الثلاثاء، 14 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثالثة)

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثالثة)

 

ما معنى الشَّطْحِ عند العرفاء؟

 

يقول كمال الحيدري في تعليقه على كلمات البسطامي والحلاج: (إن الشَّطَحاتِ هي ضرب من كشف الأسرار التي لا يصح أن تُعرض لأي أحد وإنما لابُد من حصر الإفشاء بها إلى أهلها... كتمان السر هو من أوجب الشروط التي اشترطها العرفاء في السير والسلوك، وأن الإفشاء بها مخل بالهدف ومانع عن تحقيق المطلوب)[1].

 

إذًا معنى الشطح عند العرفاء هو كشف السر لا أن الذي قاله الحلّاج أو البسطامي مخالف لعقيدتهم!

والأمر الآخر هو عدم وجود هذا المصطلح -أي الكشف- عند غيرهم لذلك قال محقِّق كتاب اصطلاحات الصوفية لعبد الرزاق الكاشاني: (ما وجدتُ هذه المادَّة "الشطح" ولا معناها في كثير من المصادر الأصلية التي رجعت إليها للعثور عليها ككتاب العين وكتاب الجيم وديوان الأدب وجمهرة اللغة وصحاح اللغة ولسان العرب وتهذيب المنطق وكتاب تهذيب الألفاظ وشرح ابن هشام اللخمي على الفصيح، ولم يوجد أيضاً في المصادر المتأخرة كمصباح المنير ولا في المعاصرة كالمنجد)[2]!

 

وعلى هذا يكون مصطلح "الشطح" خاصًا بالمتصوِّفة، والمعنى عندهم كما قال أحدهم: (أن الماء إذا جرى في نهر ضيق فيفيض من حافتيه يقال شطح الماء في النهر)[3].

 

وهذا المعنى ذكره حافظ الشيرازي في حال الحلاج بقوله:

ذاك الذي فيض المعارف عنه قد فاحا *** كل ما جناه أنه بالسر قد باحا[4]

 

فتلاحظ أنه شبّه الحلاج بالمنبع الذي يفيض منه المعارف والعلوم، كما يفيض الماء من النبع، ولكن مشكلة الحلاج في كونه فاض بهذه المعارف في العلن وكشف سر عقيدتهم!

 

ويقول الدكتور رفيق العجم في "موسوعة مصطلحات التصوّف الإسلامي" عن معنى الشطح: (تعبير عما تشعر به النفس حينما تصبح لأول مرة في الحضرة الألوهية فتدرك أن الله هي وهي هو، ويقوم على عتبة الاتحاد ويأتي نتيجة وجد عنيف لا يستطيع صاحبه كتمانه فينطق بالإفصاح عنه لسانه، وفيه يتبين هذه الهوية الجوهرية فيما بين العبد الواصل والمعبود الموصول إليه فيتحدث على لسان الحق لأنه صار والحق شيئًا واحدًا)! ويضيف بعدها قائلاً: (وهذا هو الأصل في تحريم إذاعة ما يجري في النفس إبان هذه الحال، ومن أذاع فقد شطح)[5]!

 

إذاً، المعنى الصحيح للشطح عند العرفاء هو إذاعة السر لذلك قال الدكتور:(ومن أذاع فقد شطح) ولهذا يحرمون الإذاعة لكيلا يُكشف سرُّ عقيدتهم "وحدة الوجود والموجود" وقد لخصها الدكتور بقوله: (أن الله هي وهي هو) أي الله هو العبد والعبد هو الله! فمن كشف هذه العقيدة قالوا عنه بأنه شطح!

وعلل الدكتور سبب كشفها بقوله:(ويأتي نتيجة وجد عنيف لا يستطيع صاحبه كتمانه فينطق بالإفصاح عنه لسانه) وبرر هذا التصريح بقوله: (فيتحدث على لسان الحق -أي الله- لأنه صار والحق شيئاً واحداً)!

