الخميس، 27 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثامنة والثلاثون)

 

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثامنة والثلاثون)

 

من أدخل الأبيات المشبوهة إلى الداخل الشيعي؟

 

إنّ أوَّل من نقل هذه الأبيات إلى الداخل الشيعي هو حيدر الآملي في تفسيره المحيط الأعظم[1]، وكتابه شرح فصوص الحكم[2]، وقد نقل الأبيات بالنص عن كتاب الفتوحات المكية لابن عربي[3]، ولأن الآملي يرى ابن عربي وليًّا من أولياء الله تعالى ولا يقول إلا الواقع وصدور الكذب منه مستحيل، كما عبَّر هو بنفسه[4]، ولذلك نقل الأبيات عنه في كتابه جامع الأسرار[5] أيضًا، ومن هنا انتقلت الأبيات المشبوهة إلى الداخل الشيعي!

 

فمن هو حيدر آملي؟ وهل يصح الأخذ عنه والاعتماد عليه؟

 

الجواب: هو حيدر بن علي بن حيدر العلوي الحسيني الآملي الصوفي المُتوفَّى في القرن الثامن الهجري ولا يعلم سنة وفاته بدقة حيث انقطعت أخباره بعد العام 782هـ.

يقول المطهري عند ترجمته: (السيد حيدر الآملي وهو من محققي العرفاء، له كتاب بعنوان "جامع الأسرار" وهو من الكتب الدقيقة في العرفان النظري الذي شاده ابن عربي)[6]!

 

ويقول الدكتور خنجر علي حمية عن عقيدة حيدر الآملي: (والآملي كما هو الحال مع ابن عربي شديد الحماس لفكرة وحدة الوجود ... وهو شأنه شأن المنتمين إلى تيار وحدة الوجود، يرى أن الوجود واحد لا كثرة فيه ولا تعدد، وهو الوجود الحق الواجب ... وهو الحقيقة التي لا ثاني لها ولا شيء يشبهها، والتي تتصف وحدها بالوجود على نحو الحقيقة، وما سواها وهم لا حقيقة له ولا وجود، لا في خارج ولا في ذهن)[7]!

 

فحيدر الآملي صوفيٌّ متلبس بلباس التشيع، ومن المعتقدين بوحدة الوجود ومن المتعصبين المغالين في التصوُّف، لذلك قال عنه صاحب الرياض: (كان من أفاضل علماء الصوفية، وكان إمامي المذهب... غاليًا في التصوُّف)[8]!

وقد استغرب صاحب الرياض مدح الآملي للحسن البصري حيث عدَّه من تلامذة أمير المؤمنين عليه السلام[9]!

وعلّق على كتاب الآملي بقوله: (وله كتاب جامع الأسرار، وقد جمع فيه بين الأقوال المتعارضة المتضادة المناقضة للشريعة الحقَّة، وفيه فوائد نافعة وحشوٌ كثير من مطالب الصوفية ضائعة)[10]!

 

وكان تأليف حيدر آملي كتاب جامع الأسرار بغرض تحويل الشيعة إلى صوفية حيث قال: (إن هذا الكتاب مشتمل على أعظم أقوال الصوفية والشيعة ومعارضاتهم ومجادلاتهم وأقوال علماء الظاهر أيضاً -أي الفقهاء- وأقوال الأنبياء والأولياء عليهم السلام كذلك، وكان الغرض من ذلك أن يصير الشيعة صوفية والصوفية شيعة)[11]!

