الاثنين، 13 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثانية)

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثانية)

 

سِرُّ العرفاء

أرى أنه من الضروري قبل الدخول في مناقشة الأبيات ونسبتها أن نبيّن ما هو سر العرفاء ولماذا يخفون هذا السر عن غيرهم؟ خاصةً أنّ المياحي في هذا اللقاء تحدّث عن الأسرار التي يجب كتمانها، ثم استشهد بالأبيات المنسوبة كدليل على صحة طريقتهم وتبريرًا لعقائدهم الباطنية، حيث قال: (فبالنتيجة: الكتمان قاعدة من قواعد العرفان، كما أن الجمع والضرب والطرح في الرياضيات، هنا الكتمان مطلوب)[1].

 

وقال في كتابه حقيقة النفس: (من أهم صفات المؤمن إذ يجب عليه أن يحفظ السر ولا يصرح به مهما كانت الظروف وقد قيل عندهم "صدور الأحرار قبور الأسرار" و"كشف سر الربوبية كفر" فالسر لا يخرج إلا لأهله ومستحقيه وإذاعته لؤم وزلل...لذا كان الأولياء يخفون علومهم الباطنية وأسرارهم الخفية لأن الكشف قد يؤدي إلى ضرر بالناس وبصاحب السر أيضًا...فالكتمان أمر مهم في الطريق ومن هنا يقول الإمام علي بن الحسين الذي يعتقد المتصوفة أنه منهم وهو بالحق إمام[2] المسلمين قاطبة[3]:

يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به *** لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا

ولَاستحلَّ رجالٌ مُسلِمون دمي *** يرون أقبح ما يأتونه حسنا

إني لَأكتُم من علمي جواهره *** كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا)[4].

وقال أيضًا: (إن الحلاج أذاع سر الحب وكشف أسرار العشق وقد قيل إنّه دفع ضريبة ذلك بقتله)[5].

 



فما هو هذا السر الذي يجب كتمانه وعدم البوح به؟ ولماذا يُتَّهمُ من يصرح به بأنه عابد وثن؟!

 

الجواب: إن العرفاء المتصوِّفة قوم يحيطون أنفسهم بالضبابية، ويمارسون التلون والتناقض، فعقائدهم باطنية ويمارسون (النفاق) مع المؤمنين الموحدين ولكن الله يظهر الحق على ألسنتهم كما هي سنته تعالى على مدى التاريخ، وعلى رغم حرصهم على كتمان سرهم، إلا أنه تصدر منهم بعض الفلتات التي تبين حقيقة معتقدهم، وهذه الفلتات يُنطقهم الله بها لكي لا يختلط الحق بالباطل كما هي سنة الله في كشف المنافقين.

قال أمير المؤمنين عليه السلام: (ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه)[6].

 

فالعرفاء بصورة عامة يمارسون النفاق، فلا يصرحون بحقيقة اعتقادهم بوحدة الوجود علنًا في المحافل العامة، لأن حقيقة ذلك الاعتقاد عندهم سر من الأسرار. فيبقون عقيدتهم طي الكتمان إلا في بعض المواضع الخاصة، ويشرحونها بلغة لا يفهمها عامة الناس لأنها لغة عرفانية صوفية فلسفية. وإنما يتلقفها عنهم أمثالهم ممن يبحثون عن الضلال ويدرسون تلك الأراجيف الملبسة ثوب العلم.

يقول الصوفي عبد الكريم الجيلي: (الكلام عن الحقائق بالإشارة، ولا يفهم إشارتنا، ويعرف آفة ما فيها من عباراتنا، إلا من هو نحن، ونحن هو، فافهم)[7]!

 

ويقول كمال الحيدري: (اعتاد الأقدمون من أهل الأسرار على تضمين معارفهم الحقة في قوالب الرموز حتى أضحت لغة تخصهم دون غيرهم، وما ذلك إلا حرصًا منهم على كرامتها فلا تنتهك من قبل الجهلة وأرواحهم فلا تسفك بيد متقرب إلى الله تعالى بجهله أو عماه عن رؤية ما يشع من كلماتهم من نور يتلالأ، وما ينسب إلى الإمام السجاد علي بن الحسين لما فيه الغنى والكفاية عن بيان هذه الحقيقة المرة:

يا رب جوهر علم لو أبوح به **** لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا

ولاستحلَّ رجال مسلمون دمي **** يرون أقبح ما يأتونه حسنا

ولكي لا تكون المعارف الحقة والأسرار الشامخة شرعة لكل وارد وفي يد من ليس أهلًا، عمدوا إلى صيانتها بأقفال عصيَّة إلا على من طوى المراحل بعد خلع النعلين وطيِّ القدمين والانخلاع من القوتين، تلك الأقفال المحكمة العصية هي الرموز والإيحاءات والإشارات)[8]!

