الاثنين، 24 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الخامسة والثلاثون)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الخامسة والثلاثون)

 

أخطاء أدَّت إلى نسبة الأبيات إلى الإمام السجاد عليه السلام

 

تقدَّم الحديث عن الاشتباهات التي أدت إلى تعدد من نُسبت إليهم الأبيات، كما في وهم عبد الباري داوود حين نسبها لابن الخطيب، ووهم محمد الكتاني حين نسبها لابن عربي.

وهنا انعكس الأمر: فقد نسبها بعضهم إلى الإمام زين العابدين عليه السلام اعتمادًا على مصادر هي نفسها تنسبها إلى غيره!

 

أولًا: خطأ الدكتور غلام رضا أعواني:

ذكر الشيخ جويا جهانبخش في مقاله "نقد الانتساب لأهل البيت" في الهامش 57: (والغريب أن الدكتور غلام رضا أعواني قد تحدَّث في مقالةٍ له أرسلها إلى مؤتمر إحياء الذكرى السنوية المئة على ولادة هنري كوربن عن التفات هنري كوربن إلى هذه الأبيات مورد بحثنا، وأنشد بيتين منها بوصفهما من "الشعر المنسوب إلى الإمام السجاد عليه السلام…". ثمّ قام بالإحالة إلى "تاريخ بغداد 12: 487"[1] أي إلى الموضع الذي لم يذكر الأبيات المذكورة بوصفها شعرًا قاله الإمام زين العابدين عليه السلام، بل بوصفها أبياتًا أنشدها أبو عمرو العتابي... فهل عمد شخصٌ آخر إلى إضافة هذه الإحالة ـ كالمدوِّن مثلًا ـ إلى المقالة، دون أن يلتفت إلى أصل المقال)؟!

 

ثانيًا: خطأ مجذوب علي شاه:

قال جهانبخش أيضًا: (ولهذه النادرة نظيرٌ أيضًا. ففي حاشية مرآة الحقِّ: 91، لمجذوب علي شاه، عمد إلى نسبة الأبيات مورد البحث، التي نسبها هناك إلى الإمام السجاد عليه السلام، مع التنبيه إلى (الاختلاف اليسير)، إلى "شرح نهج البلاغة [لابن أبي الحديد] 11: 222"، في حين أن ذلك الموضع من الأساس يعتبر قائل هذه الأبيات هو الحسين بن منصور الحلَّاج، على ما تقدَّم)[2]! انتهى النقل.


 ثالثًا: خطأ القاري البغدادي:

أضف إلى ما ذكره الشيخ جويا جهانبخش خطأ ثالث وهو ما جاء في كتاب "الدر الثمين في مناقب الشيخ محيي الدين" للقاري البغدادي أنه نقل كلام ابن عربي في "التدبيرات الإلهية" ثم قال: (حتى قال بعض السادة القادة... لا يبلغ الإنسان درجة الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق أنه زنديق، وانظر إلى قول الإمام زين العابدين رضي الله عنه: يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به...)[3].


فتلاحظ أنَّ القاري البغدادي نسبها للإمام السجاد عليه السلام، بينما المصدر الذي ينقل عنه -وهو التدبيرات- ينسبها صريحًا إلى الشريف الرضي[4]!

 

فإذا أحسنَّا الظن وقلنا إنه اشتباه، فإن هذا الاشتباه ساهم بشكل وآخر في انتشار النسبة الباطلة للأسف الشديد، ولذلك ينبغي لهؤلاء التصحيح علنًا -وأخص بذلك الشيعة- كما فعل السيد عبد الستار الحسني البغدادي رحمه الله الذي تراجع وندم حيث قال: (أذْكُرُ أنَّ أُستاذنا الجليل شاكر حسن آل سعيد الرسام التجريدي المعروف وكان يُدرِّسُنا مادَّةَ الرَّسْمِ في المتوسطة النظامية في أواسط الستينات الميلادية كانَ مُغرمًا بهذين البيتين وكانَ مُتَديِّنًا ذَا نَزْعَةٍ أَقْرَبَ ما تكونُ إلى الصُّوفِيَّةِ، وَقَدْ سألني يَوْمَها عَنْ مَدى صِحَّةِ نِسْبَتِهِما إلى الإمام زين العابدين ثِقَةً مِنْهُ بِمَا يَعْرِفُهُ عَنِّي مِنَ الحُضُورِ في المساجِدِ وَغَشَيانِ مَجالِسِ العُلَمَاءِ، فَأَجَبْتُهُ (تَبَرُّعًا) بِأَنَّهُما لَهُ عليه السلام - وأنا الآنَ أَسْتَغْفِرُ الله تعالى عن القَولِ بِغَيْرِ عِلْمٍ. ثُمَّ رأيتُ في تَرْجَمَةِ كُلْثُومِ بنِ عَمْرو العَتَّابِي التَّغلبِي الشَّاعِرِ المَعْرُوفِ - وكان في عَصْرِ المأمون - أنَّ هذين البيتين باختلاف يسير في اللَّفْظِ مَعَ بَيْتَينِ آخَرَيْنِ هُمَا لَهُ)[5]!



إنَّ خطورة القول بغير علم في نسبة النصوص من كلام أو شعر لشخص معيَّن بدون تثبُّت، خصوصًا إذا كان شخصية دينية تامَّة العظمة كالإمام السجاد عليه السلام، قد يؤدي إلى انتشار خطأ كبير يصعب تداركه، فمن وقع في خطأ أو اشتباه ثم تبيَّن له الحق، لا يكفي أن يسكُت، فالواجب المتعيِّن عليه تصحيح الخطأ والتراجع عنه علنًا وأن يُبيِّن للناس كما فعل السيد عبد الستار البغدادي، وهذا هو التواضع العلمي.

 

#طالب_علم

 


[1] - انظر: زائر شرق: 16!! (الشيخ جويا جهانبخش).

[2] - مجلة نصوص معاصرة، العدد 42-43، مقال بعنوان" نقد الانتساب لأهل البيت" للشيخ جويا جهانبخش، ص325.

[3] - الدرر الثمين في مناقب الشيخ محيي الدين" للقاري البغدادي المطبوع بمقدمة كتاب "خصوص النعم في شرح فصوص الحكم" للمهائمي، ص 48.

[4] - التدبيرات الإلهية، ابن عربي، بتحقيق الدكتور محمد الإدريسي الحسيني، ص80.

[5] - السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني، السيد عبد الستار الحسني البغدادي، هامش ص223.