 

ولهذا قال السيد محسن الأمين العاملي في أعيان الشيعة عند ترجمة حيدر آملي: (طريقة التصوُّف إن خرجت عن مجرد الزهد في الدنيا والتفكر في عجائب قدرة الله تعالى فهي من تسويلات الشيطان، وهذا السيد -أي حيدر آملي- حاول كما سمعت تطبيق شطح الصوفية وأقوالهم المعارضة المناقضة للشرع على ظاهر الشريعة، وما الذي يدعو إلى ذلك؟ وما الفائدة منه؟ وهل نزلت فيهم آية أو وردت فيهم رواية تقدسهم حتى نحتاج إلى تطبيق أقوالهم على ظاهر الشرع؟ وهل جاء التصوف في الشريعة الإسلامية وأمر به صحابي وإمام بشكله الذي ظهر في الإسلام؟ كلا وألف كلا) ثم أضاف: (ومن أدلة غلوه في التصوف شرحه لفصوص محيي الدين)[12]!

 


بل بلغ به الغلو أنه زعم أن الله أمره بشرح الفصوص فقال: (أمرني الحق تعالى بشرح فصوص الحكم الذي هو منسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعطاه للشيخ الأعظم محيي الدين الأعرابي [كذا] قدس الله سره في النوم وقال له: أوصله إلى عباد الله، المستحقِّين المستعدِّين)[13]!

 

والأعظم من ذلك أنه ساوى بين القرآن الكريم وفصوص الحكم –والعياذ بالله- حيث قال: (كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كتابان، النازل عليه والصادر منه. أما الكتاب النازل فالقرآن، وأما الكتاب الصادر فالفصوص، وبيَّنَّا أنهما عديما المثال والنظير وانحصار نوعيهما في شخصيهما. أما الشيخ الأعظم –يقصد ابن عربي- فقد بينا أيضًا أنَّ له كتابين: الواصل إليه والصادر منه، وأما الكتاب الواصل إليه -من النبي- فالفصوص، وأما الكتاب الصادر منه فالفتوحات، وبينا أنهما عديما المثال والنظير في نوعيهما وانحصار نوعيهما في شخصيهما)[14]!

 

ومن جانب آخر كان الآملي يعرض عقيدته الصوفية بشكل صريح وواضح ويجيز تصريحات الحلاج والبسطامي الكفرية ويعتبرها صحيحة فقد قال: (الفرق بين صوم أهل الطريقة وصوم أهل الحقيقة، أنَّ الأول سبب لتهذيب الأخلاق والاتصاف بصفات الحق، لقوله: "تخلَّقوا بأخلاق الله" والثاني سبب لفناء العبد وبقاءه بالحق في مقام التوحيد الصرف المُعبَّر عنه بالفناء في التوحيد المُشار إليه في قول العارف: "أنا الحق، سبحاني ما أعظم شأني" وقد ضربنا في هذا قبل ذلك مثالًا لطيفًا لئلا يتوهم الجاهل في كلام هؤلاء القوم -أي المتصوفة- ما ليس له تحقيق وهو أنهم قالوا: نفرض هناك نارًا موصوفة بالضوء والإحراق والحرارة والإنضاج وغير ذلك، ونفرض بإزائها فحمًا موصوفًا بالظلمة والكدورة وعدم الحرارة والإنضاج، ثم نفرض أنه حصل لهذا الفحم قربًا إلى تلك النار بالتدريج واتصف بجميع صفاتها فصار نارًا وحصل منه ما حصل من النار، بل صار هو هي، أفلا يجوز له أن يقول أنا النار؟ كما قال العارف -أي الحلَّاج- أنا الحق؟ ومعلوم أنه يجوز لأنه صادق في قوله وفيه قيل: أنا من أهوى ومن أهوى أنا)! ثم أضاف: (وهاهنا أسرار لا يجوز إفشاؤها أكثر من هذا)[15]!

اعترف الآملي هنا بكشف جزء من السِّر ويعتذر عن إفشاء الباقي لعدم جواز إظهاره! ولا ندري ماذا يريد أن يقول أكثر من التصريح بقوله "أنا الحق" و"سبحاني ما أعظم شأني" والتبرير لمن صرح بها؟!

