#تنزيه_زين_العابدين
(الحلقة التاسعة
عشر)
هل أوصى أمير
المؤمنين عليه السلام بكتمَان التَّوحيد؟
بقي أن نردَّ على شبهة يُرددها العرفاء والمتصوفة للدلالة على انتساب هذه
الأبيات إلى الإمام زين العابدين عليه السلام، وهي ما جاء في البيت الثاني الذي
أنشده المياحي:
وقد تقدَّم في هذا أبو حسنٍ *** إلى الحسين ووصَّى
قبله الحسنا
فيقول قائلهم: إذا كان قائل هذه الأبيات غير الإمام زين العابدين عليه السلام فما مناسبة ذكر هذه البيت من الشعر بينهم، كما أنَّ الفارق الزمني بين الأئمة عليهم السلام والحلاج وغيره من المتصوفة كبير جدا[1]؟!
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
أولًا: مخالفة الأبيات للأصول، فقد تبين مِمَّا تقدَّم أنَّ مضمون
الأبيات مخالف للقرآن والسنة ومنهج المعصومين عليهم السلام، وموافق لذوق المتصوفة،
فلا يصح نسبة ما يخالف أصول الدين إلى الإمام السجاد عليه السلام.
ثانيًا: عدم ثبوت النسبة، فلا يوجد مصدر شيعي أو غير شيعي مُعتمد يثبت
نسبة الأبيات إلى الإمام السجاد عليه السلام. فكلُّ من نسبها إليه نقلها مرسلة بلا
إسناد، والطريق المسند للأبيات ينسبها لغيره كما سيأتي.
ثالثًا: اضطراب النَّص، فأكثر المصادر التي ذكرت الأبيات لم تذكر البيت
الثاني: "وقد تقدم في هذا أبو حسن... إلى آخره" فبعضهم ذكر
البيتين الأخيرين فقط[2] وبعضهم ذكر ثلاثة أبيات
بدون هذا البيت المعني[3]. وحتى بعض من نفى نسبة
الأبيات ذكرها بصيغة المثنَّى فقال: (وقد شكك صاحب الناطق بالصواب في هذه
النسبة وقال في البيتين الأخيرين: عزوهما إلى زين العابدين)[4]! ولذلك لا يُستبعد إدخال
هذا البيت من قبل المتصوفة لربط الأبيات بالأئمة عليهم السلام.
رابعًا: ذِكرُ الأئمة عليهم السلام لا يثبت النسبة، فعلى فرض التسليم
بوجود هذا البيت من الشعر ضمن الأبيات المنسوبة، فلا دلالة على انتساب هذه الأبيات
للإمام السجاد عليه السلام، فيمكن لأي إنسان شيعي أو محب لأهل البيت عليهم السلام
أن يقول هذا الكلام[5]،
ولا يستلزم ذلك أن يكون حاضرًا في نفس الزمان.
وعلى سبيل المثال ما قاله السيد الحميري رحمه الله في شأن الغدير الأغر:
وقــَـام مـحـمَّدٌ
بـِغـديرِ خُــمٍّ *** فَـنـَادى مُـعـلِنًا صَـوتًـا نـَدِيَّا
لــِمَـنْ
وافَـــاهُ مـِــن عــَربٍ *** وعُجْمٍ وحَفُّوا حَوْلَ دَوحَتِهِ حِنِيَّا
ألَا مــَنْ
كـُنـتُ مَـولاهُ فَـهَذا *** لــَهُ مـَولَـى وكــانَ بــِه حـَفِيَّا
إلـهـيْ عـادِ
مَـنْ عـادَى عـَلِيًّا *** وكــُـنْ لـِوَلـِيـِّهِ مَـولًـى وَلـِيـَّا[6]
فهل كان السيد الحميري حاضرًا في غدير خُم؟ وهل سمع بنفسه ذلك القول من
النبي صلى الله عليه وآله؟!
فكما صوَّر السيد الحميري ذلك الموقف والكلام النبوي وعبَّر عنه وهو لم
يحضره، أيضًا يسعُ أهل الزيغ تدبيج وقائع وكلمات عن لسان أهل البيت عليهم السلام
وصياغتها شعريًّا.
خامسًا: بطلان دعوى الوصية بكتمان التوحيد، حيث ادَّعى صاحب الأبيات أن
أمير المؤمنين كتم "التوحيد الخفي" وأوصى ولديه بكتمانه.
والسؤال: أين الرواية التي تأمر بكتمانِ التوحيد؟
مصادرنا مملوءة بخطب أمير المؤمنين في التوحيد من نهج البلاغة وغيره، ولم
يكتم شيئًا. والقرآن ينهى عن كتمان الحق: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا
الحق وأنتم تعلمون}[7]. فإذا كان أمير المؤمنين لم
يوصِ بكتمان التوحيد، ولم ينقل أحد هذه الوصية المزعومة، سقط الاستدلال بالبيت
بالكامل.
#طالب_علم
[1] - ولاية الفقيه في حكومة
الإسلام، الطهراني، ج3، هامش ص58.
[2] - روضة التعريف بالحب الشريف،
ابن الخطيب السلماني، ص427.
[3] - إيقاظ الهمم في شرح الحكم، ابن
عجيبة، ص188.
[4] - الصلة بين التصوف والتشيع، ج١
ص١٧١-١٧٢.
[5] - راجع مقالا بعنوان: افتراء
صوفي على الإمام السجاد عليه السلام/ للكاتب نبيل الكرخي.
[6] - الغدير، العلامة الأميني، ج2
ص231.
[7] - سورة البقرة: آية 42.