 

وهذا المعنى ذكره العرفاء أيضاً، فقد قال تقي الموسوي في كتابه قدوة العارفين: (ليس هو العارف الذي يتكلم، ولكن الذي ينطق هو الوجود البحت البسيط -أي الله-. فالعامة -أي الفقهاء- يظنونها كفراً، والخاصة -أي العرفاء- يسمونها شطحات، والعارف صادق حتى في شطحاته لأن الله هو الذي يتكلم، وحاشا للعارف أن يتكلف، فكلامه صدق لأن حالته هي تلك، والذي قال "أنا الحق" ليس هو الحلاج، ولكن الحلاج أفشى سر الربوبية عند الخاصة والعامة)[6]!

 

إذًا معنى الشطح كشف السر، والسر هو عقيدة "وحدة الوجود والموجود"، وقد كشف الحلّاج هذا السر للخاصة والعامة بقوله: "أنا الحق" والحلاج صادق في شطحاته لأن الله هو الذي يتكلم!

وكل العرفاء كالحلاج لا يختلفون عنه في العقيدة إلا أنه كان يجهر بها في العلن وهم يكتمونها أشد الكتمان خوفا من القتل!

وهذه هي الحقيقة التي أجراها الله سبحانه وتعالى على لسان علي القاضي الطباطبائي حين قال: (إنّ أساس مطالب منصور الحلاج هي نفس مطالب سائر العرفاء، وليس لديه شيء آخر دونهم لكنّه كان مُفشِيًا للأسرار الإلهيّة)[7]!

فلاحظ قوله: (هي نفس مطالب سائر العرفاء)! أي أنّ عقائد الحلّاج هي نفس عقائد سائر العرفاء! ويؤكد علي القاضي[8] على تطابق معتقدهم بقوله: (وليس لديه شيء آخر دونهم)! فالحلّاج يساوي سائر العرفاء.



أما عن الأسرار التي كشفها الحلاج، فهو لم يكشف إلا عن عقيدتهم "وحدة الوجود والموجود" حين قال "أنا الحق" و"ليس في جبتي سوى الله" والتي أدت إلى قتله كما أشار المياحي بذلك في كتابه "حقيقة النفس" حيث قال: (إن الحلاج أذاع سر الحب وكشف أسرار العشق وقد قيل إنّه دفع ضريبة ذلك بقتله)[9]!

 

فالأسرار التي يريد المياحي كتمانها وعدم البوح بها حين قال: (كشف أسرار الربوبية كفر وهتك أستار الألوهية زندقة) هي هذه التي أجراها الله على ألسنتهم من غير أن يشعروا، وقد فضحهم الحلاج كما قال الجنيد[10]!

 

#طالب_علم

 



[1] - مراتب السير والسلوك إلى الله، كمال الحيدري، ص96.

[2] - اصطلاحات الصوفية، عبد الرزاق الكاشاني، بتعليق محمد علي حكيم وتحقيق محسن عقيل، هامش ص123.

[3] - الحلَّاج في ما وراء المعنى والخط واللون، سامي مكارم، ص 142.

[4] - العرفان والدين والفلسفة، المطهري، ص361.

[5] - موسوعة مصطلحات التصوُّف الإسلامي، الدكتور رفيق العجم، ص497.

[6] - قدوة العارفين سيرة العارف حسن المسقطي، تقي الموسوي، ص145.

[7] - الروح المجرد، الطهراني ص444، طبعة دار المحجة البيضاء.

[8] - قال علي المياحي في كتابه النور الإلهي، ص352: (ومن مثل السيد علي القاضي قدس سره وهو العارف الذي لم تنجب المدرسة الشيعية أمثاله)!

[9] - حقيقة النفس، علي المياحي، ص145.

[10] - جواهر التصوف، يحيى بن معاذ، جمع وتعليق سعيد عاشور، ص215.