الأربعاء، 15 يوليو 2015

لله ثم للضمير وقفةٌ مع السيد منير "الحلقة الحادية عشر"



بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجّل فرجهم والعن أعداءهم
في تسجيل مرئي للسيد منير الخبّاز تحدّث عن الفرق بين التصوّف والعرفان وأن بعض الناس يخلط بينهما ثم تطرّق إلى رواية عن مستدرك الوسائل في ذم المتصوّفة وقدح في سندها, وعرّج على المتصوّفة فقال لا يوجد لدينا دليل يشهد بأنّ طرقهم ترجع إلى الأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم, فالذم الموجود في الرواية لو سلّمنا بصدورها فإنّ المقصود به هم هؤلاء المتصوّفة وليس عرفاء الشيعة الذين يعتمدون على معطيات العرفان الواردة في روايات أهل البيت عليهم السلام...
وسيعرف القارئ الكريم بإذن الله تعالى من خلال هذا المقال معنى التصوّف والصوفية وعلاقة عرفاء الشيعة بالمتصوّفة وهل كان العرفاء يعتمدون على روايات أهل البيت عليهم السلام كما ادعى السيد منير أم لا, وسنناقش بإذن الله تعالى ما ذكره حول سند الرواية ودلالتها.
وكما هي عادتنا في التوثيق نطرح بين أيديكم أولاً مقطع التسجيل المرئي :
يقول السيد منير: نجي إلى السؤال الثالث مَا الفرق بين التصوّف والعرفان ؟ ربما يخلط البعض بين التصوّف والعرفان ويعتبر العرفان هو التصوّف, والتصوف قد ورد ذمه في الروايات, مثلًا: إقرأ هذه الرواية في مستدرك الوسائل الجزء الثاني عشر عن ابن أبي نصر البزنطي عن الرضا علي السّلام قال: "قال رجلّ من أصحابنا للصادق قد ظهر فِي هذا الزمان -يعني في زمانِ الِإمام الصادق- قومٌ يُقال لهم الصوفِية، فما تقول فِيهم؟، قال إِنهُم من أعدائنا فمن مال إِليهم فهُو منهُم وسيحشر معهم، وسيكون أقوام يدعون حُبنا ويميلون إليهم وَيتشبهون بهم وَيُلقبون انفسهم بألقابهم ويُؤولون أقوالهم, ألا فمن مَال إليهم ليس منّا وإِنّا منهُم براء"  نجي احنا إلى الفرق, هذه الرواية طبعاً لا نبني على صحة سندها لان المحدث النُّوري في المستدرك نقلها عن حديقة الشيعة للأردبيلي ولم تثبت نسبة الكتاب إلى الأردبيلي كما لم يذكر لها سندًا مُتصلًا، ولكن على فرض صحتها فهِي تذم التصوّف وهو غير العرفان.
التصوّف وهو عبارة عن رياضات متوارثة تجري وفق سلسلة من السند يدعي أصحابها ان السلسلة تنتهي إلى الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام أو إلى الإمام زين العابدين عليه السلام لكن احنا ما وجدنا دليلاً يشهد على رجوع الطرق التي يمارسها الصوفية إلى الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين لذلك ما ورد عن الصادق من الذم, ذمٌ للمتصوّفة الذين اعتمدوا طرقاً في العبادة ليست مأخوذة عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله, وأما العرفاء فهم لا، يعتمدون على أي رواية وعلى أي كلام لااا , العرفاء يعتمدون على المعطيات الروحية المستفادة من روايات أهل البيت ومن الأدعية الشريفة, دعاء أبي حمزة والصحيفة السجادية, أدعية الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام, لا يستندون إلى هذه الطرق المجهولة المصدر..

أقول : كثيراً ما يلجأ بعضهم للطعن في الروايات والغمز في سندها إذا كانت لا توافق هواهم أو يؤولونها على خلاف الظاهر إذا لم يستطيعوا الطعن في السند! وخصوصاً إذا كانت الرواية تطعن في الشخصية التي يقدسونها, أو هي فضيلة لشخصية لا يروق لهم أو تخالف الفكرة التي يعتقدون بها, كما يفعل المخالفون مع روايات ذم بعض الصحابة أو روايات فضائل أمير المؤمنين عليه السلام.
فيبدأ أولاً بالطعن في السند وتكذيب الروايات وإذا لم يستطع تبدأ وسوسة شياطين التأويل والتبرير! فمثلاً حينما يقول عمر بن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله : إنّ الرجل ليهجر! يبدأ تفسير الماء بالماء!
يقول ابن الأثير في النهاية: ومنه حديث مَرضِ النبي صلى اللَّه عليه وسلم [ قالوا : ما شأنُه ؟ أهَجَرَ ؟ ] أي اخْتَلَف كلامُه بسبب المرضِ على سبيل الاستفهام, أي هل تَغَيَّر كلامُه واخْتَلَط لأجل ما به من المرض؟ وهذا أحْسَنُ ما يقال فيه ولا يُجْعل إخباراً فيكون إمَّا من الفُحْش أو الهَذَيان . والقائل كانَ عُمَر ولا يُظَنُّ به ذلك .
المصدر: النهاية, ابن الأثير ,ج5ص245-246.

فتصريح عمر فاحش وقبيح بل هو كفر ولكن لأنّ القائل هو عمر لذلك يُفتح من أجله باب التأويل على مصراعيه وتساق التبريرات على طبق من ذهب!
عين الرضا عن كل عيب كليلة وهي ذاتها عندما لا ترضى عن أحدهم انظروا كيف تصنع عند المخالفين.
فمثلاً حينما يأتي ذكر الولاية لأمير المؤمنين علي عليه السلام في حديث (من كنت مولاه فعلي مولاه) لابد أن تُعمى الأبصار والبصائر عن السياق والمعنى المتبادر ويلزم الاستنجاد بالمعاني البعيدة والهروب إلى معنى كالناصر والمحب! أما إذا اقترن ذكر الولاية بعمر بن الخطاب تصبح بمعنى الخلافة!
وهذا عين ما يفعله العرفاء مع الروايات التي تذم الصوفية, فهم من جهة يحاولون نفي كونهم من أصول صوفية ومن جهة أخرى يطعنون في سند الروايات القادحة في المتصوّفة! ومن جهة ثالثة يوجّهون هذه الروايات في خصوص المتصوّفة لكي يخرجوا منها العرفاء المتلبّسين بالتشيّع!
وسنناقش بإذن الله تعالى كل هذه الأمور في السطور القادمة.

يقول السيد منير: مَا الفرق بين التصوّف والعرفان؟ ربما يخلط البعض بين التصوّف والعرفان ويعتبر العرفان هو التصوّف, والتصوف قد ورد ذمه في الروايات...

أقول : يحاول العرفاء التملّص من أصولهم وجذورهم الصوفية ولكن الله يفضحهم ويجري على ألسنتهم الاعتراف بأصلهم, وقد اعترف غير واحد منهم بأنّ التصوّف هو الوجه الآخر للعرفان, فهم في الجانب النظري يُطلق عليهم (عرفاء) والجانب العملي يطلق عليهم (متصوّفة).

يقول مرتضى المطهري : أهل العرفان إذا ذُكروا في معرض المعرفة دعوا بالعرفاء ؛ وإذا ذكروا في معرض أمر اجتماعي دعوا بالمتصوّفة.
المصدر :الكلام والعرفان, المطهري ص65, تعريب علي خازم.
1
ويقول كمال الحيدري : التصوّف مرحلة من مراحل العرفان فإنه عندما يريد الإشارة إلى العرفان باعتباره رؤية فإنه يطلق عليه اسم (العرفان) وأصحابه هم (العرفاء) وعندما يريد الإشارة إليه باعتباره تجربة عمل فإنه يطلق عليه اسم (التصوّف) وأصحابه هم (المتصوفة).
المصدر : العرفان الشيعي, كمال الحيدري, ص9.

فالتصوّف هو الوجه العملي للعرفان والعرفان هو الوجه النظري للتصوّف فيصح أن تقول للعارف صوفي من الجانب العملي وتقول للصوفي عارف من الجانب النظري لذلك حينما عدد مرتضى المطهري أعلام العرفان عبر العصور ذكرهم جميعاً باسم عرفاء بينما كان أكثرهم من أكابر الصوفية كالجنيد والتستري والبسطامي والحلاج والرومي وابن عربي وغيرهم, وأضف إلى ذلك أن ابن عربي الصوفي المعروف هو من نظّر وفلسف العرفان وجعل له القسم النظري.
# راجع كتاب العرفان للمطهري.

يقول كمال الحيدري : ولهذه المدرسة –العرفانية- أتباع كثيرون في تاريخ الفكر الإسلامي منهم بايزيد البسطامي, الحلاّج , الشبلي , الجنيد , ذو النون المصري, أبو القاسم القشيري, ابن الفارض المصري, والمولوي الرومي , وأمثالهم.
ولكن يعد الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي على رأس مدرسة العرفان النظري, لأنه الذي استطاع أن يجعل هذا اللون من المعرفة علماً مستقلاً له موضوع ومسائل ومبادئ, وبذلك امتاز هذا الفرع من المعرفة عن باقي الفروع, وكل من جاء بعده من العرفاء فإنّه كان يدور في ذات الدائرة التي وضع أُسسها هذا العارف المحقق.
المصدر : دروس في الحكمة المتعالية, شرح بداية الحكمة , كمال الحيدري, ج1 ص67.

