#تنزيه_زين_العابدين
(الحلقة الثامنة
والثلاثون)
من أدخل الأبيات
المشبوهة إلى الداخل الشيعي؟
إنّ أوَّل من نقل هذه الأبيات إلى الداخل الشيعي هو حيدر الآملي في
تفسيره المحيط الأعظم[1]، وكتابه
شرح فصوص الحكم[2]، وقد نقل الأبيات بالنص عن
كتاب الفتوحات المكية لابن عربي[3]، ولأن
الآملي يرى ابن عربي وليًّا من أولياء الله تعالى ولا يقول إلا الواقع وصدور الكذب
منه مستحيل، كما عبَّر هو بنفسه[4]، ولذلك
نقل الأبيات عنه في كتابه جامع الأسرار[5] أيضًا،
ومن هنا انتقلت الأبيات المشبوهة إلى الداخل الشيعي!
فمن هو حيدر آملي؟ وهل يصح الأخذ عنه والاعتماد
عليه؟
الجواب: هو حيدر بن علي بن
حيدر العلوي الحسيني الآملي الصوفي المُتوفَّى في القرن الثامن الهجري ولا يعلم
سنة وفاته بدقة حيث انقطعت أخباره بعد العام 782هـ.
يقول المطهري عند ترجمته: (السيد حيدر الآملي وهو من محققي العرفاء،
له كتاب بعنوان "جامع الأسرار" وهو من الكتب الدقيقة في العرفان النظري
الذي شاده ابن عربي)[6]!
ويقول الدكتور خنجر علي حمية عن عقيدة حيدر الآملي: (والآملي كما هو
الحال مع ابن عربي شديد الحماس لفكرة وحدة الوجود ... وهو شأنه شأن المنتمين إلى
تيار وحدة الوجود، يرى أن الوجود واحد لا كثرة فيه ولا تعدد، وهو الوجود الحق
الواجب ... وهو الحقيقة التي لا ثاني لها ولا شيء يشبهها، والتي تتصف وحدها
بالوجود على نحو الحقيقة، وما سواها وهم لا حقيقة له ولا وجود، لا في خارج ولا في
ذهن)[7]!
فحيدر الآملي صوفيٌّ متلبس بلباس التشيع، ومن المعتقدين بوحدة الوجود ومن
المتعصبين المغالين في التصوُّف، لذلك قال عنه صاحب الرياض: (كان من أفاضل
علماء الصوفية، وكان إمامي المذهب... غاليًا في التصوُّف)[8]!
وقد استغرب صاحب الرياض مدح الآملي للحسن البصري حيث عدَّه من تلامذة
أمير المؤمنين عليه السلام[9]!
وعلّق على كتاب الآملي بقوله: (وله كتاب جامع الأسرار، وقد جمع فيه
بين الأقوال المتعارضة المتضادة المناقضة للشريعة الحقَّة، وفيه فوائد نافعة وحشوٌ
كثير من مطالب الصوفية ضائعة)[10]!
وكان تأليف حيدر آملي كتاب جامع الأسرار بغرض تحويل الشيعة إلى صوفية حيث
قال: (إن هذا الكتاب مشتمل على أعظم أقوال الصوفية والشيعة ومعارضاتهم
ومجادلاتهم وأقوال علماء الظاهر أيضاً -أي الفقهاء- وأقوال الأنبياء والأولياء
عليهم السلام كذلك، وكان الغرض من ذلك أن يصير الشيعة صوفية والصوفية شيعة)[11]!
ولهذا قال السيد محسن الأمين العاملي في أعيان الشيعة عند ترجمة حيدر
آملي: (طريقة التصوُّف إن خرجت عن مجرد الزهد في الدنيا والتفكر في عجائب قدرة
الله تعالى فهي من تسويلات الشيطان، وهذا السيد -أي حيدر آملي- حاول كما سمعت
تطبيق شطح الصوفية وأقوالهم المعارضة المناقضة للشرع على ظاهر الشريعة، وما الذي
يدعو إلى ذلك؟ وما الفائدة منه؟ وهل نزلت فيهم آية أو وردت فيهم رواية تقدسهم حتى
نحتاج إلى تطبيق أقوالهم على ظاهر الشرع؟ وهل جاء التصوف في الشريعة الإسلامية
وأمر به صحابي وإمام بشكله الذي ظهر في الإسلام؟ كلا وألف كلا) ثم أضاف: (ومن
أدلة غلوه في التصوف شرحه لفصوص محيي الدين)[12]!
