السبت، 5 سبتمبر 2026

تنزيه زين العابدين (الحلقة الثالثة والأربعون)

 

 

#تنزيه_زين_العابدين

 

(الحلقة الثالثة والأربعون)

 

من نسب الأبيات إلى الإمام السجاد عليه السلام؟

 

إنَّ أقدم مصدر نسب هذه الأبيات إلى الإمام زين العابدين عليه السلام هو كتاب "منهاج العابدين" المنسوب للغزالي، ولا يوجد أي مصدر قبله نسبها إليه، ومن هذا الكتاب انتشرت النسبة بين الصوفية، ومن ثم تسللت من خلال بعض العرفاء في القرن الثامن إلى الداخل الشيعي. والكتاب منسوب لأبي حامد الغزالي المتوفى سنة 505هـ.

 

وقد نفى ابن عربي نسبة هذا الكتاب إلى الغزالي، حيث قال عبد الرحمن بدوي في كتابه "مؤلفات الغزالي": (وقد أثير كثير من الجدل حول صحة نسبة الكتاب إلى الغزالي والسبب في هذا الجدل هو أنّ محيي الدين ابن عربي في كتابه "محاضرات الأبرار ومسامرة الأخيار" ينسبه إلى أبي الحسن علي المسفر السبتي، وكان زاهدًا مغمورًا، لقيه ابن عربي بسبتة، وقال إنه هو مؤلف "منهاج العابدين" و "رسالة النفخ والتسوية" اللذين ينسبان كلاهما للغزالي بل والصحيح أنهما ليسا للغزالي بل لأبي الحسن علي المسفر السبتي هذا فيما يزعم ابن عربي)[1]!

 


وهذا نص ابن عربي في محاضرة الأبرار: (كان هذا الشيخ المسفر جليل القدر حكيمًا عارفًا غامضًا في الناس مخمول الذكر، رأيته بِسَبْتَةَ، له تصانيف منها منهاج العابدين يعزى لأبي حامد الغزالي وليس له وإنما هو من مصنفات هذا الشيخ...)[2]!

وبحسب تصريح ابن عربي يكون الكتاب قد أُلِّف في القرن السابع وليس السادس، لأن المؤلف معاصر لابن عربي المتوفى 638هـ!

 

ويقول عبد الله كنون:(أن كتاب منهاج العابدين لم يذكره ابن السبكي في جملة مؤلفات الغزالي أثناء ترجمته له في طبقات الشافعية، وقد لاحظ ذلك السيد مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء وأشار إلى مقالة ابن عربي هذه. وقد يعني ذلك أن نسبة الكتاب إلى الغزالي لم تكن معروفة في كل الأوساط بحيث خفيت على ابن السبكي فلم يذكره ولو بهذه الصفة وذلك مما يرجح أنه ليس من مؤلفاته)[3].

وهذا نص ما ذكره الزبيدي في كتابه: (منها منهاج العابدين إلى جنة رب العالمين...قلت: لم يذكره ابن السبكي في تعداد مصنفاته، ورأيت في كتاب المسامرة للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي قدس سره ما نصه أن الشيخ أبا الحسن علي بن خليل السبتي كان عالمًا بالحقيقة عارفًا مخمول الذكر رأيته بسبتة وتباحثت معه، ورأيت له تصانيف منها منهاج العابدين الذي يعزى إلى أبي حامد الغزالي وليس له وهو غريب يستفاد)[4].

 


وأضف إلى ذلك ما ذكره المستشرق أسين بلاثيوس في كتاب "روحية الغزالي" حين قال: (إن كتاب "منهاج العارفين" غير كتاب "منهاج العابدين") ثم يعلِّق عبد الرحمن بدوي على ذلك بقوله: (بَيْدَ أنه يرى أن كتاب "منهاج العابدين" منحول وليس للغزالي لعدم الاتفاق بين عنوان الكتاب ومضمونه، ولخلوه من ذكر شيء من مؤلفات الغزالي، على عادة الغزالي)[5]!

 

فكتاب "منهاج العابدين" منحول بحسب رأي المستشرق أسين بلاثيوس، وكذلك ماسينيون في كتابه "عذاب الحلاج"[6] وقد شكك في نسبة الكتاب للغزالي[7]، ولم يذكره السبكي ضمن مؤلفات الغزالي، وهذا يؤكد ما ذكره ابن عربي من كون الكتاب للصوفي المغمور علي المسفر السبتي!

 

ومن جهة أخرى أصرَّ البعض على كون كتاب "منهاج العابدين" للغزالي وذكروا عدة أدلة منها: أن الذين ترجموا للغزالي عزوا هذا الكتاب له، وأن مقدمة الكتاب تشير بوضوح إلى أن مؤلفه هو الغزالي، وأن الكتاب هو حلقة في سلسلة كتب الغزالي الوعظية، وأن الإشارات الواردة في الكتاب والتي تعيد القارئ إلى مؤلفات سابقة للغزالي تدل على صحة نسبة الكتاب له...إلى غيرها من الأدلة التي ساقوها للدلالة على كون الكتاب للغزالي[8].

 

فتلاحظ أخي القارئ حال أول وأقدم مصدر ينسب الأبيات المشبوهة للإمام زين العابدين عليه السلام، فهو يُنسب لشخصيتين من الصوفية أحدهما الغزالي الشافعي، والثاني صوفي مغمور لا يزكيه إلا زنديق مثل ابن عربي، هذا عدا كون الأبيات ذُكرت في الكتاب مرسلة من غير سند متصل أو مصدر يُعزى إليه!

 

#طالب_علم


[1] - مؤلفات الغزالي، عبد الرحمن بدوي، ص237.

[2] - محاضرة الأبرار، ابن عربي، ج1ص161.

[3] - مجلة المناهل، العدد 22، مقال بعنوان: أبو الحسن المسفر فيلسوف سبتي من عهد الموحدين، ص426.

[4] - إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، الزبيدي، ج1 ص59.

[5] - مؤلفات الغزالي، عبد الرحمن بدوي، ص248.

[6] - مقدمة منهاج العابدين، بتحقيق محمد إبراهيم الأزهري، ص22 نقلا عن عذاب الحلاج، ج2ص20.

[7] - مقدمة منهاج العابدين، بتحقيق محمد إبراهيم الأزهري، ص22.

[8] - راجع منهاج العابدين، بتحقيق الدكتور محمود مصطفى حلاوي، ص24.