فتلاحظ أن كمال الحيدري ذكر كبار المتصوّفة على أنهم أتباع المدرسة العرفانية!

ويحدثنا الدكتور طراد حمادة عن سبب تبديل اسمهم من أهل التصوّف إلى أهل العرفان فيقول:
يرتبط العرفان بالتصوّف الشيعي ويتحدث مؤرخو الفلسفة عن العرفان الشيعي كيف شهد العصر الصفوي تحالفاً وثيقاً بين التشيع والتصوّف, لأن صفي الدين الأردبيلي كان صوفياً, واستطاع التشيع أن يبني دولته التي ما إن استقرت أحوالها حتى انقلبت على الصوفية.
عليه فإن المتصوّفة الشيعة وحتى ينجو بأنفسهم من الحملات المضادة غيروا اسمهم من أهل التصوّف إلى أهل العرفان تبديل ظاهري في الاسم فقط لأسباب سياسية ودينية إذن العرفان هو التصوّف وقد بدل اسمه!
المصدر: أسرار الحكمة والعرفان في شعر الإمام الخميني,الدكتور طراد حمادة, ص31-32.

فالعارف والصوفي شيء واحد ولكن كما قلنا في الجانب النظري يسمى (عارف) وفي الجانب العملي يسمى (صوفي).
وقد سعى بعض العرفاء لتحويل الشيعة إلى صوفية وقد صرّح بهذا حيدر الآملي حيث قال: إن هذا الكتاب -جامع الأسرار ومنبع الأنوار- مشتمل على أعظم أقوال الصوفية والشيعة ومعارضاتهم ومجادلاتهم وأقوال علماء الظاهر أيضاً –الفقهاء- وأقوال الأنبياء والأولياء (عليهم السلام) كذلك, وكان الغرض من ذلك –أي التأليف- أن يصير الشيعة صوفية والصوفية شيعة!
المصدر : جامع الأسرار ومنبع الأنوار, حيدر الآملي, ص544 ,طبعة دار المحجة البيضاء, بيروت.

وفي تصريح آخر يقول : إنّ الشيعي الحقيقي لا يكون إلا صوفيّاً!
المصدر : جامع الأسرار ومنبع الأنوار, حيدر الآملي, ص94.

وقال أيضاً : الشيعي والصوفي اسمان متغايران (يدلّان) على حقيقة واحدة، وهي الشريعة المحمديّة! وإن قيل: أنّ الصوفيّة على طريقة أهل السنّة وأصولهم وقواعدهم، فكيف جعلتهم شيعيّين حقيقيّين؟ أجيب عنه بأنّ الصوفيّة وإن كانت فرقاً كثيرة مثل الشيعة لكنّ الفرقة الحقّة منها واحدة، وهي الفرقة الموصوفة بهذه الأوصاف أي بحمل أسرارهم على ما ينبغي، والإيمان بهم (يعني بالأئمّة عليهم السلام) ظاهراً وباطناً، كما أنّ الشيعة وإن كانت فرقا كثيرة، لكنّ الفرقة الحقّة منها واحدة، وهي الفرقة الإماميّة.
المصدر : جامع الأسرار, حيدر آملي ,ص136, طبعة دار المحجة البيضاء بيروت.

وقد وصف السيد محسن الأمين حيدر الآملي لا بالتصوف فقط بل الغلو في التصوف! يقول في موسوعته أعيان الشيعة عند ترجمة حيدر الآملي: ومن أدلة غلوّه في التصوّف شرحه لفصوص محيي الدين -ابن عربي-!
المصدر: أعيان الشيعة, محسن الأمين, ج6 ص272.
فرأي السيد محسن الأمين أنّ من يشرح فصوص الحكم مغالٍ في التصوّف! فكيف سيكون رأيه في من يقول أن فصوص الحكم منزّل من السماء وسر من الأسرار الإلهية؟! ويجعله من الدروس الأساسية في الحوزة العلمية؟!

فتبين مما سبق أنّ التصوّف هو الوجه العملي للعرفان والعرفان هو الوجه النظري للتصوّف.

أما من ناحية السلوك فالعرفاء المتلبّسون بالتشيّع غيّروا بعض الأمور وعدلوا طريقتهم لكي يظهر العرفان بمظهر حسن ولكن المعتقد هو هو, فلو كان معتقدهم مختلفاً لما وجدتهم يصرّحون بأقوال الحلاّج الكفرية ويلتمسون لها الأعذار! ويصفون حالهُ حينما قال (أنا الحق) بأنها أعلى درجات العرفان!
المصدر : قدوة الفقهاء والعرفاء, تقي الموسوي, هامش ص235.
بل طلب بعضهم من الله وتوّسل بالنبي محمد وآله بأن يرزقه تلك المنزلة العالية للحلاّج والبسطامي!
المصدر : جامع الأسرار, حيدر آملي ,ص199, طبعة دار المحجة البيضاء بيروت.

قد يقول قائل : إن الملا صدرا ألف كتاباً ضد الصوفية باسم (كسر أصنام الجاهلية في الرد على الصوفية) فكيف يقال عنه بأنه صوفي؟!

أقول : إن هذا قول من لا اطلاع له على محتوى هذا الكتاب وتصريحات العرفاء عنه.
إن الملا صدرا في هذا الكتاب المسمى (كسر أصنام الجاهلية) كان بصدد الرد على فئة من المتصوّفة (أصحاب الخانقاهات) وليس زعماء المتصوّفة من أمثال البسطامي والحلاّج وابن عربي والرومي وغيرهم وقد اعترف بذلك العرفاء أنفسهم.
يقول محمد خواجوي : إنّ كلاً من الملا صدرا والفيض يميل نحو الحقائق العرفانية وبيان المقاصد العالية للتصوّف ولا يتمسك أي منهما بالظواهر التي يتشبث بها المتصوفة في سننهم الخانقاهية ولذلك قيل يقصد ملا صدرا في كتابه كسر أصنام الجاهلية المندسين والمتشبهين بالصوفية لأنه يبالغ في هذا الكتاب في مدح أهل الله وأرباب التصوّف الذين بلغوا المدارج العرفانية الحقيقية في ذات الوقت الذي يذم فيه المتصوفة الظاهريين والكاذبين.
المصدر : صدر المتألهين فيلسوفاً وعارفاً , محمد خواجوري , ص37 .

فتلاحظ أخي القارئ بأنه يعني بهذا الكتاب فئة من المتصوّفة وهم أصحاب الخانقاهات وليس رؤوس المتصوّفة بل صرّح الكاتب بأن الملا صدرا يبالغ في مدح أرباب التصوّف! فهو لا يتمكن من إخفاء مودته للزنادقة من المتصوّفة فمودته لهم مصدرها تشابه قلوبهم.
والأمر الآخر أن العلماء في عصره ألفوا كتبا كثيرة ضد المتصوّفة فلكي لا يتهم بالتصوّف ألف هذا الكتاب الذي هاجم فيه فئة من المتصوفة!

يقول جمال اليوزبكي: كان صدرا قد شاهد وبنفسه الكثير من علماء عصره, يهتمون بمناهضة المتصوّفة ومحاربة طرقهم وشعوذتهم ودجلهم
والمجالس التي جعلت تخالطها أعمال المنكرات والسيئات, فضلا عما صار يطالها ويعمّها من ألوان البدع والخرافات.
المصدر: غضبة الفلاسفة أو الغضبة المتعالية , جمال اليوزبكي, ص293.

ولهذا كتب في ذم أصحاب الخانقاهات وفي نفس الوقت كان يمدح كبار المتصوّفة!
يقول جمال اليوزبكي: لم يجد-الملا صدرا- في جماعتهم الذين ليست عندهم أية معرفة علمية, ولا أية مشاهدة كشفية إلا أنهم سمعوا كلمات وأقوال من العرفاء, ولم يفهموا مغزاها ومعناها, فتفوّهوا بكلمات وأقوال ضلّوا بها وأضلوا, ولذلك لا يدع صدر المتألهين أيما فرصة في التحامل عليهم وتسفيه أقوالهم وعقائدهم, في حين يطفق صدرا لإبراز مكان العرفاء إعمال منه في تعميق ألوان الفروق ما بينهم وبين هؤلاء المبتدعة ولقد كان يدرك ما للعرفاء من مقام شامخ, وهم الحكماء الحقيقيون, وأهل الحق وأولوا الألباب.
المصدر: غضبة الفلاسفة أو الغضبة المتعالية , جمال اليوزبكي, ص293.

ثم يبيّن لك من هم هؤلاء العرفاء فيقول: ينعطف بكلامه على حديث العرفاء وهو يمدحهم في نفس الأرضية السابقة التي ذم فيها المتصوّفة, حتى يصير البعض من هؤلاء يتحسس من قوله أنه ما عنى إلا الشيخ محيي الدين بن العربي !
ثم يتحدث عن ابن عربي وأمثاله فيقول : لحسن ظننا بهؤلاء الأكابر, لما نظرنا في كتبهم ووجدنا منهم تحقيقات شريفة ومكاشفات لطيفة وعلوماً غامضة مطابقة لما أفاض الله على قلوبنا وألهمنا به – مما لا شك فيه, ونشك في وجود الشمس في رابعة النهار
المصدر: غضبة الفلاسفة أو الغضبة المتعالية , جمال اليوزبكي, ص293.
ولكي يطمئن القارئ الكريم من أن الكتاب المسمى (كسر أصنام الجاهلية) هو للدفاع عن كبار المتصوّفة أنقل له كلام الملا صدرا عن الصوفي المشهور بايزيد البسطامي وتبرير أقواله الكفرية كقوله : (ليس في جبتي سوى الله) وقوله (سبحاني ما أعظم شأني) وغيرها!
يقول الملا صدرا في هذا الكتاب : وأما أبو يزيد البسطامي, فلا يصح عنه ما حُكي عنه لا لفظاً ولا مفهوماً ولا معنى . وإن ثبت أنه سمع منه ذلك, فلعله كان يحكى عن الله تعالى في كلام يردد في نفسه, كما لو سمع منه وهو يقول : { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} فإنه لا ينبغي أن يقال ذلك إلا على سبيل الحكاية.
المصدر : كسر أصنام الجاهلية , الملا صدرا. ص48, تحقيق الدكتور محسن جهايكيري,بإشراف محمد الخامنئي.