بل بلغ به الغلو أنه زعم أن الله أمره بشرح الفصوص فقال: (أمرني الحق
تعالى بشرح فصوص الحكم الذي هو منسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
وأعطاه للشيخ الأعظم محيي الدين الأعرابي [كذا] قدس الله سره في النوم وقال له:
أوصله إلى عباد الله، المستحقِّين المستعدِّين)[13]!
والأعظم من ذلك أنه ساوى بين القرآن الكريم وفصوص الحكم –والعياذ بالله-
حيث قال: (كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كتابان، النازل عليه والصادر منه.
أما الكتاب النازل فالقرآن، وأما الكتاب الصادر فالفصوص، وبيَّنَّا أنهما عديما
المثال والنظير وانحصار نوعيهما في شخصيهما. أما الشيخ الأعظم –يقصد ابن عربي- فقد
بينا أيضًا أنَّ له كتابين: الواصل إليه والصادر منه، وأما الكتاب الواصل إليه -من
النبي- فالفصوص، وأما الكتاب الصادر منه فالفتوحات، وبينا أنهما عديما المثال
والنظير في نوعيهما وانحصار نوعيهما في شخصيهما)[14]!
ومن جانب آخر كان الآملي يعرض عقيدته الصوفية بشكل صريح وواضح ويجيز
تصريحات الحلاج والبسطامي الكفرية ويعتبرها صحيحة فقد قال: (الفرق بين صوم أهل
الطريقة وصوم أهل الحقيقة، أنَّ الأول سبب لتهذيب الأخلاق والاتصاف بصفات الحق،
لقوله: "تخلَّقوا بأخلاق الله" والثاني سبب لفناء العبد وبقاءه بالحق في
مقام التوحيد الصرف المُعبَّر عنه بالفناء في التوحيد المُشار إليه في قول العارف:
"أنا الحق، سبحاني ما أعظم شأني" وقد ضربنا في هذا قبل ذلك مثالًا
لطيفًا لئلا يتوهم الجاهل في كلام هؤلاء القوم -أي المتصوفة- ما ليس له تحقيق وهو
أنهم قالوا: نفرض هناك نارًا موصوفة بالضوء والإحراق والحرارة والإنضاج وغير ذلك،
ونفرض بإزائها فحمًا موصوفًا بالظلمة والكدورة وعدم الحرارة والإنضاج، ثم نفرض أنه
حصل لهذا الفحم قربًا إلى تلك النار بالتدريج واتصف بجميع صفاتها فصار نارًا وحصل
منه ما حصل من النار، بل صار هو هي، أفلا يجوز له أن يقول أنا النار؟ كما قال
العارف -أي الحلَّاج- أنا الحق؟ ومعلوم أنه يجوز لأنه صادق في قوله وفيه قيل: أنا
من أهوى ومن أهوى أنا)! ثم أضاف: (وهاهنا أسرار لا يجوز إفشاؤها أكثر من هذا)[15]!
اعترف الآملي هنا بكشف جزء من السِّر ويعتذر عن إفشاء الباقي لعدم جواز
إظهاره! ولا ندري ماذا يريد أن يقول أكثر من التصريح بقوله "أنا الحق"
و"سبحاني ما أعظم شأني" والتبرير لمن صرح بها؟!