 

ويقول الآملي في كتابه جامع الأسرار: (الدين الحقيقي والإسلام اليقيني والتوحيد الذاتي الجمعي هو الذي يكون خالصًا من الشركين -أي الجلي والخفي- عن مشاهدة الغير في الوجود مطلقًا، ظاهرًا كان أو باطنًا، ذِهنًا كان أو خارجًا، بحيث لا يشاهد معه غيره، أي لا يشاهد مع الحق غير الحق، ويكون عنده الشاهد والمشهود، والعارف والمعروف، عينًا واحدة وحقيقة واحدة، كما قال العارف بذلك:

أأنت أم أنَا هذا العينُ في العينِ؟!*** حاشاي حاشاي من إثباتِ إثنينِ

وقال آخر: "أنا من أهوى ومن أهوى أنا" وقال أيضًا: "سبحاني سبحاني ما أعظم شأني" وقال غيره: "ليس في الوجود سوى الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، فالكل هو وبه ومنه وإليه" وأمثال ذلك كثيرة). ثم قال: (هذا آخر التوحيد الذاتي وشهود الوجود الحقيقي رزقنا الله تعالى الوصول إلى هذا المقام بمحمد وآله الكرام)[16]!

فهنا لم يمدح الآملي مقام الحلَّاج فحسب، بل طلب من الله وتوسل بمحمد وآله أن يرزقه الوصول إلى مقامه العالي!

 

ولذلك تبرَّأ السيد دلدار علي الهندي صاحب كتاب "الشهاب الثاقب في الرَّدِ على الصوفية" من حيدر الآملي وذمَّه ولم يعتبره من علماء الشيعة الذين يُرجع إليهم ويُعتمد عليهم فقد نقل صاحب كتاب "كشف الحجب والأستار عن أسماء الكتب والأسفار" عن السيد دلدار علي قوله: (جامع الأسرار ومنبع الأنوار لحيدر بن علي العبيدي الحسيني الصوفي كما صرَّح به آية الله في العالمين، أعلى الله ذكره في أعلى عليين في الشهاب الثاقب، وقال: إنه -أي حيدر الآملي- اختار القول بوحدة الوجود وأنا منه بريء، وهو ليس من علمائنا الذين يرجع إليهم ويعتمد عليهم)[17].

 


 الخلاصة: من لم يتورَّع عن أن يدَّعي أنَّ الله أمره بشرح الفصوص، وأنَّ الفصوص كالقرآن، وأنَّ قول "أنا الحق" صحيح، هل سيتورع عن أن ينسب الأبيات المشبوهة إلى الإمام السجاد عليه السلام؟!

والعتب ليس عليه وحده، بل على من يأخذ عنه بعد معرفة حاله.

 

#طالب_علم

 


[1] - تفسير المحيط الأعظم، حيدر آملي، ج1 ص495.

[2] - نص النصوص في شرح الفصوص، حيدر آملي، تحقيق محسن بيدارفر، ج1ص56، ج3ص1264.

[3] - الفتوحات المكية، ابن عربي، ج1 ص200، طبعة دار صادر.

[4] - المقدمات من كتاب نص النصوص، حيدر الآملي، ص105.

[5] - جامع الأسرار، حيدر آملي، ص34-35.

[6] - الكلام والعرفان والحكمة العلمية، المطهري، ص93.

[7] - العرفان الشيعي، د. خنجر علي حمية، ص773، طبعة دار الهادي بيروت.

[8] - رياض العلماء، ج2 ص222.

[9] - رياض العلماء، ج2 ص220.

[10] - رياض العلماء، ج2 ص222.

[11] - جامع الأسرار ومنبع الأنوار، حيدر الآملي، ص544، طبعة دار المحجة البيضاء.

[12] - أعيان الشيعة، ج6 ص272.

[13] - جامع الأسرار، حيدر الآملي، ص 69.

[14] - تفسير المحيط الأعظم، حيدر الآملي، ج1 ص22.

[15] - تفسير المحيط الأعظم، ج4 ص221-222، أسرار الشريعة وأطوار الطريقة وأنوار الحقيقة، ص270-271.