فتلاحظ أخي القارئ أنّ الملا صدرا هنا ينكر الواضحات, فتصريحات البسطامي الكفرية ثابتة عليه ومتواترة عنه فلا مجال لإنكارها, ولكن الملا صدرا ينكر ومن ثم يجمّل الوجه القبيح لأقوال البسطامي الكفرية!
فتبيّن للقارئ الكريم مما تقدم أن هذا الكتاب المسمى (كسر أصنام الجاهلية) هو للرد على فئة من المتصوّفة -وليس كل المتصوّفة- وهم أصحاب الخانقاهات ,وفي نفس هذا الكتاب دافع الملا صدرا عن كبار المتصوّفة ومدحهم!

نرجع لقول السيد منير : ربما يخلط البعض بين التصوّف والعرفان ويعتبر العرفان هو التصوّف, والتصوف قد ورد ذمه في الروايات...

أقول : تبيّن من خلال ما تقدّم أن التصوّف هو العرفان من  الجانب العملي, والعرفان هو التصوّف من الجانب النظري ولكن العرفاء وأتباعهم اليوم يحاولون التملّص من أصولهم الصوفية لأن التصوّف ورد ذمه في الروايات الشريفة عن أهل البيت عليهم السلام!
وحينما لم تنفع محاولتهم البائسة في نفي التصوّف عنهم عمدوا للطعن في الروايات نفسها!

يقول السيد منير: مثلًا أقرأ هذه الرواية في مستدرك الوسائل الجزء الثاني عشر عن ابن أبي نصر البزنطي عن الرضا علي السّلام قال: "قال رجلُ من أصحابنا للصادق قد ظهر في هذا الزمان -يعني في زمان الِإمام الصادق- قومٌ يُقال لهم الصوفِية، فما تقول فِيهم؟، قال إنهم من أعدائنا فمن مال إليهم فهُو منهُم ويُحشر معهم، وسيكون أقوامٌ يدعون حُبنا ويميلون إليهم وَيتشبهون بهم وَيُلقبون انفسهم بألقابهم ويُؤولون أقوالهم ألا فمن مَال إليهم ليس منّا وإنّا منه براء"

أقول: نحن نتمّ ذيل الحديث الذي لم ينقله السيد منير وهو: " ومن أنكرهم وردّ عليهم، كان كمن جاهد الكفار بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله“

ثم علّق السيد منير بقوله : نجي احنا إلى الفرق, هذه الرواية طبعاً لا نبني على صحة سندها لان المحدث النُّوري في المستدرك نقلها عن حديقة الشيعة للأردبيلي ولم تثبت نسبة الكتاب إلى الأردبيلي كما لم يذكر لها سندًا مُتصلًا، ولكن على فرض صحتها فهِي تذم التصوّف وهو غير العرفان.

أقول : إن لعبة الإسناد هي لعبة المخالفين للخروج من المآزق التي سقطوا فيها, فحينما تعرض عليهم الأدلة من كتبهم ومصادرهم فمباشرة يعمد المخالف للطعن في السند!
وقد تأثر بهم العرفاء أيضاً فراحوا يطعنون في كل حديث لا يوافق مشتهياتهم لذلك طعنوا في الروايات التي تذم المتصوّفة ومن يميل إليهم بينما هي روايات معتبرة مقبولة عند جمهور الفقهاء.
وقد علم العرفاء والمتزلفون لهم أن دلالة هذه الروايات تهدم دين العرفاء من رأس, لذلك حاولوا الطعن في سندها والتشكيك في مصدرها! وهذا كيل بمكيالين, لأن العرفاء من جهة أخرى يعملون بالروايات الضعيفة والمرسلة والموضوعة وروايات المخالفين، بل اختلقوا روايات لا أصل لها ولا وجود وتعدى بعضهم حتى جعل من أقوال المتصوّفة أحاديث نبوية! فما نرجوه من السيد منير أن لا يدخل هذه اللعبة من غير أن يشعر!
إن الفقهاء العظام لا يلتفتون إلى السند إذا كان المتن لا يخالف الأصول هذا أولاً.
ثانياً : الإسناد هو آخر ما يفكر فيه الفقيه فهناك قواعد مفصلة في قبول ورد الروايات، فكم من رواية صحيحة السند ولكنها غير مقبولة بحسب القواعد الأخرى, وكم من رواية ضعيفة السند ولكنها مقبولة لأن متنها معتبر وموافق للأصول.
إن الحجة عندنا نحن الإمامية هي في اعتبار الرواية من عدمه وليس في صحة السند من عدمه فتنبه! لأن مبانينا في علم الحديث ليست مباني المخالفين.
يقول السيد جعفر الجزائري المروج: (الملاك في حجيّة الخبر هو الوثوق بالصدور المعبّر عنه بالوثوق الخبري، دون الوثوق المخبري كما أصرّ عليه بعض الأعلام دام بقاؤهم. فمع حصول الوثوق بصدور الخبر تشمله أدلة حجية الخبر، ولا ينظر حينئذ إلى الراوي، كما هو كذلك في بعض النبويات, فمع عدم نقل الحديث في كتب الخاصة ، وفرض استناد المشهور إليه في مقام الفتوى يصحّ الاعتماد عليه والركون إليه)
المصدر: هدى الطالب إلى شرح المكاسب:ج4 هامش ص364.

ثالثاً : الروايات التي تذم المتصوّفة معتبرة وقد تلقاها العلماء بالقبول ورواها غير واحد منهم.

يقول السيد منير: هذه الرواية طبعاً لا نبني على صحة سندها ..
أقول : ولماذا بنى السيد منير على صحة حديث (من عرف نفسه فقد عرف ربه)؟ وأسس من خلاله منهجاً عرفانياً يبحث فيه كيفية الوصول إلى حقيقة الله تعالى من خلال معرفة حقيقة النفس مستنداً على ذلك الحديث الشريف مع أنه حديث مرسل وغير موجود في الكتب المعتبرة؟!
فإن قال أن العلماء تلقوه بالقبول, قلنا له أيضاً بأن العلماء تلقوا الأحاديث الواردة في ذم الصوفية بالقبول أيضاً مع الفارق وهو أن روايات ذم المتصوّفة صحيحة كما صرح بذلك العلماء الأبرار.
ثم لماذا لا ينتقد العرفاء كالخميني مثلاً الذي استعان برواية منكرة مرسله مرفوضة عند جمهور الفقهاء لكي يبرر عقيدته -وحدة الموجود-؟!
فقد نسب لأحد المعصومين عليهم السلام القول : لنا مع الله حالات هو هو، ونحن نحن؛ وهو نحن، ونحن هو.
المصدر: شرح دعاء السحر, الخميني,ص111 , مصباح الهداية, الخميني, ص114.
بعض العرفاء ينسب هذا الحديث للإمام الصادق عليه السلام على أنه ثابت الصدور! وبعضهم كالخميني لا ينسبه إلى أحد منهم عليهم السلام بالخصوص فمرة قال : (بلسان أحد الأئمة)! وأخرى قال: (ورد) بدون أن ينسبه إلى أحدهم عليهم السلام!
والخميني يستشهد بهذا الحديث المطروح ليبرّر أقوال ابن عربي الزنديق لذلك قال بعد أن ذكر هذا الحديث : وكلمات أهل المعرفة خصوصاً الشيخ الكبير محيي الدين -ابن عربي- مشحونة بأمثال ذلك؛ مثل قوله: الحقّ خلق، والخلق حقّ والحقّ حقّ والخلق خلق. وقال في فصوصه: ومن عرف ما قرّرناه في الأعداد وأنّ نفيها عين ثبتها علم أنّ الحق المنزّه هو الخلق المشبّه وإن كان قد تميّز الخلق من الخالق فالأمر الخالق المخلوق والأمر المخلوق الخالق إلى أن قال :
فالحقّ خلق بهذا الوجه فاعتبروا***وليس خلقاً بذاك الوجه فادّكروا
من يدر ما قلت لم تخذل بصيرته***وليس يدريه إلا من له البصر
جمّع وفرّق فإنّ العين واحدة*** هي الكثيرة لاتبقى ولا تذر.
المصدر: مصباح الهداية, الخميني, ص114.

