الجمعة، 7 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثانية والعشرون)


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثانية والعشرون)

 

ماذا قال الباحث نبيل الكرخي عن الأبيات المنسوبة؟


يضيف الباحث نبيل الكرخي إشكالًا أصوليًّا فيقول: أول إشكال أنّ صاحب الشِعر يتحدث عن كتمانه علمه لكيلا يفتن به الناس! وفي مقابل ذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلِّم الناس على قدر عقولهم)[1]. فلا كتمان للعلم والهدى بل إظهار له بحسب مستوى ذهن المتلقي، طبعًا عدا حالات التقيَّة، وهي بحث آخر.

وكتمان العلم مرفوض في الإسلام، نعم لا يُعطى العلم إلا لأهله، ولكن أن يتم التكتم عليه مطلقًا كما في الشِعر آنفًا، ولا يُعطى لأحد بذريعة أنه قد يسبب الافتتان وسوء الظن بالوثنية وغيرها، فهذا ما لا يقبله الإسلام لأنه جاء بشريعة واضحة بيِّنة محورها التوحيد الخالص.

قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}[2].

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}[3].

ونقرأ في بعض الروايات النهي عن كتمان العلم، وهو بخلاف مطلب هذه الأبيات الشعرية التي يدَّعي قائلها أنه يكتم علمه لكيلا يُتَّهم بالوثنية!! فعن رسول الله صلى الله عليه وآله: (إنّ عيسى بن مريم قام في بني إسرائيل فقال: يا بني إسرائيل لاتحدِّثوا بالحكمة الجُهَّال فتظلموها، ولاتمنعوها أهلها فتظلموهم، ولاتُعينوا الظالم على ظلمه فيبطل فضلكم) الحديث[4].

وفي نوادر الراوندي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنَّه قال: (من نكث بيعةً أو رفع لواء ضلالة أو كتم علمًا أو اعتقل مالًا ظلمًا أو أعان ظالمًا على ظلمه وهو يعلم أنَّه ظالم فقد برىء من الإسلام)[5].

وفي أمالي الشيخ الطوسي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (نَفَس المهموم لظلمنا تسبيح، وهمُّه لنا عبادة، وكتمان سرِّنا جهاد في سبيل الله)، ثم قال الإمام عليه السلام: (يجب أن يُكتب هذا الحديث بالذهب)[6]. فالإمام لا يكتم أسراره عن أتباعه بل الأتباع هم المُكلَّفون بكتمان سر إمامِهم عليه السلام فلا يُبرزونه أمام الطغاة والظالمين والنواصب، بخلاف ما ورد في الشِّعر الذي لا يبوح فيه الشاعر بأسراره!

والإشكال الآخر قوله إنه إذا أظهر علمه فسيُقال له أنه ممن يعبد الوثنا، وهذا يعني أن علمه ليس علم هدى، لأنَّ كلام الهدى هو الكلام المنسجم مع القرآن الكريم، ولذلك أمرنا أئمتنا الأطهار (صلوات الله عليهم) بعرض الروايات التي تصلنا والمنسوبة إليهم على القرآن الكريم فإن كانت حقاً لم تخالفه. وأمّا أن يقول شخص أنَّ عقيدته وعلمه إذا سمعتموهما فسيورث ذلك الرمي بالوثنية فهذا يعني أنها عقيدة فاسدة وعلم باطل.

طبعًا المتصوِّفة يؤولون كلام الشاعر بأنَّه يعني أنّ علمه ذو مضامين عالية لا يدركها إلا "خواص الخواص" من الناس، بحيث إنَّ الإنسان البسيط لو سمع هذا العلم لظن أنه شرك وأن قائله يعبد وثنًا!! مع أنّ القرآن الكريم وهو -كتاب الهدى للإنسانية جميعها- واضح في بيان عقيدة التوحيد ونبذ الشرك والوثنية بعبارات واضحة لا لبس فيها. فما جاء في الشعر من أنَّ المتلقي يُفهم من علمه الذي "لا يبوح به" أنّه مبني على عقيدة وثنية شركية وفق المقاييس الإسلامية (لقيل لي أنت ممَّن يعبد الوثنا) أو أنَّ المقابل يفهمه كعقيدة وثنية فيرفضها وهي حق بسبب كونها عقيدة توحيدية فهنا غدى الأمر خلاف المتعارف في الإسلام، حيث إنَّ الأصل في عقيدة المسلمين هي أنها عقيدة توحيدية فإذا شابتها شائبة شرك جلي أو خفي أصبحت عقيدة شركية!! أمّا هؤلاء المتصوِّفة أصبح عندهم (توحيد جلي)، وآخر (توحيد خفي) لا يعلمه إلا صاحب هذا الشعر!

