#تنزيه_زين_العابدين
(الحلقة السابعة
والعشرون)
5- نقد نسبة
الأبيات إلى الإمام الرضا عليه السلام:
وأما نسبتها إلى الإمام الرضا عليه السلام فقد ذكر ذلك نصر حامد أبو زيد
في كتابه "هكذا تكلم ابن عربي" حيث قال: (وبالمثل يورد الشعر الذي
سبق أن ذكرناه، والذي يُنسب إلى "الرِّضا" حفيد "علي بن أبي
طالب":
يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به *** لقيل لي أنت ممن
يعبد الوثنا
ولاستحلَّ رجال مسلمون دمي *** يرون أقبح ما
يأتونه حَسَنا)[1].
أقول: لم يذكر نصر أبو زيد مصدرًا لهذا الادعاء في نفس الصفحة، ولكنه ذكر
الأبيات نفسها قبل ثلاث صفحات نقلًا عن كتابي "تنزل الأملاك"
و"الفتوحات المكية" لابن عربي بدون نسبة الأبيات إلى الإمام الرضا عليه
السلام حيث جاء في المصدر: (وكما قال علي رضي الله عنه، حين علَّم النقلة:
"إن هاهنا -وضرب على صدره بيده- لَعلومًا جمَّة، لو وجَدتُ لها حملة"
وكما قال ابنه الذكي الحبر السني: يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به ...) إلى آخر
البيتين الأخيرين[2]!
فلم يحدد ابن عربي من هو هذا "الابن الذكي الحبر السني"
لأمير المؤمنين عليه السلام مما أوقع أتباعه في التخبط!
الأمر الآخر هو الخلط بين
"الرضي" و "الرضا" فقد جاء في الفتوحات المكية: (ولم يكن
لقول الرضي من حفدة علي بن أبي طالب صلى الله عليه وسلم...) ثم ذكر الأبيات[3].
فهو هنا قد نسبها إلى "الرضي" وليس إلى الإمام الرضا عليه
السلام، وقد حاول محمد الخواجوي في ترجمته للفتوحات المكية حل هذا الإشكال فقال: (إن
الاحتمال الأول الذي يرد على الذهن أن يكون المراد هو الشريف "الرضيُّ"،
الذي هو من السادة الموسوية الأجلّاء، ومن أحفاد أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام.
بَيْدَ أني لم أعثر في أيِّ موضع من المواضع من ينسب هذه الأبيات إلى الشريف
الرضيِّ،(و) الاحتمال الآخر أن يكون المراد هو الإمام "الرضا" عليه
السلام، حيث يُلقَّب في الكثير من النصوص -والأغلبية الساحقة منها بطبيعة الحال من
مؤلَّفات العامة، أي الذين ينتمون إلى ذات مذهب ابن عربي- بلقب
"الرضيِّ" ولا يبعد أن يكون حَدَث خَلْطٌ عند ابن عربي بين "عليِّ
بن موسى" الرضا/الرضيِّ عليه السلام و"عليّ بن الحسين" زين
العابدين عليه السلام الذي يُنسب إليه هذا الشعر، والله أعلم)[4].