فالخميني يوظف مثل هذا الحديث المنكر المعارض للكتاب والسنة لخدمة عقيدته -وحدة الموجود- ولتبرير أقوال ابن عربي الزنديق الأكبر.
وقد كشف ما في هذا الحديث من خلل المحقق الكبير آية الله العظمى السيد المرعشي النجفي "أعلى الله مقامه" حينما جاء على ذكر المتصوّفة في كتابه شرح إحقاق الحق.
فقال "رحمه الله" : رأيت بعض من كان يدّعى الفضل منهم -أي من العرفاء- يجعل بضاعة ترويج مسلكه أمثال ما يعزى إليهم (عليهم السلام) "لنا مع الله حالات فيها هو نحن ونحن هو"وما درى المسكين في العلم والتتبع والتثبت والضبط أنَّ كتاب مصباح الشريعة وما يشبهه من الكتب المودعة فيها أمثال هذه المناكير مما لفقتها أيادي المتصوفة في الأعصار السالفة وأبقتها لنا تراثاً...
المصدر: شرح إحقاق الحق, المرعشي النجفي, ج1 ص184.

فالرواية منكرة ومرسلة أيضاً وليست موجودة في مصادرنا المعتبرة ومع هذا يستخدمها العرفاء لتبرير معتقدهم الزائف!
فلماذا لم يعترض السيد منير عليه ويبيّن له بأن الرواية منكرة مرفوضة؟! أم لأن الرواية يسهل تأويلها بما يوافق معتقد العرفاء فيجب أن نغض الطرف عنها؟!
والأمثلة في هذا الخصوص كثيرة جداً وسنعرض بعضها في السطور القادمة.

يقول السيد منير: هذه الرواية طبعاً لا نبني على صحة سندها...

أقول : لقد تلقى علماؤنا الأبرار "رضوان الله عليهم" روايات الذم في المتصوّفة بالقبول وصححها بعضهم وإليكم بعض النماذج:

السيد نعمة الله الجزائري "رحمه الله" :
يقول: وأما الأخبار الواردة في ذمهم فهي كثيرة جداً منها ما رواه البزنطي في الصحيح عن الرضا عليه السلام قال (من ذكر عنده الصوفية ولم ينكرهم بلسانه أو قلبه فليس منا ومن أنكرهم فكأنما جاهد الكفار بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله), وفي الصحيح أيضاً عن البزنطي قال قال رجل للصادق عليه السلام قد ظهر في هذا الزمان قوم يقال لهم الصوفية فما تقول فيهم؟ فقال عليه السلام: إنهم أعدائنا...الخ
المصدر : الأنوار النعمانية , السيد نعمة الله الجزائري,ج2 ص202.
فالسيد نعمة الله الجزائري حكم بصحة الرواية فقال : (وفي الصحيح).

المحدث النوري:
ففي مستدرك الوسائل قال المصنف : وفي الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي ، عن الرضا عليه السلام ، أنه قال : " قال رجل من أصحابنا للصادق جعفر بن محمد عليهما السلام : قد ظهر في هذا الزمان قوم يقال لهم : الصوفية ، فما تقول فيهم ؟ قال : إنهم أعداؤنا...الخ
المصدر: مستدرك الوسائل, الميرزا النوري ,ج 12 ,ص 323.
فالمحدث النوري حكم بصحة الرواية فقال : (وفي الصحيح).

الخراساني الكرباسي :
يقول : وفي كثير من أخبارنا ورد ذمهم –الصوفية- ومن ذلك ما ذكره بعض الثقات من أصحابنا وهو هكذا : وفي الصحيح عن البزنطي قال : قال رجل للصادق ( عليه السلام ) : قد ظهر في هذا الزمان قوم يقال لهم الصوفية ، فما تقول فيهم ؟ فقال ( عليه السلام ) : إنهم أعداؤنا...الخ
المصدر: إكليل المنهج في تحقيق المطلب - محمد جعفر بن محمد طاهر الخراساني الكرباسي - ص 128.

فتلاحظ قوله : (وفي كثير من أخبارنا ورد ذمهم) وقوله (وفي الصحيح عن البزنطي..)

السيد البروجردي :
يقول السيد البروجردي : الأردبيلي في حديقة الشيعة وفي الصحيح عن أحمد بن محمد ابن أبي نصر البزنطي عن الرضا عليه السلام أنه قال قال رجل من أصحابنا للصادق جعفر بن محمد عليهما السلام قد ظهر في هذا الزمان قوم يقال لهم الصوفية...الخ
المصدر :جامع أحاديث الشيعة, السيد البروجردي, ج 14 ص 450.

العلامة الميرزا حبيب الله الخوئي "قدس سره":
في حديقة الشيعة بسند صحيح عن أحمد بن محمّد بن أبى نصر البزنطى قال : قال رجل من أصحابنا للصّادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام : قد ظهر في هذا الزّمان قوم يقال لهم الصوفيّة فما تقول فيهم ؟ فقال عليه السّلام : إنّهم أعداؤنا...
المصدر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة, الخوئي.

وهناك مصادر كثيرة ذكرت هذه الأحاديث الشريفة مؤكدة على صحتها واعتبارها وقد تلقاها العلماء بالقبول وصححوها وعملوا بها.
وفي هذا يقول العلامة المجلسي رضوان الله عليه تعليقاً على إحدى الروايات: عزيزي ! لو فتحت عصابة العصبيّة عن عينيك، ونظرت بعين الإنصاف لكفاك في بطلان هذه الطائفة المبتدعة الصوفية هذه الفقرة الشريفة من الحديث مع قطع النظر عن الأحاديث الكثيرة الواردة تصريحاً أو تلويحاً على بطلان أطوارهم وأعمالهم ، وذمّ شيوخهم وكبارهم.
ولقد ذمّهم أكثر القدماء والمتأخرين من علماء الشيعة رضوان الله عليهم ، وألّفوا كتباً في ردّهم كعليّ ابن بابويه حيث كان يبعث إلى الإمام الحجة عليه السلام رسائل وكان يأتيه الجواب ، وابنه السعيد محمد ابن بابويه وهو رئيس محدّثي الشيعة حيث ولد بدعاء صاحب الأمر صلوات الله عليه، ويشتمل دعاؤه عليه السلام له على مدحه أيضاً.
وكالشيخ المفيد الذي هو عماد مذهب التشيّع و إنّ أكثر المحدثين والفضلاء المعروفين من تلامذته، وخرج التوقيع من صاحب الأمر عليه السلام له مشتملاً على مدحه، وقد ألّف كتاباً مبسوطاً في ردّهم.
وكالشيخ الطوسي وهو شيخ طائفة الشيعة وعظيمها، وتنسب أكثر أحاديث الشيعة إليه، وكالعلامة الحلّي رحمه الله المشهور في الآفاق بالعلم والفضل، وكالشيخ علي في كتابه (مطاعن المجرمية ) وابنه الشيخ حسن في كتابه (عمدة المقال) ، والشيخ العالي القدر جعفر بن محمد الدرويستي في كتاب الاعتقاد، وابن حمزة في كُتب.
والسيد المرتضى الرازي في كتب، وزبدة العلماء والمتورعين مولانا أحمد الأردبيلي قدس الله أرواحهم وشكر الله مساعيهم، وغيرهم من علماء الشيعة رضوان الله عليهم ، وذكر كلام هؤلاء الفضلاء العظماء شأناً والأخبار التي ذكروها في هذا الأمر يوجب التطويل، وسأقوم بتأليف كتاب مستقل في هذا المطلب إن شاء الله تعالى.
فإن كنت تعتقد بيوم الجزاء فهيىء حجتك اليوم كي تجيب غداً عند الله لو طلب منك الحجة بجواب شاف، ويكون لك عذر موجه، ولا أدري كيف تكون معذوراً عند الله تعالى بعد ورود هذه الأحاديث الصحيحة من أهل بيت الرسالة عليهم السلام، وبعد شهادة هؤلاء العظماء من علماء الشيعة رضوان الله عليهم على بطلان هذه الطائفة والطريقة ومتابعتهم.
المصدر: عين الحياة, المجلسي, ج2 ص403- 404.

أقول : وها هو العلامة المجلسي "أعلى الله مقامه" يؤكد على صحة هذه الأحاديث ويعاتب من اغتر من الشيعة بهذه الفرقة الضالة,  ولسان حاله يقول: ماحجتك أمام الله وأنت تسلك مسالك المتصوّفة وقد ورد ذمهم في روايات صحيحة!
ثم إن ألفاظ الأحاديث الذامة للصوفية تدل بحد ذاتها على صدورها عن المعصوم. وفي بعضها إخبارات بأمور غيبية تحدث في المستقبل وقد وقعت .

يقول السيد منير: هذه الرواية طبعاً لا نبني على صحة سندها لان المحدث النُّوري في المستدرك نقلها عن حديقة الشيعة للأردبيلي ولم تثبت نسبة الكتاب إلى الأردبيلي كما لم يذكر لها سندًا مُتصلًا، ولكن على فرض صحتها فهِي تذم التصوّف وهو غير العرفان.

أقول: تبيّن للقارئ الكريم من خلال ما تقدم صحة الروايات الذامة للمتصوّفة واعتبارها حيث حكم عليها العلماء الأبرار رضوان الله عليهم بالصحة والاعتبار وعملوا بها.
وقد تصدى علماء الطائفة للرد على شبهات وضلالات هذه الفرقة المنحرّفة الدخيلة على التشيع وتفنيد أباطيل كهنتها وتعريتهم منذ القرون الأولى واستمر الخلف على سيرة السلف في بيان انحرافات العرفاء حتى عصرنا هذا, وقد ألفوا عشرات الكتب والرسائل والمقالات في رد اعتقاداتهم الباطلة ودحضها.
وما فعل ذلك العلماء إلا لاعتمادهم على صحة هذه الروايات واليقين بصدورها عن المعصومين صلوات الله عليهم.