ويقول الآملي في كتابه جامع الأسرار: (الدين الحقيقي والإسلام اليقيني
والتوحيد الذاتي الجمعي هو الذي يكون خالصًا من الشركين -أي الجلي والخفي- عن
مشاهدة الغير في الوجود مطلقًا، ظاهرًا كان أو باطنًا، ذِهنًا كان أو خارجًا، بحيث
لا يشاهد معه غيره، أي لا يشاهد مع الحق غير الحق، ويكون عنده الشاهد والمشهود،
والعارف والمعروف، عينًا واحدة وحقيقة واحدة، كما قال العارف بذلك:
أأنت أم أنَا هذا العينُ في العينِ؟!*** حاشاي
حاشاي من إثباتِ إثنينِ
وقال آخر: "أنا من أهوى ومن أهوى أنا"
وقال أيضًا: "سبحاني سبحاني ما أعظم شأني" وقال غيره: "ليس في
الوجود سوى الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، فالكل هو وبه ومنه وإليه"
وأمثال ذلك كثيرة). ثم قال: (هذا آخر التوحيد الذاتي وشهود الوجود الحقيقي رزقنا
الله تعالى الوصول إلى هذا المقام بمحمد وآله الكرام)[16]!
فهنا لم يمدح الآملي مقام الحلَّاج فحسب، بل طلب من الله وتوسل بمحمد
وآله أن يرزقه الوصول إلى مقامه العالي!
ولذلك تبرَّأ السيد دلدار علي الهندي صاحب كتاب "الشهاب الثاقب
في الرَّدِ على الصوفية" من حيدر الآملي وذمَّه ولم يعتبره من علماء
الشيعة الذين يُرجع إليهم ويُعتمد عليهم فقد نقل صاحب كتاب "كشف الحجب
والأستار عن أسماء الكتب والأسفار" عن السيد دلدار علي قوله: (جامع
الأسرار ومنبع الأنوار لحيدر بن علي العبيدي الحسيني الصوفي كما صرَّح به آية الله
في العالمين، أعلى الله ذكره في أعلى عليين في الشهاب الثاقب، وقال: إنه -أي حيدر
الآملي- اختار القول بوحدة الوجود وأنا منه بريء، وهو ليس من علمائنا الذين يرجع
إليهم ويعتمد عليهم)[17].
الخلاصة: من لم يتورَّع
عن أن يدَّعي أنَّ الله أمره بشرح الفصوص، وأنَّ الفصوص كالقرآن، وأنَّ قول "أنا
الحق" صحيح، هل سيتورع عن أن ينسب الأبيات المشبوهة إلى الإمام السجاد
عليه السلام؟!
والعتب ليس عليه وحده، بل على من يأخذ عنه بعد معرفة حاله.
#طالب_علم
[1] -
تفسير المحيط الأعظم، حيدر آملي، ج1 ص495.
[2] -
نص النصوص في شرح الفصوص، حيدر آملي، تحقيق محسن بيدارفر، ج1ص56، ج3ص1264.
[3] -
الفتوحات المكية، ابن عربي، ج1 ص200، طبعة دار صادر.
[4] -
المقدمات من كتاب نص النصوص، حيدر الآملي، ص105.
[5] -
جامع الأسرار، حيدر آملي، ص34-35.
[6] -
الكلام والعرفان والحكمة العلمية، المطهري، ص93.
[7] -
العرفان الشيعي، د. خنجر علي حمية، ص773، طبعة دار الهادي بيروت.
[8] -
رياض العلماء، ج2 ص222.
[9] -
رياض العلماء، ج2 ص220.
[10] -
رياض العلماء، ج2 ص222.
[11] -
جامع الأسرار ومنبع الأنوار، حيدر الآملي، ص544، طبعة دار المحجة البيضاء.
[12] -
أعيان الشيعة، ج6 ص272.
[13] -
جامع الأسرار، حيدر الآملي، ص 69.
[14] -
تفسير المحيط الأعظم، حيدر الآملي، ج1 ص22.
[15] -
تفسير المحيط الأعظم، ج4 ص221-222، أسرار الشريعة وأطوار الطريقة وأنوار الحقيقة،
ص270-271.
[16] -
جامع الأسرار، حيدر آملي، ص198-199، طبعة دار المحجة البيضاء.
[17] -
كشف الحجب والأستار عن أسماء الكتب والأسفار، السيد إعجاز الكنتوري، ص151.








