السبت، 5 سبتمبر 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثانية والأربعون)

 


#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثانية والأربعون)

 

هل يوجد لهذه النسبة سندٌ معتبر؟

 


قد أجاب الشيخ جويا جهانبخش على من ينسبها للإمام بقوله: (إن الذي يُضعِّف نسبة هذه الأبيات إلى سيد الساجدين عليه السلام بشكل جاد، بل الذي يردُّ هذه النسبة وينكرها، هو مناقشتها من الناحية السندية، بمعنى: هل هناك من سَنَدٍ معتبر يُثبت نسبة هذه الأبيات وصدورها عن الإمام السجاد أم لا؟ أو ما هي أقدم النصوص والمصادر التي اشتملت على "مستند" نسبة هذه الأبيات إلى هذا الإمام الهُمام؟ وهل النسبة التي تذكرها هذه المصادر جديرةٌ بالوثوق أم لا؟ أو هل هناك من "سند" أو "مستند" آخر في الجهة المقابلة يثبت نسبة هذه الأبيات إلى أشخاصٍ آخرين؟ وبالتالي ما هو الراجح من بين هذه الأقوال عند وضعها على كفّتي الميزان، والمقارنة فيما بينها؟)[1].

 

ويضيف قائلاً: (الحقيقة أن هذه الأبيات لم تَرِدْ في المصادر الأصلية والأصيلة في سِيَر وأخبار وأحاديث الشيعة. ومن هنا لا نراها حتّى في الموسوعة القيمة للعلَّامة محمد باقر المجلسي رحمه الله، أعني بذلك موسوعة بحار الأنوار. وبطبيعة الحال لم يكن هناك ـ للأسف الشديد ـ سوى القليل ممَّنْ حذَّر من الاستشهاد والاستناد إلى هذا النوع من الأشعار؛ بالالتفات ـ في الحدِّ الأدنى ـ إلى افتقارها للدعامة الموثوقة. وإن من بين النوادر الذين التفتوا إلى ضعف رواية "سند ومستند" هذا الشعر، وضعَّف دلالته على بعض المقاصد والمفاهيم المدَّعاة، ولفت الانتباه إليها، هو العالم المدقِّق الشيخ أبو القاسم الكازروني، المعاصر للعهد الصفوي).

 

قال الكازروني في المرقوم الثالث من كتاب سلم السماوات في بيان وحدة الوجود: (وكذلك لم يكن مثل هذه الكلمات مسموعًا في شرائع الأنبياء عليهم السلام، ولم يُنقل عن الأئمة الأطهار عليهم السلام والنوَّاب الأربعة لصاحب العصر والزمان عليه السلام والمشايخ العظام من علماء الإمامية المخصوصين بظهور الكشف والكرامة، وحفظ أسرار النبوّة والولاية. وما نقل عن الإمام الرابع عليّ زين العابدين عليه السلام أنه قال شعرًا:

إنّي لأكتم من علمي جواهرَه * كي لا يرى الحقَّ ذو جهلٍ فيفتتنا

وقد تقدَّم في هذا أبو حسنٍ * إلى الحسين ووصَّى قبله الحسنا

يا رُبَّ جوهر علمٍ لو أبوح به * لقيل لي: أنت ممَّنْ يعبد الوثنا

وما يُشير إلى هذه المعاني ضعيف الرواية والدلالة)[2].

 

ثم يعلِّق الشيخ جويا جهانبخش: (إن المسألة الأخيرة والدقيقة التي أثارها الكازروني تستحقُّ الكثير من الاهتمام. فقد أدرك الكازروني أن بعضًا من المتصوِّفين والمتفلسفين ومَنْ إليهما يعمدون إلى طرح مدَّعيات تفتقر إلى الدعامة المتينة من النصوص الشرعية، وقد تكون أحيانًا غير منسجمة مع هذه النصوص، ثمّ يستشهدون بأمثال هذه الأبيات، في سعيٍ منهم إلى القول بأن هذه المدَّعيات إنّما هي من أسرار الإمامة والولاية. من هنا يعمل الكازروني، من خلال نقده، على توجيه الأنظار إلى أن "رواية" و"دلالة" هذا الشاهد "ضعيفة"، بمعنى أنه لا نسبة هذا الكلام المنظوم إلى الإمام زين العابدين عليه السلام ثابتة، ولا هذا الكلام يدلُّ بوضوحٍ على ما يقصده المدَّعون؛ إذ على فرض صدور هذا الكلام عن الإمام السجاد عليه السلام مع ذلك لا يمكن أن نحدِّد ما هو مراده من تلك الجواهر "جواهر العلم" التي يتعذَّر فهمها وإدراكها. إن الدقّة التي بذلها الكازروني في هذا المقام ـ وإنْ لم يكن قد جاء فيها بعمل معجز، من قبيل: شقِّ القمر! إلّا أن هذه الدقّة تكفي لجعله مبرَّزًا ومتقدِّمًا على أقرانه من علماء عصره ـ كان من الأجدر أن يعمِّمها على مؤلَّفات بعض آخر من العلماء المحدِّثين والمتبحِّرين في ذلك العصر، الذين رأينا منهم ـ للأسف الشديد ـ استشهادًا بهذه الأشعار، دون أن يدقِّقوا في ضعفها دلالةً ورواية)[3].

 

وبهذا يبطل نسبتها من الناحية السندية، فليس هناك سند معتبر يثبت صدورها عن الإمام السجاد عليه السلام.

 

#طالب_علم


[1] - مجلة نصوص معاصرة، عدد 42-43، مقال بعنوان" نقد الانتساب لأهل البيت" للشيخ جويا جهانبخش، ص309.

[2] - المصدر السابق، ص310.

[3] - المصدر السابق، ص310-311.