[16] - جامع الأسرار، حيدر آملي، ص198-199، طبعة دار المحجة البيضاء.

[17] - كشف الحجب والأستار عن أسماء الكتب والأسفار، السيد إعجاز الكنتوري، ص151.

الأربعاء، 26 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة السابعة والثلاثون)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة السابعة والثلاثون)

 

كيف تسرَّبت الأبيات إلى بعض الكتب الشيعية؟

 

تسرَّبت هذه الأبيات المشبوهة إلى الداخل الشيعي مع تسرب التصوُّف إليه في نفس الوقت. فكان المتصوفة الشيعة أول من ذكرها في مصنفاتهم، بعد أن كانت محصورة قبل ذلك في كتب الصوفية من أهل الخلاف.

يقول الشيخ جويا جهانبخش في هذا الصدد: (إن نظرةً عابرة إلى مسوَّدات المصادر القديمة نسبيًّا، والتي تضمَّنت هذه الأبيات الشعرية، تثبت بوضوح أن النصوص الصوفية ـ وهي صوفية سُنيَّة ـ كانت بحَسَب الظاهر عُمْدة المصادر التي نسبت هذه الأبيات إلى الإمام زين العابدين عليه السلام، ونشرها بين أهل القبلة، ولا سيَّما قبل الاختلاط والامتزاج الواسع للفكر الشيعي بالتراث الصوفي في حدود القرنين الثامن والتاسع الهجريَّين. ثم وبعد التأثُّر الواسع بالنسبة إلى الكثير من المؤلِّفين الشيعة بالتصوُّف العامي، وخاصَّة بين أهل التفلسف والعرفان، شهدنا حضورًا متزايدًا لهذه الأبيات ونسبتها إلى الإمام زين العابدين عليه السلام في مؤلَّفات الشيعة)[1]!

 


ويقول الباحث نبيل الكرخي: أول من بلغنا أنَّه قال ذلك من الشيعة المتأثرين بابن عربي وتصوُّفه هو سيد حيدر الآملي (القرن 8هـ)، في كتابه الشهير "جامع الأسرار"، حيث جاء فيه: "والى هذا كله أشار الامام المعصوم زين العابدين عليه السلام في أبيات منسوبة إليه...". وكذلك نقل سيد حيدر الآملي في كتابيه "تفسير المحيط الأعظم"[2] و"المقدمات من كتاب نص النصوص"[3] نص كلام ابن عربي الذي نسب فيه الشعر للإمام السجاد عليه السلام! أيضًا في القرن الثامن الهجري، نجد الشيخ شمس الدين محمد بن محمود آملي، من متصوِّفة الشيعة، ينسب هذا الشعر أيضًا للإمام السجاد عليه السلام في كتابه باللغة الفارسية واسمه "نفائس الفنون في عرائس العيون"[4]! ثم بعده الحافظ رجب البرسي -توفي حوالي أو بعد 813هـ-، وهو أيضًا من المتأثرين بالتصوُّف، ذكره في كتابه "مشارق أنوار اليقين"[5]. ثم بعده الفيض الكاشاني[6] -توفي 1091هـ-، وهو تلميذ ملا صدرا في مدرسته الصوفية التي أطلق عليها اسم "مدرسة الحكمة المتعالية" المنتمية لتراث ابن عربي! حيث ذكر هذه الأبيات في كتابه "الأصول الأصيلة"[7]. ثم بعد ذلك انتشرت نسبة هذه الأبيات في مؤلفات الشيعة كلٌّ يعتمد على نقلِ مَن سبقه دون تدقيق[8]!

 


نعم، بسبب نقل هذه الأبيات المشبوهة من شخصٍ إلى آخر بدون تدقيق وتساهل بعض العلماء للأسف الشديد في نقلها، انتشرت هذه الأبيات في بعض الكتب الشيعية المتأخرة، وقد حاول بعض العلماء تأويلها بحُسن نِيَّة، إلا أنَّ ذلك ساهم في استغلال المُتصوِّفة والغلاة لدعم مناهجهم الباطلة!

