#تنزيه_زين_العابدين
(الحلقة الرابعة
والثلاثون)
اختلاف المتصوفة في
نسبة الأبيات:
اختلف المتصوفة فيما بينهم في نسبة هذه الأبيات اختلافًا كثيرًا، وهذا
ناتج عن أمرين: تخبطهم وعدم ضبطهم من جهة، ومحاولتهم الحثيثة لإلصاقها بأئمة أهل
البيت عليهم السلام -لكسب الشرعية- من جهة أخرى.
وبالاستقراء نجد:
1- أكثرهم نسبها إلى الإمام زين العابدين عليه السلام.
2- بعضهم نسبها إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وبعضهم إلى الإمام الحسن،
وبعضهم إلى الصادق، وبعضهم إلى الرضا عليهم السلام.
3- بعضهم عممها فقال: (وفي المنسوب إليهم شعرًا...)[1] أو (وينسبون
في ذلك إلى خواص النبوة وخلفائها كثيرًا...)[2].
4- بعضهم أبهمها: (وللّه در القائل؛ وهو من الأوائل...)[3] أو (وقيل:
شعر...)[4] أو (وتمثل في ذلك بقول
بعضهم...)[5].
5- بعضهم نسبها لمشايخ الصوفية بصيغة الجمع: (وأنشدوا في ذلك: يا
رُبَّ جوهر علم لو أبوح به...)[6] أو (وأنشدوا
في ذلك شعرا...)[7] أو (قال قائلهم...)[8].
6- بعضهم تردد فيها -هل الأبيات للإمام زين العابدين عليه السلام أم
تمثَّل بها؟- كما فعل زعيمهم ابن عربي.
وهنا موضع الشاهد في تناقض ابن عربي حيث نقل الدكتور كمال مصطفى الشيبي
في كتابه الصلة: (ثم يأتي تيار مقابل من ابن عربي، وذلك أنه قد روى عن السجاد
علي بن الحسين: أنه قال أو تمثل بالأبيات التالية:
إني لأكتُم من علمي
جواهره *** كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا
وقد تقدم في هذا
أبو حسن *** إلى الحسين ووصَّى قبله الحسنا
يا رُبَّ جوهر علم
لو أبوح به *** لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا
ولَاستحلَّ رجالٌ
مُسلِمون دمي *** يرون أقبح ما يأتونه حسنا[9]
أقول: لاحظ قوله: (أنه قال أو تمثل بالأبيات...) ثم ذكر الأبيات
الأربعة، لكننا حين راجعنا الفتوحات المكية وجدنا ابن عربي ذكر البيتين الأخيرين
فقط وقال متردِّدا: (كان يشير علي بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب زين العابدين
رضي الله عنهم بقوله فلا أدري هل هما من قيله أو تمثَّل بهما)[10]!
ثم في موضع آخر في التدبيرات الإلهية جزم بنسبتها للشريف الرضي فقال: (اعلم
شرح الله سبحانه صدرك أنَّ مبنى هذا الطريق التسليم والتصديق، حتى قال بعض السادة
القادة: "لا يبلغ الإنسان درجة الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صدِّيق أنه
زنّيدق" ثم يؤيد قول هذا السيد بقول الشريف الرضي حفيد علي بن أبي طالب
"كرم الله وجهه العزيز ورضي عنه" شعر...) ثم ذكر الأبيات[11].
والعجيب أنه نسبها للشريف الرضي في مقدمة الفتوحات أيضًا فقد جاء: (ولم
يكن لقول الرضي من حفدة علي بن أبي طالب صلى الله عليه وسلم معنى إذ قال: يا رُبَّ
جوهر علم لو أبوح به...) ثم ذكر البيتين الأخيرين[12]!
وفي موضع ثالث قال: (وكما قال علي رضي اللّه عنه حين عدم النقلة:
"أنَّ ههنا -وضرب بيده إلى صدره- لعلومًا جمَّة لو وجَدتُ لها حملة".
وكما قال ابنه الذكي الحبر الكبير السني...) ثم ذكر الأبيات[13]، فنسبها
لأحد أبناء أمير المؤمنين بلا تسمية.