أما قول السيد منير: ولم تثبت نسبة الكتاب –حديقة الشيعة- إلى الأردبيلي...

أقول :  لم يثبت العكس أصلاً , فالعلماء الأجلاء لم يشكوا في نسبة الكتاب إليه ولذلك نقلوا الأحاديث منه ونسبوها للمقدس الأردبيلي رضوان الله عليه. ولم ينكر صدورها إلا العرفاء المتصوفة لأنها تهدم دينهم من رأس.
يقول السيد محسن الأمين : كتاب حديقة الشيعة قد تكلم عليه المحدث المتتبع الميرزا حسين النوري في مستدركات الوسائل مستوفى وسبب ذلك نقل صاحب الروضات التشكيك في صحة نسبة الكتاب إلى الأردبيلي عن بعضهم وكون بعض الناس سرق الكتاب المذكور وغيّر خطبته ونسبه إلى نفسه فأطال المحدث النوري في إقامة البرهان على أن الكتاب المذكور هو للأردبيلي وأنَّ الحامل على إنكار نسبته إليه ذمه للصوفية فيه فقال –المحدث النوري- : صرح بنسبة الكتاب إليه في أمل الآمل وأكثر النقل عنه في رسالته التي رد بها على الصوفية قائلاً : أورد مولانا الفاضل الكامل العامل المولى أحمد الأردبيلي في حديقة الشيعة. 
وصرّح به –أي بكتاب حديقة الشيعة- المحدث البحراني في اللؤلؤة ونقله عن شيخنا المحدّث الصالح عبد الله بن صالح والشيخ العلامة الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني الذي يعبّر عنه البهبهاني في التعليقة بالمحقق البحراني وغيرهم.
قال–المحدث النوري-: فلا يلتفت إلى إنكار بعض أبناء هذا الوقت له وقولهم أن الكتاب –حديقة الشيعة- ليس له وأنه مكذوب عليه ونقل ذلك عن الآخوند المجلسي ولم يثبت.
وصرّح به – أي بالكتاب- أستاذ هذا الفن الميرزا عبد الله الأصفهاني في رياض العلماء فقال في ترجمة العصار المعروف, قال: محمد بن غياث الدين في تلخيص كتاب حديقة الشيعة للمولى أحمد الأردبيلي بالفارسية ومثله في ترجمة عبد الله بن حمزة الطوسي. قال–المحدث النوري- وهؤلاء الخمسة من أساتيذ هذا الفن وكفى شاهداً.
ويؤيده الحوالة في الكتاب المزبور –حديقة الشيعة- على كتابه زبدة البيان قال عند ذكر أحوال الصادق (عليه السلام) ما ترجمته : ورد في حق أبي هاشم الكوفي واضع هذا المذهب التصوّف عدة أحاديث منها ما رواه في كتاب قرب الإسناد علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي عن سعد بن عبد الله عن محمد بن عبد الجبار عن الإمام العسكري (عليه السلام) أنه قال سئل أبو عبد الله يعني الإمام الصادق (عليه السلام) عن أبي هاشم الصوفي الكوفي فقال (إنه كان فاسد العقيدة جداً وهو الذي ابتدع مذهباً يقال له التصوّف وجعله مفراً لعقيدته الخبيثة وأكثر الملاحدة وجُنّة لعقائدهم الباطلة).
قال وهذا الكتاب الشريف وقع إلي بخط مصنفه وفيه حديث آخر في هذا الباب وقد فصلت ذلك في زبدة البيان بأوضح من هذا وذكر فيه كلاماً في مسألة الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) هو كالترجمة لما ذكره في زبدة البيان, وأحال فيه في مواضع على شرح الارشاد وكذلك أحال فيه على رسالته الفارسية في أصول الدين وعلى رسالته في إثبات الواجب. قال فمن الغريب بعد ذلك كله ما في الروضات بعد نقل صحة النسبة عن المشايخ الأربعة المتقدم ذكرهم من قوله وقد نفاها بعضهم ونقل ذلك عن محمد باقر المجلسي لكن النقل لم يثبت وذلك لفقد الدليل على صحة هذه النسبة, ولكثرة نقله عن الضعفاء الذين لا يوجد النقل عنهم في الكتب المعتمدة أو لوجود مضمون الكتاب بعينه في بعض كتب الشيعة الأعاجم المتقدمين إلا قليلاً من ديباجته كما قيل أو لبعد التأليف بهذا السوق واللسان من مثله وفي مثل الغري السري العربي.
وأجاب –المحدث النوري- أما عن النقل عن الضعفاء فبأنه في مقام الرد على الغير من صحاحهم وتفاسيرهم وفي مقام الفضائل والمعاجز التي يكتفي فيها بالنقل من الكتب المعتبرة من غير نظر للأسانيد فهو لا يختلف في ذلك عن كتب العلامة وابن شهرآشوب وغيرهما.
وأما وجود مضمونه في كتاب آخر فإن بعض من لم يجد بزعمه وسيلة إلى جلب الحطام إلا التدثر بجلباب التأليف وإن لم يكن له حظ في الكلام سافر إلى حيدرآباد في عهد السلطان عبد الله قطبشاه الإمامي واتصل به ثم عمد إلى كتاب حديقة الشيعة فأسقط الخطبة وأسطراً من بعدها ووضع له خطبة من نفسه وجعله باسم السلطان المذكور وسرق الكتاب وأسقط منه ما يتعلق بأحوال الصوفية وذمهم لميل السلطان إليهم وفي المواضع التي أحال فيها الأردبيلي على مؤلفاته قال وذكر الأردبيلي ذلك في كتاب كذا.
قال–المحدث النوري- والبعد الذي ذكره أشبه بكلام الأطفال ثم قال وسمعت من بعض المشايخ أن أصل هذه الشبهة من بعض ما انتمى إلى التصوف من ضعفاء الإيمان لما رأوا في الكتاب من ذكر قبائح القوم ومفاسدهم مع ما عليه الأردبيلي من الاشتهار بالتقوى والقبول عند الكافة فدعاهم ذلك إلى إنكار كونه منه تشبثاً بما هو أوهن من بيت العنكبوت.
المصدر: أعيان الشيعة , السيد محسن, ج3 ص82.

أقول : اكتفينا بهذا المختصر في رد هذه الشبهة ومن أراد التوسعة فليراجع كتاب مستدرك الوسائل للمحدث النوري "قدس سره".

يقول السيد منير: ولكن على فرض صحتها فهِي تذم التصوّف وهو غير العرفان.
وقال أيضاً : لذلك ما ورد عن الصادق من الذم, ذمٌ للمتصوّفة الذين اعتمدوا طرقاً في العبادة ليست مأخوذة عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله...

أقول : تبين مما تقدم صحة الأحاديث الذامة للمتصوفة وقد تلقاها علماؤنا الأبرار وصححها بعضهم ,وتبيّن أيضاً أنَّ كتاب حديقة الشيعة هو كتاب معتبر شهد الأعلام باعتباره وأكدوا على أن محتواه من تأليف المقدس الأردبيلي رضوان الله عليه.
نأتي الآن لبيان معنى الحديث وهل هو يذم المتصوفة فحسب؟ أم أنه ذم من مال إليهم من الشيعة أيضا؟!
رُوي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) حين سأله رجل عن قوم ظهروا في ذلك الزمان، يقال لهم الصوفية؟
قال (عليه السلام): إنهم أعداؤنا، فمن مال إليهم فهو منهم ويحشر معهم, وسيكون أقوام، يدعون حبنا ويميلون إليهم ويتشبهون بهم، ويلقبون أنفسهم بلقبهم، ويقولون أقوالهم، ألا فمن مال إليهم فليس منا، وأنا منه برآء، ومن أنكرهم وردّ عليهم، كان كمن جاهد الكفار بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله).
المصدر : مستدرك الوسائل, النوري, ج12 ص323 ح15, إكليل المنهج, الكرباسي, الإثنا عشرية, الحر العاملي, ص32 , حديقة الشيعة, المقدس الأردبيلي, ص563.

أقول : ذكر السيد منير أن الحديث في ذم المتصوفة فقط! فهل هذا الكلام صحيح أم لا؟
نستفيد من هذا الحديث الشريف عدة أمور بعد التأمل هي:
1- التحذير من الصوفية وأنهم أعداء أهل البيت (عليهم السلام).
2- التحذير من الميل إليهم.
3- إخبار المعصوم بتصوّف بعض الشيعة وميلهم للمتصوفة وتشبههم بهم والتلقّب بألقابهم وأخذهم بأقوالهم!
4- التحذير الشديد من الميل لمتصوفي الشيعة!
5- براءة المعصوم (عليه السلام) من متصوفي الشيعة!
6- الثواب العظيم لمن حارب المتصوفة وجاهدهم!
تلاحظ أخي القارئ الكريم شدة تحذير الإمام الصادق (عليه السلام ) من المتصوفة ووصفهم بالأعداء, وكذلك شدة تحذيره من الشيعة المائلين إلى المتصوفة ! وهذه الشدة من قبل الإمام (عليه السلام ) تبين لك مدى خطورة هذه الفرقة المنحرفة التي تنخر التشيع من الداخل كما ينخر السوس الأسنان!
وقد سأل رجل الإمام الهادي عليه السلام -بعد أن ذم الإمام المتصوفة- فقال: وإن كان معترفاً بحقوقكم؟ - أي وإن كان من الشيعة الموالين؟-
قال-الراوي-: فنظر إليه -الامام الهادي عليه السلام - شبه المغضب وقال :دع ذا عنك, من اعترف بحقوقنا لم يذهب في عقوقنا, أما تدري: أنهم أخس طوائف الصوفية, والصوفية كلهم من مخالفينا, وطريقتهم مغايرة لطريقتنا, وإن هم إلا نصارى ومجوس هذه الأمة,أولئك الذين يجهدون في إطفاء نور الله, والله يتم نوره ولو كره الكافرون.
المصدر : سفينة البحار , الشيخ القمي, ج2 ص58, حديقة الشيعة, الأردبيلي, ص603.