 


ومن ناحية أخرى يحتاط العرفاء من يقظة الجماهير ويأتون بعبارات تُوهم بأنهم لا يقصدون المعاني الكفرية وهكذا جرت كلماتهم على التمويه.

نعم، قد يصرِّح بعض من يأمنون على أنفسهم من العقاب في المحافل العامة أو من اختاروا الانتحار كالحلّاج.

وأمّا سر عقيدتهم فقد كشفه الحلاج نفسه صراحة بقوله: (أنا الحق)[9]! ولذلك قال الجنيد: (لقد فضحنا الحلّاج)[10]!

يقول الشاعر الصوفي سنائي الغزنوي:

اللسان الذي باح بالسرِّ المطلق *** كان الحلّاج في صيحته: أنا الحقُّ[11]!

ويقول الصوفي عبد الله الأنصاري: (بوح الواجد كقول الحلاج رحمه الله "أنا الحق")[12] [12]!

 

فتلاحظ أخي القارئ أنّ الحلّاج باح بقوله "أنا الحق" وقوله هذا هو سرُّهم المطلق، وهذا السر يجب أن يكون مكتومًا.

وتلاحظ أيضًا تلازم ذكرهم لهذين الاصطلاحين:

 "الشطح" و "الشطحات"

مع هذين العنوانين:

"كشف السر" و"الأسرار"

وهو ما يؤكد على أن معنى الشطح متعلِّقٌ بكشف سر عقيدتهم!

 

#طالب_علم

 



[1] - راجع اليوتيوب، قصتي مع علي صادق، ضيف الحلقة الشيخ علي المياحي، الدقيقة 50:30.

[2] - جاء في المصدر بلفظ (أمام).

[3] - جاء في كتاب "هل الشيخ المياحي يتبنّى التصوف"ص13 نقلا عن الشيخ المياحي في كتابه النفس في الشعر الصوفي، ص 139 وفي موضوع صفة (الكتمان) التي يجب أن يتحلَّى بها المتصوف، وأنَّ كشف سر الربوبية كفر عندهم. ثم قال الكاتب: نراه يقحم اسم الإمام علي بن الحسين عليه السلام مع اسمين من أعلام المتصوفة ممن أثاروا البلبلة في تراث الفكر الإسلامي فضلًا عن التضليل وفساد العقيدة هما: الحلاج ومحي الدين بن عربي، هذا ناهيك عن ذكر أبيات من الشعر منسوبة إلى الإمام عليه السلام. مما يوحي بتقديم الشيخ المياحي لاسم إمام معصوم في موضوع يخص المتصوفة بهدف أن يقول إنّ المتصوفة لا يخرجون عن دائرة الإئتمام بالمعصومين (عليهم السلام) وهو ما ذكره الشيخ المياحي بقوله: (الإمام علي بن الحسين الذي يعتقد المتصوفة أنه منهم وهو بالحق إمام المسلمين قاطبة) وهنا تكمن الخطورة.

[4] - حقيقة النفس، علي المياحي، 144-145، النفس في الشعر الصوفي، علي المياحي، ص138-139.

[5] - حقيقة النفس، علي المياحي، ص145.

[6] - نهج البلاغة ج 2 ص 148.

[7] - المناظر الإلهية، عبد الكريم الجيلي، ص81.

[8] - المثل الإلهية، كمال الحيدري، ص١٩٤.

[9] - مكاشفة القلوب، الغزالي، ص27.

[10] - جواهر التصوف، يحيى بن معاذ، جمع وتعليق سعيد عاشور، ص215.

[11] - نهاية العشق، عبد الله الفاطمي، ص27.

[12] - منازل السائرين، عبد الله الأنصاري، مع شرح عبد الرزاق الكاشاني، ص 109.