فكيف يقول "لا أدري هل هي للسجاد أم تمثَّل بها" ثم
يجزم أنها للشريف الرضي المتوفى سنة 406هـ؟
وكيف يتمثل السجاد عليه السلام وهو المستشهد سنة 95هـ بأبيات الرضي
المتوفى بعده بثلاثة قرون؟
وإذا كان يقصد من عبارة (ابنه الذكي الحبر الكبير السني...)
الإمام السجاد عليه السلام -كما ادعى محقق كتاب "مجموعة رسائل ابن عربي"[14] فهذا
قمة التناقض!
وقد حاول الشيبي تبرير هذا التناقض فقال: (وليست الأبيات للشريف الرضي
الذي نعرفه ولكن ابن عربي قدم عبارة الشريف الرضي للوصف لا لتحديد الشخصية، ولا
بُدَّ أنه أخذها من مصادر شيعية)[15]!
وهذا بعيد، لأن العبارة صريحة في التعيين، ولا يردُّها تقديم أو تأخير،
حتى أن الطهراني استغرب من كون ابن عربي ينسب الأبيات إلى الشريف الرضي[16].
فالدكتور الشيبي يعلم جيدًا بعدم وجود أي مصدر شيعي يؤيد هذا الادعاء، بل
حتى مصادر أهل الخلاف لا يوجد فيها من نسبها للشريف الرضي وقد اعترف هو نفسه بذلك
ولكنه أراد تبرئة ساحة ابن عربي من هذا التناقض الواضح الفاضح!
نعم يوجد من الصوفية من نسبها للشريف الرضي وهو محمد بن حسن السمنودي
الأزهري المتوفى سنة 1199هـ، في كتابه "تحفة السالكين ودلائل السائرين
لمنهج المقربين"[17] ولكنه
متأخر كما تلاحظ، والظاهر أنه أخذ هذه النسبة عن ابن عربي.
الخلاصة: من هذا الاستقراء
يتضح التخبط والتناقض في نسبة الأبيات حتى عند المتصوفة أنفسهم، وهو دليل قاطع على
عدم ثبوتها عن الإمام زين العابدين عليه السلام، ولو كانت ثابتة عنه لنقلوها بسند
متصل ولم يختلفوا فيها كل هذا الاختلاف.
#طالب_علم
[1] -
الطريق إلى الله تعالى، الشيخ حسين البحراني، تحقيق وتعليق حبيب الكاظمي، ص91.
[2] -
روضة التعريف في الحب الشريف، ج2، ص427.
[3] -
كتاب الوجود، عبد الغني النابلسي، ص260.
[4] -
مفتاح السعادة ومصباح السيادة، أحمد مصطفى زاده، ص47.
[5] -
شرح الأزهار، أحمد بن يحيى المرتضى، ج3 ص166.
[6] -
شرح حكم ابن عطاء الله السكندري، أحمد بن محمد زروق، ص95.
[7] -
نتاج الأفكار القدسية، عبد الله العروسي،ج2 ص63.
[8] -
اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح، شمس الدين البرماوي ج2، باب حفظ العلم، ص86-87،
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب، حسن بن علي الفيومي، ج1 ص717.
[9] -
الصلة بين التصوف والتشيع، كمال الشيبي، ج1ص171.
[10] -
الفتوحات المكية، ابن عربي، ج1 ص200، طبعة دار صادر.
[11] -
التدبيرات الالهية، ابن عربي، بتحقيق الدكتور محمد الإدريسي الحسيني، ص80.
[12] -
الفتوحات المكية، ابن عربي، ج1 ص32، طبعة دار صادر.
[13] -
مجموعة رسائل ابن عربي، ج2 ص144.
[14] -
مجموعة رسائل ابن عربي، هامش ج2 ص144، طبعة دار المحجة البيضاء.
[15] -
الصلة بين التصوف والتشيع، كمال الشيبي، ج1هامش ص171-172.
[16] -
الروح المجرد، الطهراني، ص372.
[17] -
تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين، محمد بن حسن السمنودي الأزهري،
ص95.
