#تنزيه_زين_العابدين
(الحلقة الرابعة
والأربعون)
مـن هــو صـــــاحب
الأبيــــــات؟
بغض النظر عن كون كتاب "منهاج العابدين" للغزالي أو
للسبتي، وأُلِّف في القرن السادس أو السابع، فإن الأبيات نفسها قد سبقت تأليف
الكتاب، حيث نسبها الخطيب البغدادي المتوفى 463هـ في تاريخه إلى الشاعر أبي عمرو
كلثوم بن عمرو العتابي المتوفى سنة 220هـ وقيل 208هـ.
فقد جاء في تاريخ بغداد في ترجمة العتابي، قال الخطيب: (أخبرني أبو
الحسن محمد بن عبد الواحد: حدَّثنا أبو الفضل محمد بن عبد الله الشيباني قال:
حدَّثني كلثوم بن عمرو بن كلثوم التغلبي قال: أنشدني أبي أن جدَّه كلثوم بن عمرو
أنشده لنفسه:
إني لأخفي من علمي
جواهره *** كي لا يرى العلم ذو جهلٍ فيفتتنا
ورُبَّ جوهر علمٍ
لو أبوح به *** لقيل لي: أنت ممَّنْ يعبد الوثنا
ولَاستحلَّ رجالٌ
ديِّنون دمي *** يرَوْن أقبح ما يأتونه حَسَنًا
وقد تقدَّم في هذا
أبو حسنٍ *** أوصى حسينًا بما قد خبَّر الحسنا[1]
وقد توصل الباحثون إلى أن "تاريخ بغداد" هو أقدم مصدر
تاريخي معتمد لهذه الأبيات، بالإضافة إلى كونها مسندة إلى قائلها بعكس الأقوال
الأخرى المرسلة[2].
لذلك اعتمد الدكتور كمال مصطفى الشيبي هذا المصدر في نسبة الأبيات إلى
العتابي ونفي كونها للإمام، قال في شرحه لديوان الحلاج: (إن هذه المقطعة قد
تداولتها عشرات الكتب ناسبة إياها إلى الإمام زين العابدين وهي في الحق للعتابي
أبي عمرو كلثوم بن عمرو الشاعر الأديب المتزهد الذي اتُّهم بالزندقة أيام
الرشيد... وقد كان العتابي يصانع العامة ويجاملهم في الظاهر لكنه كان يحتقرهم
ويخشاهم ويبدو أن هذه الأبيات نتيجة لتجربة عاناها منهم. وكانت ثمرة قوله لها أن
رُمي بالزندقة والرفض فطلبه الرشيد فهرب إلى اليمن)[3].
وأكد في كتابه الصلة: (وهذه النسبة أقرب إلى الصواب، إذ كان العتابي
مُتَّهمًا بالزندقة)[4].
وبيَّن الدكتور مسعد العطوي سبب إنشادها فقال: (صارت تهمة الزندقة
وسيلة من وسائل الانتقام في ذلك العصر... لذا فإن الطاعن والحاقد عليه يكاد يجد
الحجة له على العتابي، كما أن علمه بالفارسية وغرابته على العرب، واتصاله
بالبرامكة وآل طاهر وغيرهم يزيد من التهمة، وقد أدرك ذلك بنفسه فتحاشى بعض الأفكار
خوفًا من اتهام الناس له فقال: إني لأخفي من علمي جواهره...) إلى آخر الأبيات[5].
وقال محمود القاسم عند ذكره للأبيات: (مما ينسبونه لزين العابدين وهو
في الواقع لكلثوم بن عمرو العتابي توفي عام 220)[6].
وذهب الشيخ جويا جهانبخش إلى أن صاحبها الحقيقي هو العتابي، حيث قال: (هناك
في مقابل هذا الركام من النقول غير المسندة، والتي تعود جذورها في الغالب ـ إذا لم
نقل بشكلٍ كامل ـ إلى التصوُّف والتسنُّن، هناك نقلٌ معنعن قديم، يبدو أنه
يعرِّفنا بالقائل الحقيقي لهذه الأبيات، وهو نقل الخطيب البغدادي... في تاريخ
بغداد، في بيان أحوال أبي عمرو كلثوم بن عمرو العتابي، قائلًا: "أخبرني أبو
الحسن محمد بن عبد الواحد: حدَّثنا أبو الفضل محمد بن عبد الله الشيباني قال:
حدَّثني كلثوم بن عمرو بن كلثوم التغلبي قال: أنشدني أبي أن جدَّه كلثوم بن عمرو
أنشده لنفسه...) ثم ذكر الأبيات[7].
ويرى الشيخ جويا جهانبخش أن الصوفية والغلاة استغلوا الأبيات واستشهدوا
بها في قضايا أخرى حيث قال: (وإن قوله -ويقصد العتابي"إنِّي لأكتم من علمي
جواهرَه…" إنما هو في حقيقة الأمر نجوى مفكِّر مستنير يشكو ما يلاقيه من
أبناء عصره. ثمَّ فيما بعد عمد الصوفية إلى إخراجها عن إطارها، وأخذوا يستشهدون
بها على قضايا أخرى، حَظِيَتْ بعد ذلك باستقبال الغلاة أيضًا، ولا سيَّما بعد
نسبتهم ذلك خطأً إلى الإمام زين العابدين عليه السلام أيضًا، حيث اصطبغت بصبغةٍ
دينية، ليستندوا إليها في إطار نشاطهم الفكري، وتسويق اتجاهاتهم واستنباطاتهم
الغالية)[8].