وفي رواية عن الإمام العسكري عليه السلام تحدث فيها عن آخر الزمان جاء فيها : علماؤهم شرار خلق الله على وجه الأرض,لأنهم يميلون إلى الفلسفة والتصوّف, وأيم الله: إنهم من أهل العدوان والتحرّف, يبالغون في حب مخالفينا -من أمثال ابن عربي والرومي والبسطامي- , ويضلون شيعتنا وموالينا...ألا إنهم قطاع طريق المؤمنين والدعاة إلى نحلة الملحدين -وحدة الموجود- فمن أدركهم فليحذر منهم وليصن دينه وإيمانه.
المصدر : مستدرك الوسائل, الميرزا النوري, ج11 ص380, جامع أحاديث الشيعة, البروجردي, ج13 س377, مستدرك سفينة البحار, الشاهرودي, ج8 ص299.

لم يعيّن الإمام العسكري عليه السلام نوعاً صالحاً من أنواع التصوّف بل قال بأنهم جميعاً مخالفون لأهل البيت عليهم السلام! فقال عليه السلام: (والصوفية كلهم من مخالفينا,وطريقتهم مغايرة لطريقتنا, وإن هم إلا نصارى ومجوس هذه الأمة)!
وقبلها قال بأن متصوّفة الشيعة أخس طوائف الصّوفية لأن هذه الفرقة المندسة في الجسد الشيعي تروّج عقيدة المتصوّفة من الداخل وباسم العمامة الشيعية فينخدع بها الكثير ولذلك تكون فتنتهم أشد خطراً على الشيعة من فتنة المتصوّفة الرسميين!
وقد أشار الإمام الحسن العسكري عليه السلام في الحديث الشريف  إلى أن العرفاء المتصوّفة هم الدعاة إلى نحلة الملحدين وهي إشارة واضحة إلى اعتقادهم بوحدة الوجود والموجود التي صرّح بها الحلاّج على رؤوس الأشهاد حينما قال (أنا الحق) و (ليس في جبتي سوى الله) وكذلك قول البسطامي : (أنا لست أنا بل أنا الحق) و (سبحاني ما أعظم شأني) وقد صحّح العرفاء هذه الأقوال ورددوها في مؤلفاتهم وقد نقلنا بعض نصوصهم في المقالات السابقة.
فتبين مما تقدم أنّ الروايات تذم العرفاء المتصوفة ومن مال إليهم من عرفاء الشيعة وليس كما قال السيد منير بأنها تخص المتصوفة فقط محاولاً فصلهم عن عرفاء الشيعة الآخذين عنهم!

يقول السيد منير: التصوّف وهو عبارة عن رياضات متوارثة تجري وفق سلسلة من السند يدعي أصحابها ان السلسلة تنتهي إلى الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام او إلى الإمام زين العابدين عليه السلام لكن احنا ما وجدنا دليلا يشهد على رجوع الطرق التي يمارسها الصوفية إلى الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين لذلك ما ورد عن الصادق من الذم, ذمٌ للمتصوّفة الذين اعتمدوا طرقاً في العبادة ليست مأخوذة عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله , وأما العرفاء فهم لا يعتمدون على أي رواية وعلى أي كلام لااا , العرفاء يعتمدون على المعطيات الروحية المستفادة من روايات أهل البيت ومن الأدعية الشريفة , دعاء أبي حمزة والصحيفة السجادية , أدعية الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام , لا يستندون إلى هذه الطرق المجهولة المصدر..

أقول: بينا سابقاً أن العرفاء يؤولون الآيات والروايات بما يوافق عقيدتهم الباطلة فإنّ ادعاءهم  الأخذ عن القرآن والعترة ما هو إلا خداع ودجل وقد بينّا ذلك مفصلاً في الحلقات السابقة من هذه السلسلة.

أما قوله : وأما العرفاء فهم لا يعتمدون على أي رواية وعلى أي كلام لااا ... لا يستندون إلى هذه الطرق المجهولة المصدر..

أقول قد أخذ العرفاء -المتلبسون بالتشيع- عن المتصوّفة روايات لا أصل لها يستندون عليها لإثبات اعتقاداتهم الباطلة، بل جعلوا من بعض الأقوال الكفرية أحاديث نبوية!
وإليك بعض النماذج :
ذكر الخميني في كتابه تعليقات على شرح فصوص الحكم ومصباح الأنس مستشهداً بحديث من مصادر المخالفين والثاني مُنكر قطعاً:
يقول القيصري : كما ورد في الخبر أن لله ثلاثمائة خلق من تخلّق بواحد منها دخل الجنة فقال أبو بكر هل فيّ منها شيء يا رسول الله قال صلى الله عليه وآله كلها فيك"
فقال الخميني تعليقاً عليه : قوله: (قال صلى الله عليه وآله كلها فيك) بحكم اضمحلال الكثرات واندكاكها في الحضرة الأحدية وفنائها فيها لدى شهود القيامة الكبرى وبهذا الاعتبار يكون كل الصفات في كل موجود ولهذا ورد أنه تعالى أوحى إلى موسى (ع) أن جيء بموجود أخس منك فأخذ برجل ميتة كلب ثم تنبه على خطأه فتركها فأوحى الله تعالى إليه أن لو جئت بها لسقطت من مقامك فافهم ولا تغفل.
المصدر : تعليقات على شرح فصوص الحكم ومصباح الأنس ، الخميني , ص310-311.

أقول : لم يرد الخميني هذا الحديث الباطل بل وافقه وراح يؤول معناه بديانة وحدة الموجود فقال بأن الصفات الإلهية في كل موجود ومن بين الموجودات أبو بكر فلا اختصاص له, فكل المخلوقات هي عين ذات الله تعالى وفيها كل الصفات الإلهية!
وفي الحديث الثاني طعنٌ صريح في النبي موسى عليه السلام وقد تشبّث العرفاء بهذا الحديث المنكر ليبيّنوا وحدة المخلوقات مع الخالق وأنه لا فرق -والعياذ بالله- بين رجل ميتة الكلب والنبي موسى عليه السلام!
فهل بعد هذا سيقول السيد منير بأن العرفاء لا يعتمدون على أي رواية وعلى أي كلام ولا يستندون إلى الطرق المجهولة المصدر؟!

وقد استدلوا ببعض كلمات ومقولات المتصوّفة الكفرية وجعلوها أحاديث منسوبة لرسول الله صلى الله عليه وآله, وقد تم التعامل معها على ظاهرها وأخذوا بها وتعاملوا معها على أنها أحاديث معتبرة!
فمن المعروف المشهور أنّ مقولة (سبحاني ما أعظم شأني) هي من مقولات أبو يزيد البسطامي لعنه الله ولكن العارف حيدر الآملي وهو من كبار العرفاء جعل مضمون ومعنى هذه المقولة حديثاً نبويا ينسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ويتعامل معه على أنه حديث معتبر! فقال : يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( من رآني فقد رأى الحق, وسبحاني ما أعظم شأني))
المصدر: أسرار الشريعة وأطوار الطريقة وأنوار الحقيقة , حيدر الآملي ,ص 270.

وقد استدل حيدر الآملي بالمقولة وجعلها حديثاً نبوياً لكي يبرّر مقولة الحلاج (أنا الحق)!

فهل بعد هذا سيقول السيد منير بأن العرفاء لا يعتمدون على أي رواية وعلى أي كلام ولا يستندون إلى الطرق المجهولة المصدر؟!

ومن المقولات الصوفية التي جعل العرفاء من مضامينها أحاديث نبوية "معتبرة" هي مقولة الصوفي المعروف "أبي سعيد أبي الخير" (إذا تم الفقر فهو الله) فهي كلمة تعادل كلمة الحلاج (أنا الحق) !
المصدر : منازل السائرين, عبد الله الأنصاري , شرح عبد الرزاق الكاشاني, ص 108.

يقول العارف حسين العالم -الأخ الأصغر لحسن مسقطي- :يظن الناس أن الفقر هو فقدان المال والثروة كلا إنه فناء الذات في ذات الله ، إنه الإلمام والإحاطة واليقين الكامل بفقر الإنسان التام المطلق في ذات الله!
المصدر : قدوة الفقهاء والعارفين, تقي الموسوي, ص210.

وقد سُئل أحد زعماء المتصوفة وهو شاه نقشبند عن قول البعض « اذا تم الفقر فهو الله» فقال: هذا إشارة إلى الفناء. وأنشد يقول :
من كان لم تكن …لم يك إلا الله
وإذا فنيت من بقي…لم يبق إلا الله
وقد تركوا للحلاج تبيين المعنى فقالوا: هو كقول الحلاج: أنا الحق وقول أبي يزيد: سبحاني!
المصدر : البهجة السنية في آداب الطريقة النقشبندية, ص81 .الحدائق الوردية في حقائق أجلاء النقشبندية, ص180.