وأمَّا أن يُقال إنَّ معنى العبارة هي كتمان العلم إلا عن أهله، فهذا لم يرد في الشعر، لأنه يقول (لو أبوح به لقيل لي أنت ممَّن يعبد الوثنا) فهو لم يبح به بل أشار اليه فقط وترك الناس حيارى في أمره!!

فالشاعر إنْ لم يبح بعلمه فهو كتمان للعلم، وهو منهي عنه، لاسيما كتمان العلم عن أهله. وإنْ باح بعلمه لبعض أصحابه ولم ينسبوه للوثنية فهو تكذيب لظنه المذكور في الشعر! وإن نسبوه للوثنية فهي نسبة وفق القواعد الإسلامية في الكتاب والسُّنَّة. وفي جميع الحالات هناك مفاسد لا يمكن أن تُنسب للمعصوم عليه السلام.

فهل يُعقل أنَّ الامام السجاد عليه السلام كان يكتم علمه الحقيقي عن تلاميذه وفيهم النابهون والأفذاذ؟

ويكشف الكرخي حيلة المتصوفة قائلًا: وهل جاء الإسلام لطمس وثنية قريش والعرب وسائر الأمم، أم لإحيائها بأشكال جديدة! فتصبح "الوثنية الجديدة المكتومة" هي الحق ويصبح التوحيد عقيدة ظاهرية غير حقيقية!! أم يا ترى توحيده قائم على صفات الوثنية، كأن يكون للإله حد وجهة وأنَّه لا يعلم ما يدور حوله في الكون، بل على حد تعبير الدكتور حسام الآلوسي وهو يشرح عقيدة أرسطو التي فهمها ابن رُشد أنَّ الإله ليس له أي دور في حركة الكون فهو ليس علَّة فاعليَّة لحركة الكون وإنما علّة غائية كمعشوق لحركة الكون نحوه! فكل شيء يدور ويتحرك نحوه، وهو لا يدري أن هناك من يعشقه ويتحرك ويُحرّك!! وإنما الأفلاك هي صاحبة العلَّة الفاعليَّة!! كفلك القمر والفلك المحيط وبقية الكواكب والأفلاك هي التي تتحرَّك وتحرِّك وتدير العالم!! هذه هي عقيدة أرسطو وابن رشد في الإله والتي انتقلت فيما يبدو إلى المتصوِّفين[7] الذين استثمروا هذا الشعر الساذج!! فترى المتصوِّفين المولوية أتباع جلال الدين الرومي الذين يرتدون ملابس دائرية وطرابيش ويرقصون بالدوران حول أنفسهم يحاكون بذلك حركة الكواكب التي تدور حول نفسها وأفلاكها بزعمهم أنها تتحرك نحو الإله لأنها تعشقه!! وهم يفعلون ذلك بظنهم أنه نوع من إبراز العشق للإله[8]!! وهي في حقيقتها وثنيَّات غنوصية تحاول الاستيلاء على الإسلام[9]. انتهى النقل.  

 

الخلاصة:

بنى الباحث نبيل الكرخي رده على إشكالين رئيسيين:

الإشكال الأول: كتمان العلم يصادم منهج الإسلام والثقلين، فالأصل هو البيان لا الكتمان المطلق، فالشعر يصور المعصوم كاتمًا للعلم مطلقًا وهذا مرفوض، فإذا كتمه فهو معصية، وإذا باح به فهو تكذيب للبيت الشعري!

الإشكال الثاني: نسبة الوثنية إلى علم المعصوم، فإذا أظهر علمه فسيُقال له "أنه ممن يعبد الوثنا"، وهذا يعني أنَّ علمه ليس علم هدى، لأنَّ كلام الهدى هو الكلام المنسجم مع القرآن الكريم، فكيف يكون علم المعصوم سببًا في اتهامه بالوثنية؟!

والنتيجة التي خلص إليها الكرخي في جميع الحالات أنَّ هنالك مفاسد في الأبيات الشعرية لا يمكن أن تُنسب للمعصوم عليه السلام.

 

#طالب_علم

 


[1] - الكافي، الكليني، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، ج1 ص23. (نبيل الكرخي).

[2] - سورة البقرة: آية 42.

[3] - سورة البقرة: آية 159.

[4] - الأمالي، الشيخ الطوسي، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة، ص382. (نبيل الكرخي).

[5] - النوادر، الراوندي، تحقيق سعيد رضا علي عسكري، ص128. (نبيل الكرخي).

[6] - الأمالي، الشيخ الطوسي، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة، ص115. (نبيل الكرخي).

[7] - رغم ما بين الفلاسفة والمتصوِّفة من خلاف، إلا أنَّ هدفهم الغنوصي واحد فيما يبدو! (نبيل الكرخي).

[8] - أزليَّة العالم ودور الإله عند ابن رشد / الدكتور حسام محي الدين الآلوسي، ص173. (نبيل الكرخي).

[9] - مقال بعنوان: افتراء صوفي على الإمام السجاد عليه السلام/ للكاتب نبيل الكرخي.