وكذلك الباحث نبيل الكرخي ذهب إلى أن أصل الأبيات للشاعر كلثوم بن عمرو
العتابي حيث قال: (وأقدم مصدر معروف ذكر هذه الأبيات هو كتاب تاريخ بغداد لأبي
بكر أحمد بن علي بن ثابت المعروف بالخطيب البغدادي (متوفى 463هـ)، وذكر أن هذه
الأبيات هي للشاعر كلثوم بن عمرو العتابي التغلبي، حيث جاء فيه: "كلثوم بن
عمرو، أبو عمرو العتابي: كان شاعرًا خطيبًا بليغًا مجيدًا، وهو من أهل قنسرين وقدم
بغداد ومدح هارون الرشيد وغيره من الخلفاء والأشراف، وله رسائل مستحسنة، وكان
يتجنب غشيان السلطان قناعة وتنزها، وصيانة وتقززا. وكان يلبس الصوف ويظهر
الزهد"...) وبعد ذكره للأبيات قال: (هذا هو أصل الشعر، ثم فجأة يظهر
هذا الشعر في أحد مؤلفات أبي حامد الغزالي الصوفي والشافعي المذهب (متوفى 505هـ)،
ناسبًا إياه للإمام علي السجاد عليه السلام)[9]!
ويذهب الكرخي أيضًا إلى أن المتصوفة استغلوا أبيات العتابي وشرحوها على
طريقتهم، حيث قال: (هكذا يستغل المتصوِّفة شِعر عمرو بن كلثوم العتابي فينسبونه
للإمام السجاد عليه السلام كما ينسبون طريقتهم كلها له ولبقية أئمة آل البيت
الأطهار عليهم السلام افتراءً عليهم!! ثم يروِّجون بين الناس أنهم أصحاب
"أسرار" و"علوم باطنية" و"علوم خاصة" و"عقيدة
الخواص وخواص الخواص" وأن التصوُّف يتطلب "محققين في المعرفة
بالأسرار" وأنَّ "هذه العلوم لا يتحملها غيرهم"! وأنَّ
"النفوس تتفاوت حسب جبلاتها واستعداداتها في تلقي الحقائق الراهنة" ...
وما هي إلا تعابير يحاولون التأثير بها على نفسية وذهنية المتلقي ليتقبَّل أفكارهم
هذه والتي لا يمكن لمسلم ملتزم بالتوحيد والعترة الطاهرة صلوات الله عليها
ومقتصرًا عليهما في معارفه أن يتقبلها)[10].
وبهذا يتبيَّن للقارئ الكريم أنَّ هذه الأبيات ليست للإمام زين العابدين
عليه السلام كما روَّج العرفاء والمتصوفة إنما هي للشاعر كلثوم بن عمرو العتابي،
فنِسبتُها إليه هي أقوى نسبة للأبيات سندًا ودلالة، فهي النسبة الوحيدة المُسندَة
إلى قائلها بعكس النِّسب الأخرى لوجود سند متصل في "تاريخ بغداد"،
ولكونها توافق حال العتابي وما رُمي به من تهمة الزندقة.
#طالب_علم
[1] - تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي،
ج12 ص487.
[2] - هناك مصدرٌ أقدمُ من
"تاريخ بغداد" وهو "ديوان الأحنف العكبري" والذي جمعه الحسن
بن شهاب العكبري الحنبلي المُتوفَّى 428هـ، إلا أن نسبة الأبيات إلى الأحنف مشكوكٌ
فيها جدًا، بسبب إدخالها في ديوانه مع التصريح بأنها "تُروى للصادق عليه السلام"،
وبسبب سوء حالة المخطوطة وتصرف المحقق بالحذف والتعديل، ولاضطراب النسبة وعدم وجود
سند متصل إلى الإمام الصادق عليه السلام، بخلاف نسبة "تاريخ بغداد"
فإنها مسندةٌ مُعنعنةٌ إلى كلثوم بن عمرو العتابي المتوفى 220هـ أو 208هـ، فتبقى
هي الأقوى والأقدمُ ثُبوتًا.
[3] - شرح ديوان الحلاج، الدكتور
كامل مصطفى الشيبي، ص508-٥٠٩.
[4] - الصلة بين التصوف والتشيع، ج١
هامش ص172.
[5] - العتابي حياته وأدبه، مسعد
العطوي، ص48.
[6] - الكشف عن حقيقة الصوفية، محمود
عبد الرؤوف القاسم، ص18.
[7] - مجلة نصوص معاصرة، عدد 42-43،
مقال بعنوان" نقد الانتساب لأهل البيت" للشيخ جويا جهانبخش، ص315-316.
[8] - المصدر السابق، ص317.
[9] - مقال بعنوان: إفتراء صوفي على
الإمام السجاد عليه السلام/ للكاتب نبيل الكرخي.
[10] - المصدر السابق.
.jpg)