 

#طالب_علم

 


[1] - مجلة نصوص معاصرة، العدد 42-43، مقال بعنوان" نقد الانتساب لأهل البيت" للشيخ جويا جهانبخش، ص313.

[2] - تفسير المحيط الأعظم، سيد حيدر الآملي، تحقيق محسن موسوي تبريزي، ج1 ص495. (نبيل الكرخي).

[3] - المقدمات من كتاب نص النصوص، سيد حيدر الآملي، ص41. (نبيل الكرخي).

[4] - نفائس الفنون في عرائس العيون، شمس الدين محمد بن محمود آملي، تحقيق ابو الحسن الشعراني، ج2 ص93. (نبيل الكرخي).

[5] - مشارق أنوار اليقين، الحافظ رجب البرسي، تحقيق السيد علي عاشور، ص 23 و24. (نبيل الكرخي).

[6] - وسبق الفيض الكاشاني ملا صدرا الشيرازي بذكر هذه الأبيات في كتابه مفاتيح الغيب، الفاتحة الثاني عشر، ص102.

[7] - الأصول الأصيلة، الفيض الكاشاني، ص167. (نبيل الكرخي).

[8] - مقال بعنوان: افتراءٌ صُوفي على الإمام السجاد عليه السلام/ للكاتب نبيل الكرخي.

الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة السادسة والثلاثون)

 

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة السادسة والثلاثون)

 

هل نسبة الأبيات للسجاد عليه السلام معتمدة؟

 

تشبُّث المتصوِّفة بهذه الأبيات لأنها توافق ذوقهم، وذكروها في مصنفاتهم ونسبوها للإمام زين العابدين عليه السلام لإضفاء الشرعية على معتقدهم الزائف فقد قال الدكتور كمال مصطفى الشيبي: (ونُسِبت -أي الأبيات- كذلك إلى علي بن الحسين المُلقَّب بزين العابدين إمام الشيعة الاثني عشرية الرابع...وذلك في كتب الصوفية فقط، ولا يرد في كتب الشيعة المعتمدة البتَّة)[1].

 


فأصلُ النسبة صوفي كما اعترف بذلك الشيبي، ولا وجود لهذه النسبة في المصادر الشيعية المعتمدة أبدًا، ولكن نقلها بعض عرفاء الشيعة عن المتصوفة وبهذا تسربت إلى الداخل الشيعي.

ولم تصح نسبتها للإمام زين العابدين عليه السلام حتى عند أهل الخلاف حيث صرَّح الأهدل في كتابه كشف الغطاء فقال: (وما يروى عن زين العابدين رضي الله عنه أنه قال...) وذكر البيتين الأخيرين، ثم قال بعدها: (فلم يصح عنه ولو صح كان المراد ما يتعلق بالنفاق والفتن وأهلها من أغيلمة بني أمية المشار إليهم بالحديث)[2].

 


ونقل الدكتور الشيبي تشكيك صاحب كتاب الناطق بالصواب في نسبة الأبيات للإمام السجاد عليه السلام فقال: (وقد شكك صاحب الناطق بالصواب في هذه النسبة وقال في البيتين الأخيرين: عزوهما إلى زين العابدين)[3]!

 

وكذلك السيد رضي الدين بن محمد الموسوي العاملي حيث نقل انكار بعض العلماء نسبة هذه الأبيات للإمام السجاد عليه السلام فقال: (وهذه الأبيات معزوَّة إلى الإمام زين العابدين عليه السَّلام... وأنكر عزوها إليه بعض العلماء)[4].

 

ولذلك قال محمود القاسم على سبيل التهكم على المتصوفة وكذبهم على الإمام السجاد عليه السلام: (هذا الشعر مفترى على زين العابدين، من قبل العارفين الصادقين الصديقين الأولياء)[5]!

