الأربعاء، 19 أغسطس 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثالثة والثلاثون)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثالثة والثلاثون)

 

12- نقد نسبة الأبيات إلى كلثوم بن عمرو العتابي:

 

وأما نسبتها إلى الشاعر أبي عمرو كلثوم بن عمرو العتابي التغلبي المتوفى سنة 220هـ وقيل 208هـ، فقد ذكر ذلك الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد حيث قال: (أخبرني أبو الحسن محمد بن عبد الواحد: حدَّثنا أبو الفضل محمد بن عبد الله الشيباني قال: حدَّثني كلثوم بن عمرو بن كلثوم التغلبي قال: أنشدني أبي أن جدّه كلثوم بن عمرو أنشده لنفسه: "إني لأخفي من علمي جواهره...) إلى آخر الأبيات[1].



وما يميز هذه النسبة أنها الوحيدة المسندة إلى قائلها بعكس النِّسب الأخرى، وأنَّ مصدرها قديم وهو "تاريخ بغداد" للخطيب المتوفى سنة 463هـ، لذلك قال الدكتور كمال مصطفى الشيبي: (وهذه النسبة أقرب إلى الصواب)[2].

 

وما يقوي هذه النسبة هو مناسبتها لحال العتابي حيث ذكر الدكتور مسعد العطوي سبب إنشاد العتابي لهذه الأبيات فقال: (وصارت تهمة الزندقة وسيلة من وسائل الانتقام في ذلك العصر، فإذا ما غضب الشاعر أو الكاتب أو العالم على زميله وجه إليه تهمة الزندقة، وإذا ما وجد شاعر ماجن خالع اتهموه بالزندقة، وإذا ما جلس شاب إلى هؤلاء الشعراء المُجَّان اتهموه بالزندقة أيضًا، فضلًا عن الصداقة والمسامرة، وأظن أن هذه الأسباب هي التي جعلتهم يرمون العتابي بالزندقة، فهو من البصرة وجالس بشار بن برد الذي قُتل بتهمة الزندقة، ومكث العتابي بالكوفة مدة من الزمن، وجالس ونادم حماد عجرد ومطيع بن إياس وخلافهم، وهم متهمون بالزندقة، لذا فإن الطاعن والحاقد عليه يكاد يجد الحجة له على العتابي، كما أن علمه بالفارسية وغرابته على العرب، واتصاله بالبرامكة وآل طاهر وغيرهم يزيد من التهمة، وقد أدرك ذلك بنفسه فتحاشى بعض الأفكار خوفًا من اتهام الناس له فقال:

إني لأخفي من علمي جواهره **** كي لا يرى العلم ذو جهل فيفتتنا

ورُبَّ جوهر علم لو أبوح به **** لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا

ولاستحلَّ رجال يبتغون دمي **** يرون أقبح ما يأتونه حسنا

وقد تقدم في هذا أبو حسنٍ * أوصى حسينًا بما قد خبَّر الحسنا)[3].

 


وجاء في "معجم الشعراء" للمرزباني في ترجمته: (كلثوم بن عمرو العتابي، التغلبي. من ولد عمرو بن كلثوم الشاعر. والعتابي يكنى أبا عمرو، وهو شامي، من أهل قنسرين، شاعر مجيد، مقتدر على قول الشعر، وهو كاتب مترسل، وله ألفاظ تُثبت، ورسائل تُدوَّن. ورمي بالزندقة، والرفض، فطلبه الرشيد، فهرب إلى اليمن...)[4].

فالأبيات تتطابق تمامًا مع واقع العتابي وخوفه من رميه بالزندقة، وكتمان ما لديه مما يعتبره من العلم خشية سوء الفهم.

 

الخلاصة: إنَّ أقوى نسبة للأبيات سندًا ودلالة هي نسبتها إلى "كلثوم بن عمرو العتابي"، لوجود سند متصل في "تاريخ بغداد"، ولكونها توافق حاله وما رُمي به من تهمة الزندقة، وعليه فالظاهر أنَّ الأبيات له، وليست لأحد غيره.

وسيأتي مزيد من التفصيل والترجيح النهائي في الحلقات القادمة.

 

#طالب_علم

 


[1] - تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، ج12 ص487.

[2] - الصلة بين التصوف والتشيع، ج١ هامش ص172.

[3] - العتابي حياته وأدبه، مسعد العطوي، ص48.

[4] - معجم الشعراء، المرزباني، ص291.