الثلاثاء، 6 أكتوبر 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة السادسة والأربعون) الخـــــاتمـــــة

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة السادسة والأربعون)

 

الخـــــاتمـــــة


 

بعد رحلة بحث ممتدة في بطون الكتب الصوفية والمصنفات العرفانية فقهنا من خلالها معنى سر عقيدة العرفاء المتمثلة في وحدة الوجود، وسبب كتمان العرفاء لهذا السر وخوفهم من الجهر به، وكذلك علاقة هذا السر بمعنى الشطح عند العرفاء، والذي تبين أن معناه كشف السر وليس كما يتوهم بعضهم من مخالفة تصريحات الشاطحين!

وتبينت كذلك العلاقة بين الأبيات المنسوبة وبين سر العرفاء واستغلالها لتشريع كتمان عقيدتهم الكفرية، ثم عرجنا على معاني مفردات الأبيات الشعرية وما ذكره العرفاء والمتصوفة عن مضمونها وعلاقتها بعقيدتهم وحدة الوجود، وعرضنا في المقابل بعض أقوال العلماء والباحثين عن مضمونها ومخالفته للقرآن الكريم والسنة المطهرة.

ثم وصلنا إلى لبِّ البحث وهو لمن هذه الأبيات الشعرية؟ والتي تنسب - حسب بحثنا القاصر - إلى اثني عشر شخصًا، ناقشنا كل نسبة على حدة، حتى وصلنا - من خلال البحث - إلى النسبة الأقوى سندًا ودلالة من بين كل النسب.

فتبين من خلال هذا البحث بطلان نسبة الأبيات المشبوهة إلى الإمام زين العابدين عليه السلام من جميع النواحي:

أولًا: كتمان العلم يصادم منهج القرآن الكريم والعترة الطاهرة، فالأصل هو البيان لا الكتمان المطلق، فالأبيات تصوِّر المعصوم كاتمًا على نحو مُطلق للعلم الذي وُصف بأنه جواهر أي دقائق ذات قيمة وشأن وهذا مرفوض، فلا كتمان للعلم والهدى بل إظهار له بحسب مستوى ذهن المتلقي، طبعًا عدا حالات التقيَّة وهي مؤقتة لا مُطلقة، وتلك موضوع آخر.

 

ثانيًا: نسبة الوثنية إلى علم المعصوم بحيث إذا أظهر علمه فسيقال له إنه ممن يعبد الوثن، وهذا يعني أنّ علمه ليس علم هدى، لأنَّ كلام الهدى هو الكلام المنسجم مع القرآن الكريم، فكيف يكون علم المعصوم سببًا في اتِّهامه بالوثنية؟!

 

ثالثًا: مضمون الأبيات بعيد كل البعد عن لغة "الصحيفة السجادية" وقريب من كلمات الحلاج وشطحيات شيوخ المتصوفة، فهي توافق في ظاهرها ذوق المتصوفة في كتمان أسرار الكفر والزندقة المتمثلة في وحدة الوجود والموجود التي يرفضها أهل البيت عليهم السلام رفضًا قاطعًا.

 

رابعًا: لا يوجد مصدر شيعي واحد معتمد ينقل هذه الأبيات فضلًا عن روايتها بسند متصل إلى المعصوم، بل حتى المصادر الصوفية ذكرتها مرسلة بلا أسانيد!

 

خامسًا: عدم ثبوت هذه النسبة حتى عند أهل الخلاف، بل رفضها بعض علمائهم بشكل صريح.

 

سادسًا: اختلاف المتصوفة فيما بينهم في نسبة هذه الأبيات اختلافًا كثيرًا، وهذا دليل قاطع على عدم ثبوتها عن الإمام زين العابدين عليه السلام، ولو كانت ثابتة عنه لنقلوها بسند متصل ولم يختلفوا فيها كل هذا الاختلاف.

 

سابعًا: أول مصدر نسبها للإمام زين العابدين عليه السلام هو كتاب "منهاج العابدين" المؤلف في القرن السادس أو السابع الهجري، المنسوب للغزالي المتوفى 505هـ ولصوفي مغمور يسمى علي المسفر السبتي المعاصر لابن عربي المتوفى 638هـ، بينما الأبيات أقدم من ذلك بكثير، إذ رواها الخطيب البغدادي المُتوفَّى 463هـ بسند متصل إلى كلثوم بن عمرو العتابي المتوفى 220هـ أو 208هـ.

 

ثامنًا: شهادة عدد من الباحثين كالدكتور الشيبي والدكتور مسعد العطوي والشيخ جويا جهانبخش والباحث نبيل الكرخي وغيرهم بنسبة الأبيات إلى الشاعر كلثوم العتابي ونفوا بشكل قاطع نسبتها للإمام زين العابدين عليه السلام.

وبهذا يتبين على وجه القطع بطلان ما ادَّعاه بعضهم من نسبة هذه الأبيات للإمام زين العابدين عليه السلام.

هذا وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 

#طالب_علم