 

وبعد كل هذه الأقوال الرافضة لنسبة الأبيات إلى الإمام السجاد عليه السلام، يأتي محمد حسين الحسيني الطهراني بكل تبجح ويقول: (ثمَّة أشعار للإمام زين العابدين عليه السلام، من المسلَّم نسبتها إليه!... إنَّ نسبة هذه الأشعار إلى الإمام زين العابدين عليه السلام مسلَّمة من طريق الشيعة والسُّنَّة)[6]!

 

فأي كذب وتدليس واستغفال للعقول أعظم من هذا؟! وهو يرى اعتراف الشيبي نفسه بأنها لا توجد في كتب الشيعة المعتمدة أبدًا، وتضعيف الأهدل لها، وتشكيك علمائهم فيها، بل حتى المتصوفة أنفسهم لم يتفقوا عليها واختلفوا فيها اختلافًا كثيرًا كما تقدم.

 

#طالب_علم



[1] - شرح ديوان الحلاج، الدكتور كامل مصطفى الشيبي، ص508.

[2] - كشف الغطاء عن حقائق التوحيد، الأهدل اليمني، بتحقيق أحمد بكير محمود، ص256.

[3] - الصلة بين التصوف والتشيع، ج١ ص١٧١-١٧٢.

[4] - تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية، ج1 ص406.

[5] - الكشف عن حقيقة الصوفية، محمود عبد الرؤوف القاسم، ص86.

[6] - ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص57.

الاثنين، 24 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الخامسة والثلاثون)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الخامسة والثلاثون)

 

أخطاء أدَّت إلى نسبة الأبيات إلى الإمام السجاد عليه السلام

 

تقدَّم الحديث عن الاشتباهات التي أدت إلى تعدد من نُسبت إليهم الأبيات، كما في وهم عبد الباري داوود حين نسبها لابن الخطيب، ووهم محمد الكتاني حين نسبها لابن عربي.

وهنا انعكس الأمر: فقد نسبها بعضهم إلى الإمام زين العابدين عليه السلام اعتمادًا على مصادر هي نفسها تنسبها إلى غيره!

 

أولًا: خطأ الدكتور غلام رضا أعواني:

ذكر الشيخ جويا جهانبخش في مقاله "نقد الانتساب لأهل البيت" في الهامش 57: (والغريب أن الدكتور غلام رضا أعواني قد تحدَّث في مقالةٍ له أرسلها إلى مؤتمر إحياء الذكرى السنوية المئة على ولادة هنري كوربن عن التفات هنري كوربن إلى هذه الأبيات مورد بحثنا، وأنشد بيتين منها بوصفهما من "الشعر المنسوب إلى الإمام السجاد عليه السلام…". ثمّ قام بالإحالة إلى "تاريخ بغداد 12: 487"[1] أي إلى الموضع الذي لم يذكر الأبيات المذكورة بوصفها شعرًا قاله الإمام زين العابدين عليه السلام، بل بوصفها أبياتًا أنشدها أبو عمرو العتابي... فهل عمد شخصٌ آخر إلى إضافة هذه الإحالة ـ كالمدوِّن مثلًا ـ إلى المقالة، دون أن يلتفت إلى أصل المقال)؟!

 

ثانيًا: خطأ مجذوب علي شاه:

قال جهانبخش أيضًا: (ولهذه النادرة نظيرٌ أيضًا. ففي حاشية مرآة الحقِّ: 91، لمجذوب علي شاه، عمد إلى نسبة الأبيات مورد البحث، التي نسبها هناك إلى الإمام السجاد عليه السلام، مع التنبيه إلى (الاختلاف اليسير)، إلى "شرح نهج البلاغة [لابن أبي الحديد] 11: 222"، في حين أن ذلك الموضع من الأساس يعتبر قائل هذه الأبيات هو الحسين بن منصور الحلَّاج، على ما تقدَّم)[2]! انتهى النقل.