فمعنى هذه المقولة (إذا تم الفقر فهو الله) هو نفس معنى قول الحلاج (أنا الحق) وقد جعل العرفاء المتصوفة من مضمونها حديثاً نبوياً "معتبراً" ليشرعنوا لهذا المعتقد الكفري الباطل ويلبسوه ثوب الإسلام!
بينما حكم كبار علماء المخالفين على هذا الحديث بالوضع والبطلان!
يقول ابن حجر عن حديث الفقر فخري : باطل موضوع وأشد منه وضعاً وبطلاناً ما يذكره بعض المتصوفة (إذا تم الفقر فهو الله) سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا.
المصدر: تفسير الآلوسي , ج 30 ص 163.

ثم جاء العرفاء الدخلاء على التشيّع والمنتسبون له فاستخدموا هذه المقولة (إذا تم الفقر فهو الله) فجعلوا من مضمونها حديثاً نبوياً "معتبراً" يستدلون به على ديانتهم, سائرين بذلك على نهج وخطى المتصوّفة من الطائفة البكرية العمرية المسماة أهل السنة والجماعة!
يقول العارف تقي الموسوي في كتابه قدوة الفقهاء والعارفين : إذا فني السالك في الله، فهو (أنا) الذي فني في الله. "وإذا تم الفقر فهو الله" كما يقول الرسول (صلى الله عليه وآله) ، فهذا أعلى درجة العرفان, وإذا قال الحلاج: "أنا الحق" فلا غرابة في ذلك ، فقد وجد الحقيقة الثابتة ، وفني في الحقيقة الثابتة.
قدوة الفقهاء والعارفين, تقي الموسوي, هامش ص235.

وصرّح حيدر الآملي في تعريفه لمعنى الفقر بأن هذا الحديث هو كقولهم (أنا الحق) وقولهم (ليس في جبتي سوى الله)!
يقول حيدر الآملي : اعلم أن الفقر هو عدم التمليك مطلقاً حتى عن وجوده وكل شخص يحصل له هذا الفقر على ما ينبغي لا شك أنه يخرج من حكم الوجود الإضافي الإمكاني وإذا خرج من حكم الوجود الإضافي الإمكاني لابدّ وأن يدخل في حكم الوجود الحقيقي الواجبي الكلي لأن الشيء إذا جاوز حدّه انعكس ضدّه, والوجود إما واجبي أو إمكاني والاتصاف بأحدهما ضروري فافهم وحقق معنى قولهم: إذا تم الفقر فهو الله وأعرف بالحقيقة أن افتخار النبي عليه السلام بالفقر لم يكن إلا بمثل هذا , وسبحاني ما أعظم شأني ليس إلا في هذا المقام وكذلك أنا الحق ومن مثلي وهل في الدارين غيري وليس في جبتي سوى الله وأمثال ذلك!!
تفسير المحيط الأعظم, حيدر الآملي ,ج2 ص431.

فمعنى حديثهم المزعوم (إذا تم الفقر فهو الله) هو نفس معنى قولهم (أنا الحق) وهو أيضاً نفس معنى قولهم (ليس في جبتي سوى الله) فلم يستدلوا بهذا الحديث الموضوع إلا لتبرير هذا المعتقد الحلاجي الكافر!
وقد استشهد الخميني بذلك الحديث ذاته مورداً إياه في معرض الاستدلال على وحدة الوجود! فيقول: العالم إذا كان في حجاب نفسه يكون مفترقاً وممتازاً بالافتراق البينوني وإذا خرج عن حجاب نفسه وتعلق بعز قدسه وأفتقر وفنا عن ذاته رفع الغيرية وإذا تم الفقر فهو الله أي الهوية له لا لغيره.
المصدر : تعليقات على شرح فصوص الحكم ومصباح الأنس ، الخميني , ص65-66.

أقول: تلاحظ أخي القارئ كيف أرسل الخميني هذا الحديث الموضوع إرسال المسلمات واستشهد به لإثبات عقيدته الحلاجية!
فإن قال قائل بأن الخميني لم يقل عنه بأنه حديث ؟ قلنا بأنه لم يسمه بعدم الثبوت ولم يصرفه إلى معنى غير ظاهره على الأقل, ولو سلّمنا جدلاً بأنه لا يقول عن هذه المقولة أنها حديث نبوي, فليس من أحد ينكر بأنّ تلك العبارة المنسوبة لرسول الله صلى الله عليه وآله كذباً وزواً هي من مختصات المتصوّفة ومضمون ظاهرها هو على نمط قولهم (أنا الحق) وقولهم (ليس في جبتي سوى الله) كما صرّح بذلك حيدر الآملي فالاستشهاد بهذه المقولة -إذا تم الفقر فهو الله- يعني اعتقاد الخميني بالعقيدة الحلاجية !
فهل بعد هذا سيقول السيد منير بأن العرفاء لا يعتمدون على أي رواية وعلى أي كلام ولا يستندون إلى الطرق المجهولة المصدر؟!

الخلاصة:
تبيـّنَ من خلال ما تقدم بأن العرفان والتصوّف شيء واحد ولكنه في الجانب النظري يطلق عليه عرفان وفي الجانب العملي يطلق عليه تصوّف, وقد أثبتنا ذلك من خلال نصوصهم وأقوالهم .
وأما محاولات التفريق بينهما هي لذر الرماد في العيون والفرار من النصوص الصادرة بحق هذه الفرقة المنحرّفة, ولهذا جهدوا بعد ذلك في الطعن في سند هذه الروايات وتحريف مضمونها! وقد بينّا بطلان مدعاهم وكشفنا زيف قولهم وأثبتنا بأن الروايات صحيحة السند وقد حكم العلماء الأبرار بصحتها واعتبارها وعملوا بمضمونها, ثم نقلنا مختصراً لكلام المحدّث النوري في إثبات نسبة كتاب حديقة الشيعة للمقدس الأردبيلي أعلى الله مقامه, وتبين أن الاعتراض على الكتاب لم يأتِ إلا من قبل المتصوفة وبسبب الروايات الذامة للتصوّف!
ثم تطرّقنا لدلالة الروايات وأثبتنا بأنها تذم المتصوفة ومن يميل إليهم ولو كان حسب الظاهر من الشيعة الموالين, وليس كما زعم السيد منير بأنها خاصة في المتصوفة لكي يخرج العرفاء المتلبسين بالتشيّع!
وختمنا هذه المقالة بذكر بعض النماذج من مصادر العرفاء تثبت أخذهم عن المتصوفة معتقدهم واستنادهم على أقوالهم وتصريحاتهم!
هذا وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
طالب علم
10/شهر رمضان المبارك/ 1436 هـ

الأحد، 12 يوليو 2015

لله ثم للضمير وقفةٌ مع السيد منير "الحلقة العاشرة"

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجّل فرجهم والعن أعداءهم
فضح الحلاّج عقيدة العرفاء على رؤوس الأشهاد بقوله (أنا الحق) وقوله (ليس في جبتي سوى الله) فحاول العرفاء إيجاد المخرج له والاعتذار عنه واختلاق التبريرات لحجب هذه الفضيحة! فانقسموا إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول: قالوا بأن ما صدر عن الحلاّج من تصريحات كفرية صدرت عنه وهو في حالة المحو لا حالة الصحو أي أنه  كان في حالة سُكر من أثر الخمرة الإلهية! فأصبح لا يرى في الوجود إلا الله,لأنه لا يرى حتى نفسه فهو فانٍ في عين ذات الله! (والعياذ بالله) وهذا التبرير من العرفاء ليس سوى محاولة بائسة للهروب من المأزق الذي وقعوا فيه!
والجواب على ذلك : إنّ تصريحات الحلاّج الكفرية وقوله (أنا الحق) في كل المواطن كاشفة عن يقينه الحقيقي بهذه العقيدة عن وعي واختيار وليس كما يدّعي العرفاء أنّ هذه التصريحات لا تصدر عنه إلا في حال المحو أو الغفلة أو السُكر!
ومن الأمثلة على ذلك ما ذكرته المستشرقة آنا ماري شيمل في كتابها الأبعاد الصوفية في الإسلام :
تقول : طرق الحلاّج باب الجنيد.
فسأل الشيخ الجنيد : من هناك؟
فقال الحلاّج : أنا الحق!
المصدر: الأبعاد الصوفية في الإسلام وتاريخ التصوف, آنا ماري شيمل, 78.
فتلاحظ أخي القارئ أنّ الحلاّج هنا في كامل وعيه, فلم يكن في حالة مناجاة مثلاً لكي يقال بأنه في حالة محو أو سكر أو غفلة كما يدّعي العرفاء.
وقد ذكر الحلاّج مقولته (أنا الحق) في شعره كثيراً ومنها قوله :
أنا سرّ الحق ما الحق أنا *** بل أنا الحق ففرق بيننا
أنا عين الله في الأشيا فهل*** ظاهر في الكون إلا عيننا؟
المصدر : الحب الإلهي , الشيخ شبّر الفقيه, 100.
وقال أيضاً:
خصّني واحدي بتوحيد صدق*** ما إليه من المسالك طرقُ
فأنا الحق حق للحق حقٌ*** لابسٌ ذاته فما ثم فرقُ
المصدر: أخبار الحلاج , ص65, المطبوع مع مقدمة ديوانه, دار الكتب العلمية.

