#تنزيه_زين_العابدين
(الحلقة الثلاثون)
8- نقد نسبة
الأبيات إلى الحلاج:
وأما عن نسبة الأبيات إلى حسين بن منصور الحلاج المقتول سنة 309 هـ، فقد
جاء ذلك في "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد المعتزلي[1] وأُدرجت
الأبيات أيضًا في بعض طبعات ديوان الحلاج[2].
وقد رفض محمد حسين الحسيني الطهراني –صاحب الروح المجرد- نسبة الأبيات
إلى الحلاج حيث قال: (لقد نسب ابن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة"
هذه الأشعار للحسين بن منصور الحلاج، وهذه النسبة خاطئة...لأن الحسين بن منصور لم
يكن من أهل التقية والكتمان، وقد أفشى الأسرار مما أدى إلى قتله)[3]!
والجواب على ذلك: هذا ليس دليلًا قاطعًا على نفي نسبتها عنه، لأن الحلاج
كان متناقضًا يأمر بالكتمان ولا يلتزم به، وهذا ما أشار إليه علي المياحي في كتابه
"حقيقة النفس" حيث نقل عن الحلاج قوله في أهمية الكتمان:
من سارروه فأبدى
كُلَّ ما ستروا **** ولم يُراعِ اتِّصالا كان غشَّاشا
إذا النفوس أذاعت
سِرَّ ما علمت **** فكل ما حمَلَتْ مِن عقلِها حاشا
من لم يصُن سِرَّ
مولاه وسيِّده **** لم يأمَنُوه على الأسرار ما عاشا
وعاقَبُوه على ما
كان من زَللٍ **** وأبدَلوه مكان الأُنسِ إيحاشا
وجَانَبوه فلم
يصلُح لِقُربِهِمُ **** لمَّا رأوه على الأسرار نبَّاشا
مَن أطلعوه علی
سِرٍّ فنَمَّ به **** فَذاكَ مِثلِي بين الناس طياشا[4]
ثم علق المياحي: (ومع كل هذا فإن الحلاج أذاع سر الحب وكشف أسرار
العشق وقد قيل إنه دفع ضريبة ذلك بقتله، وكأنه وقع بالمحذور وقد تنطبق عليه أبياته
بمعنى من المعاني)[5]!
فالحلاج متناقض يفعل الشيء ونقيضه، فالذي دعا الطهراني لنفي الأبيات عنه
هو نفسه الذي دعا ابن أبي الحديد لنسبتها إليه ولهذا قال الدكتور كمال مصطفى
الشيبي: (واضح أنّ الذي دعا ابن أبي الحديد إلى نسبة هذه المقطَّعة إلى الحلاج
هو إلمامها بالأسرار وكشفها)[6]!
ولكن يبقى أن نسبة هذه الأبيات إلى الحلاج تفرَّد بها ابن أبي الحديد
المعتزلي، ولم يذكر مصدرًا لذلك، ولهذا قال الدكتور الشيبي: (نسب هذه المقطَّعة
إلى الحلاج ابن أبي الحديد فقط)[7]، وقال في
موضع آخر: (وحبَّذا لو كان وقَفَنا على المصدر الذي وجدها فيه)[8].
إذَن نسبة الأبيات إلى حسين بن
منصور الحلاج ضعيفة جدًّا لكونها من تفردات ابن أبي الحديد المرسلة بلا سند، مع أن
مضمونها يوافق حال الحلاج.
#طالب_علم
[1] -
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج11 ص222.
[2] -
ديوان الحلاج، قسم الأشعار المنسوبة إليه، بعنوان: كتم العلم عن الجاهل، ص187.
[3] -
ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3، هامش ص57.
[4] -
جاء في المصدر (مثل) والصحيح (مثلي) وكذلك (يبين) والصحيح (بين) راجع ديوان
الحلاج.
[5] -
حقيقة النفس، علي المياحي، ص145.
[6] -
شرح ديوان الحلاج، الدكتور كامل مصطفى الشيبي، ص509.
[7] -
شرح ديوان الحلاج، الدكتور كامل مصطفى الشيبي، ص507.
[8] -
شرح ديوان الحلاج، الدكتور كامل مصطفى الشيبي، ص509.