 ثالثًا: خطأ القاري البغدادي:

أضف إلى ما ذكره الشيخ جويا جهانبخش خطأ ثالث وهو ما جاء في كتاب "الدر الثمين في مناقب الشيخ محيي الدين" للقاري البغدادي أنه نقل كلام ابن عربي في "التدبيرات الإلهية" ثم قال: (حتى قال بعض السادة القادة... لا يبلغ الإنسان درجة الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق أنه زنديق، وانظر إلى قول الإمام زين العابدين رضي الله عنه: يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به...)[3].


فتلاحظ أنَّ القاري البغدادي نسبها للإمام السجاد عليه السلام، بينما المصدر الذي ينقل عنه -وهو التدبيرات- ينسبها صريحًا إلى الشريف الرضي[4]!

 

فإذا أحسنَّا الظن وقلنا إنه اشتباه، فإن هذا الاشتباه ساهم بشكل وآخر في انتشار النسبة الباطلة للأسف الشديد، ولذلك ينبغي لهؤلاء التصحيح علنًا -وأخص بذلك الشيعة- كما فعل السيد عبد الستار الحسني البغدادي رحمه الله الذي تراجع وندم حيث قال: (أذْكُرُ أنَّ أُستاذنا الجليل شاكر حسن آل سعيد الرسام التجريدي المعروف وكان يُدرِّسُنا مادَّةَ الرَّسْمِ في المتوسطة النظامية في أواسط الستينات الميلادية كانَ مُغرمًا بهذين البيتين وكانَ مُتَديِّنًا ذَا نَزْعَةٍ أَقْرَبَ ما تكونُ إلى الصُّوفِيَّةِ، وَقَدْ سألني يَوْمَها عَنْ مَدى صِحَّةِ نِسْبَتِهِما إلى الإمام زين العابدين ثِقَةً مِنْهُ بِمَا يَعْرِفُهُ عَنِّي مِنَ الحُضُورِ في المساجِدِ وَغَشَيانِ مَجالِسِ العُلَمَاءِ، فَأَجَبْتُهُ (تَبَرُّعًا) بِأَنَّهُما لَهُ عليه السلام - وأنا الآنَ أَسْتَغْفِرُ الله تعالى عن القَولِ بِغَيْرِ عِلْمٍ. ثُمَّ رأيتُ في تَرْجَمَةِ كُلْثُومِ بنِ عَمْرو العَتَّابِي التَّغلبِي الشَّاعِرِ المَعْرُوفِ - وكان في عَصْرِ المأمون - أنَّ هذين البيتين باختلاف يسير في اللَّفْظِ مَعَ بَيْتَينِ آخَرَيْنِ هُمَا لَهُ)[5]!



إنَّ خطورة القول بغير علم في نسبة النصوص من كلام أو شعر لشخص معيَّن بدون تثبُّت، خصوصًا إذا كان شخصية دينية تامَّة العظمة كالإمام السجاد عليه السلام، قد يؤدي إلى انتشار خطأ كبير يصعب تداركه، فمن وقع في خطأ أو اشتباه ثم تبيَّن له الحق، لا يكفي أن يسكُت، فالواجب المتعيِّن عليه تصحيح الخطأ والتراجع عنه علنًا وأن يُبيِّن للناس كما فعل السيد عبد الستار البغدادي، وهذا هو التواضع العلمي.

 

#طالب_علم

 


[1] - انظر: زائر شرق: 16!! (الشيخ جويا جهانبخش).

[2] - مجلة نصوص معاصرة، العدد 42-43، مقال بعنوان" نقد الانتساب لأهل البيت" للشيخ جويا جهانبخش، ص325.

[3] - الدرر الثمين في مناقب الشيخ محيي الدين" للقاري البغدادي المطبوع بمقدمة كتاب "خصوص النعم في شرح فصوص الحكم" للمهائمي، ص 48.

[4] - التدبيرات الإلهية، ابن عربي، بتحقيق الدكتور محمد الإدريسي الحسيني، ص80.

[5] - السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني، السيد عبد الستار الحسني البغدادي، هامش ص223.