنوي، جلال الدين الرومي، شرح إبراهيم الدسوقي شتا، ج5 ص536.
[5] -
نهج البلاغة، خطب أمير المؤمنين عليه السلام، ج1 ص40.
[6] -
سورة الماعون: آية 4.