الجمعة، 17 يوليو 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الخامسة)

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الخامسة)

 

ما هي علاقة الأبيات المنسوبة بسِرِّ العرفاء؟

 

إنّ الأبيات التي نسبها المياحي إلى الإمام زين العابدين عليه السلام -على نحو الجزم- في لقائه على القناة الرابعة العراقية وكذلك في بعض كتبه[1]، يذكرها المتصوِّفة في هذا السياق، أي كتم السر، فقد جاء في شرح الحكم العطائية للشرقاوي قوله: (يجب مراعاة حال السائل فقد لا تكون في بعض السائلين أهلية للمسؤول عنه، فتكون إجابة مثله من الجهل وتعبيره عن كل مشهود له فيه نوعٌ من إفشاء السر الذي يجب كتمانه... والسر أمانة الله تعالى عند العبد، فإفشاؤه بالتعبير عنه خيانة...وقد يكون فيها ما لا يصح ذكره لِما يلزم عليه من الضرر والإفساد وإنكار الناس له... قال علي بن الحسين بن علي رضي الله عنه:

يا رب جوهر علم لو أبوح به *** لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا

ولَاستحلَّ رجالٌ مُسلِمون دمي *** يرون أقبح ما يأتونه حسنا

إني لَأكتُم من علمي جواهره *** كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

وقال أبوهريرة رضي الله عنه: "حفظتُ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جرابين من العلم، أمّا أحدهما فبثثتُه للناس، وأمّا الآخر فلو بثثتُه لقطعتم مني هذا الحلقوم"، ولذا قُتل الحلاج بإفشاء شيء من ذلك حيث قال: ما في الجبة إلا الله...)[2]!

 


وكذلك ذكر دحلان في كتابه سراج الطالبين عند شرحه لهذه الأبيات قوله: (قتلوا منصور الحلاج بإفشاء شيء من ذلك حيث قال: "ما في الجبة إلا الله"...)[3]!

 

وكذلك ملا صدرا ذكر الأبيات في سياق استخدام مثل هذه الشطحات الصوفية حيث جاء في كتابه مفاتيح الغيب: (قال الجنيد: لا يبلغ أحد درج الحقيقة حتى يشهد ألفُ صديق بأنه زنديق، وذلك لأنهم يعلمون من الله ما لا يعلمه غيره... وإلى هذا العلم أشار علي بن الحسين عليه السلام بما اشتهرت نسبته إليه أنه قال: یا رب جوهر علم لو أبوح به...)[4]!

 


وقد تقدم تصريح كمال الحيدري باستخدام الأبيات المنسوبة وربطها باستخدام العرفاء والمتصوفة للغة الرمز والإشارة فقال: (اعتاد الأقدمون من أهل الأسرار على تضمين معارفهم الحقة في قوالب الرموز حتى أضحت لغة تخصهم دون غيرهم، وما ذلك إلا حرصًا منهم على كرامتها فلا تنتهك من قبل الجهلة، وأرواحهم فلا تسفك بيد متقرب إلى الله تعالى بجهله أو عماه عن رؤية ما يشع من كلماتهم من نور يتلألأ، وما ينسب إلى الإمام السجاد علي بن الحسين لما فيه الغنى والكفاية عن بيان هذه الحقيقة المرة...) ثم ذكر الأبيات[5]!

 

وجاء في كتاب " حل الرموز ومفاتيح الكنوز" للعز بن عبد السلام بعد ذكره للأبيات المنسوبة قوله: (أما أهل التمكين فإنهم علموا وكتموا ما علموا لما يعلمون من ضعف احتمال عقول أطفال العقول فلهذا إنّ الحلاج لما علم شيئاً من هذا العلم وتفوه به أبيح دمه، وكان خطؤه من حيث إظهاره ما يُكتتم وإعلانه بما يُسَر، فكان حكم من باح أن دمه يباح)[6]!

 

فتلاحظ هنا أن العرفاء والمتصوفة يستخدمون هذه الأبيات تبريرا لأسرارهم الكفرية، مثل كلمات الحلاج (أنا الحق) و(ليس في جبتي سوى الله) وغيرها، وأن الخطأ الوحيد للحلاج عندهم هو التصريح بعقيدتهم في العلن وليس في أصل العقيدة!

لذلك قال العارف عبد الله الفاطمي: (ترد حكاية الحلاج وتقدُّمه إلى المشنقة ـ في بعض المناسبات ـ مثلًا على إفشاء الأسرار، والبوح بالمعاني التي لا تدركها أفهام العامَّة، يقول حافظ: "قال ذلك العاشق -أي الحلاج- شيئًا فَنُبَتْ له المشنقة جزاء بَوْحه بالأسرار")[7]!

 

فكأنّ حافظ الشيرازي يشرح عبارة العز بن عبد السلام - كان حُكم من باح أن دمه يباح- فقال إنّ مقتل الحلاج كان جزاءً لبوحه بالأسرار لا أنه نكالًا لتصريحه بالكفر! لأن هذا الذي يحسبه الفقهاء كفرًا ليس بكفر عند العرفاء، بل هو أعلى درجات العرفان[8] ولكن لا تدركه أفهام العامة!

 

والخلاصة أن المتصوفة استخدموا هذه الأبيات ونسبوها للإمام السجاد عليه السلام كذبًا وزورًا لإضفاء الشرعية عليها وتبريرًا لأسرارهم الكفرية!

 

#طالب_علم



[1] - حقيقة النفس، 144-145، النفس في الشعر الصوفي، ص138-139، النور الإلهي، ج2 ص477، الفيض الإلهي، ج1ص148.

[2] - المنح القدسية على الحكم العطائية، عبد الله الشرقاوي، الحكمة رقم80، ص131.

[3] - سراج الطالبين، إحسان دحلان، ج١ص٣٦.

[4] - مفاتيح الغيب، ملا صدرا الشيرازي، طبعة دار المحجة البيضاء، ص102-103، وفي طبعة مؤسسة التاريخ العربي، ص121.

[5] - المثل الإلهية، كمال الحيدري، ص١٩٤.

[6] - حل الرموز ومفاتيح الكنوز، بتحقيق الدكتور محمد بوخنيفي، ص158، وفي طبعة أخرى بعنوان: زبد خلاصة التصوف المسمى حل الرموز ومفاتيح الكنوز، العز بن عبد السلام، تحقيق محمد الشاغول، ص١١٥.

[7] - نهاية العشق، عبد الله الفاطمي، ص26.

[8] - قدوة الفقهاء والعرفاء، تقي الموسوي، هامش ص235.