أقول: وضع الخواجوي احتمالان لكي يخرج من هذا الإشكال ثم مال إلى
الاحتمال الثاني وعلَّل بوجود خلط عند ابن عربي بين لقب "الرضي"
و"الرضا" من جهة، وبين الإمامين "علي بن الحسين" و"علي
بن موسى" عليهما السلام من جهة أخرى، إلا أني أرى أنَّ سبب التخبط بين أتباع
ابن عربي يعود لعاملين رئيسيين، وهما:
العامل الأول: عدم تحديد ابن عربي لاسمِ (الابن الذكي الحبر الكبير
السَّنِيِّ) لأمير المؤمنين عليه السلام الذي نسب له الأبيات في كتابيه "تنزل
الأملاك" و"مجموعة الرسائل"؛ الأمر الذي أوقع أتباعه
وشُرَّاح كتبه في حيرة لتحديد الشخصية المقصودة. فبينما ذهب محقق "مجموعة
رسائل ابن عربي" إلى أنه الإمام زين العابدين عليه السلام[5]، رأى نصر حامد أبو زيد أنه
الإمام الرضا عليه السلام[6]، في حين ذهب نواف الجراح
محقق "تنزل الأملاك" إلى أن المقصود هو ابن عربي نفسه[7]! ولعل هذا الإبهام هو ذاته
الذي دفع البعض إلى نسبة الأبيات للإمام الحسن عليه السلام أيضًا؛ نظراً لعبارة
ابن عربي التي تشير إلى ابنه (الكبير) حيث جاء في النص: (وكما قال ابنه الذكي
الحبر الكبير السني...)[8]، فتوهَّموا أنه يقصد الإمام
الحسن عليه السلام.
العامل الثاني: ذكره للقب (الرضي من حفدة علي بن أبي طالب)[9] في كتاب "الفتوحات
المكية" دون أن يسبقها بلفظ "الشريف"، وهو ما أدى بالبعض
إلى توهم أنه يقصد الإمام الرضا عليه السلام. ولعل هذا ما دفع الكيالي الشاذلي إلى
إقحام لفظ "الإمام" قبل لقب "الرضي" في كتابه "الحقائق
الإلهية في أشعار الفتوحات المكية" عند نقله للأبيات، فقال: "(قال
"الإمام" الرضي من حفدة "الخليفة" علي بن أبي طالب رضي الله
عنهما...)" ثم ذكر الأبيات[10].
بيْد أن ما يزيل هذا اللبس ويفصل في المسألة هو ما صرح به ابن عربي نفسه
في كتابه "التدبيرات الإلهية" حيث قال: (ثم يؤيد قول هذا السيد -يقصد
الجنيد- بقول الشريف الرضي حفيد علي بن أبي طالب رضي الله عنهما: إنِّي لَأكْتُمُ
مِنْ عِلْمِي جَوَاهِرَهُ...) إلى آخر الأبيات[11].
فهو هنا يقطع الشك باليقين مؤكدًا أن الأبيات للشريف الرضي، وليست للإمام
الرضا عليه السلام كما توهم الشراح، وبهذا الدليل يبطل القول بنسبتها إليه عليه
السلام.
#طالب_علم
[1] -
هكذا تكلم ابن عربي، نصر حامد أبو زيد، ص79.
[2] -
هكذا تكلم ابن عربي، نصر حامد أبو زيد، ص76.
[3] -
الفتوحات المكية، ابن عربي، ج1 ص32، طبعة دار صادر.
[4] -
مجلة نصوص معاصرة العدد 42-43، مقال بعنوان: نقد الانتساب لأهل البيت عليهم
السلام، الشيخ جويا جهانبخش، ص323 هامش رقم 38، نقلا عن الفتوحات المكية بترجمة
محمد الخواجوي.
[5] -
راجع الهامش رقم 6 من مجموعة رسائل ابن عربي، ج2 ص144، طبعة دار المحجة البيضاء.
[6] -
هكذا تكلم ابن عربي، نصر حامد أبو زيد، ص79.
[7] -
تنزل الأملاك لابن عربي، هامش ص22، طبعة دار صادر.
[8] -
مجموعة رسائل ابن عربي، ج2 ص144، طبعة دار المحجة البيضاء، تنزل الأملاك، ابن
عربي، ص13-14، طبعة دار الكتب العلمية.
[9] -
الفتوحات المكية، ابن عربي، ج1 ص32، طبعة دار صادر.
[10] -
الحقائق الإلهية في أشعار الفتوحات المكية، عاصم إبراهيم الكيالي، ص37
[11] -
التدبيرات الإلهية، ابن عربي، بتحقيق الدكتور محمد الإدريسي الحسيني، ص80، إنشاء
الدوائر، ص81، طبعة مكتبة الثقافة الدينية.