رابعاً : الحلاّج نفسه لم يقل أنّ ما صدر منه كان في حالة محو أو سُكر أو غفلة بل كان بكامل وعيه يستدل على صحة قوله (أنا الحق) بأن الشجرة المباركة في القرآن قالت لنبي الله موسى عليه السلام (إِنِّي أَنَا اللَّهُ)!
يقول الحلاّج في كتابه الطواسين : من الشجرة من جانب الطور ما سمع من الشجرة من بررةٍ, ومثلي مثل تلك الشجرة.
المصدر: كتاب الطواسين , الحلاج, 156, منشورات الجمل.
فالذي يحاول تأصيل الفكرة والاستدلال على صحتها من القرآن كيف يقال عنه بأنه في حالة محو وغفلة وسُكر؟!
وتقول المستشرقة آنا ماري شيمل: هذه العبارة -أنا الحق- هي أشهر عبارة في الصوفية وقد ظهرت في أحد أبواب كتاب الحلاّج (الطواسين) فاقتبست من الكتاب في وقت مبكر جداً وأثيرت حولها المشاكل وفي الباب المذكور يناقش الحلاّج قوله هذا مقارنة مع ادعاء فرعون وادعاء الشيطان ففرعون قال كما جاء في القرآن (أنا ربكم الأعلى) والشيطان قال (أنا خير منه) وقد تخطاهما الحلاّج بقوله (أنا الحق) !
المصدر: الأبعاد الصوفية في الإسلام وتاريخ التصوف, آنا ماري شيمل, 78.

فالحلاّج يدافع عن هذا الاعتقاد ويصرّ على أنه حق ويناقش ما قاله نظيراه (الشيطان وفرعون) فكيف يقال بعد ذلك بأنه قال هذه الأقوال الكفرية في حالة المحو لا حالة الصحو؟!
والطريف أنّ قول فرعون (أنا ربكم الأعلى) الذي خطّأهُ الحلاّج هنا قد صحّحَه شيخ العرفاء الأكبر ابن عربي فقال : فصح قوله {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى}. و إن كان عين الحق فالصورة لفرعون!
المصدر : فصوص الحكم , ابن عربي , ص211.
فيكون ابن عربي أسوء حالاً من الحلاج فهو لا يصحّح قول الحلاّج (أنا الحق) فحسب بل صحّح قول فرعون أيضاً!
ولأنّ قول الحلاج (أنا الحق) أثيرت حوله المشاكل وتعرّض الحلاّج للقتل بسببه, لذلك كان ابن عربي يمارس التقية ولا يصرّح بهذه المقولة بشكل مباشر! وكان ينصح المتصوّفة بعدم التصريح بهذه المقولة في العلن لكي لا يكون مصيرهم كمصير الحلاّج!
فيقول :
فمن فهم الإشارة فليصنها *** وإلا سوف يقتل بالسنانِ
كحلّاج المحبة إذ تبدّتْ*** له شمس الحقيقة بالتداني
فقال أنا هو الحق الذي لا*** يغير ذاته مر الزمانِ
المصدر: شرح وتحقيق ديوان الحلاج , هاشم عثمان,ص21, مؤسسة النور للمطبوعات.

القسم الثاني: وهم العرفاء الذين قالوا أن الحلاّج قال (أنا الحق) على سبيل الحكاية كما لو سمع من الحلاج وهو يتلو الآية {لا إله إلا أنا فاعبدني} وهذا نوع من أنواع التقية! يمارسه بعض العرفاء لكي لا يظهروا عقيدتهم الأصيلة أمام العوام!
وفي الرد على هذا الاعتذار السخيف بأنه لا توجد آية في كتاب الله جاءت بنص قول الحلاج (أنا الحق) أو قوله (ليس في جبتي سوى الله) لكي يقال بأن ما صدر عنه كان على سبيل الحكاية, ولا يوجد ربط بين قوله تعالى {لا إله إلا أنا فاعبدني} ومقولة الحلاج (أنا الحق)!
يقول الدكتور طراد حمادة: أكثر الذين تناولوا هذه الشطحة (أنا الحق) ذهبوا إما إلى أن الحلاج قالها على الحكاية كما لو سمع وهو يتلو آية {لا إله إلا أنا فاعبدني} أو أن الحق تعالى قالها على لسانه والحلاج فانٍ عن نفسه مستهلك في شهوده!
المصدر : أسرار الحكمة والعرفان في شعر الإمام الخميني ص 106.
ومن الذين أخذوا بالتأويل الأول هو الغزالي وتبعه الملا صدرا الذي دافع عن البسطامي بقوله :وأما أبو يزيد البسطامي , فلا يصح عنه ما حُكي عنه لا لفظاً ولا مفهوماً ولا معنى . وإن ثبت أنه سُمع منه ذلك, فلعله كان يحكى عن الله تعالى في كلام يردد في نفسه, كما لو سمع منه وهو يقول : { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} فإنه لا ينبغي أن يقال ذلك إلا على سبيل الحكاية!
المصدر : كسر أصنام الجاهلية , الملا صدرا, ص48.
وهذا مردود كما بيناه إذ أن الحلاّج لم يقل (إني أنا الله) بل قال (أنا الحق) ولم تأتِ الآية بلفظ (إني أنا الحق) لكي يقال بأنه قالها على سبيل الحكاية! وأصحاب هذا التبرير يمارسون التقية ويخفون عن العوام عقيدتهم الحلاجية! ولكن الله يفضحهم من خلال تبريراتهم للزنادقة.
أما الذين أخذوا بالتأويل الثاني -أن الله تعالى قال أنا الحق على لسان الحلاّج- وهو قولُ العرفاء الذين كانت درجة تقيتهم أقل من غيرهم لأنهم يصرّحون بالعقيدة الحلاجية بكل وضوح ولكن في بطون الكتب!
كالعارف حسن مسقطي الذي يقول : ليس هو العارف الذي يتكلم، ولكن الذي ينطق هو الوجود البحت البسيط (أي الله)!
ويقول أيضاً : العارف صادق حتى في "شطحاته" لأن الله هو الذي يتكلم ، وحاشا للعارف أن يتكلف، فكلامه صدق لأن حالته هي تلك. والذي قال "أنا الحق" ليس هو الحلاج!
المصدر: قدوة العارفين سيرة العارف حسن المسقطي, تقي الموسوي, ص145.

ومن الطريف ما ذكره اللاهيجي للاعتذار عن الحلاج حيث قال : إنّ (أنا الحق) الذي سُمع في الحلاّج وغيره كان صوت الحق ونطقه! وقد سمع في الحلاّج وسواه عن طريق الانعكاس، فكان على هيئة صدى ظُنّ أنه هو قائله. ومثل هذه مثل امرئ يطلق صوتاً عند جبل، فيُسمع هذا الصوت ـ بالانعكاس ـ من الجبل نفسه، فيحسبه الجاهل صوت الجبل».
وهذا التبرير السخيف والمضحك هو شرح لبيت من الشعر للشبستري :
كل من خلا من نفسه، وصار كالخلاء
فإن «أنا الحق» يتبدّى صوتاً في داخله وصدى
المصدر : نهاية العشق , عبد الله الفاطمي, ص35 -36 نقلاً عن شرح روضة السر , ص375.
فعلى هذا كل من قال بتجرّد في أي سياق شاء: (أنا الله) -والعياذ بالله- فإنه يستطيع أن يقول إنّ كلمته تلك مجرّد انعكاس وصدى لصوت الله!

القسم الثالث : وهم الأخطر لأنهم يؤولون الآيات والروايات لكي تتوافق مع كلمات الحلاّج الكفرية! وبمعنى آخر  هم من سعوا  لأسلمةِ الكفر  الصادر عن الحلاّج على طريقة (خنزير مذبوح على الطريقة الإسلامية)! فهؤلاء قالوا بأن الحلاّج حاله كحال الشجرة المباركة التي جاء النداء منها (إني أنا الله) للنبي موسى عليه السلام!
يقول العارف عبد الله الفاطمي: وما أحسن قول الشيخ الشبستري:
تُقْبَل «أنا الحق» من شجرة
فلم لا تقبل ممن أقبل عليه السعد؟!
المصدر: نهاية العشق, عبد الله الفاطمي, ص38.
فلسان حال العرفاء يقول لماذا تطعنون في الحلاّج وتكفرونه؟ فإذا صّح قول الشجرة (إني أنا الله) فلماذا لا يصح قول الحلاّج ( أنا الحق)؟!
والجواب على  هذا هو أنّ الله سبحانه وتعالى حينما أراد مخاطبة النبي موسى عليه السلام خلق الكلام في الشجرة وليس كما يدّعي الحلاج وأبناؤه العرفاء بأن الشجرة هي عين ذات الله وأن الناطق هو الله بعينه (والعياذ بالله)!
يقول شيخ الطائفة الطوسي "قدس سره" : إنّ الكلام والنداء سمعه موسى من ناحية الشجرة، لأن الله تعالى فعل الكلام فيها لا أن الله تعالى كان في الشجرة، لأنه لا يحويه مكان، ولا يحل في جسم، فتعالى الله عن ذلك.
المصدر : التبيان, الشيخ الطوسي, ج8 ص146.
ويقول المحقق الكركي: أنه - الله- متكلم، بمعنى أنه خلق الكلام من جسم جامد، لأن ذلك ممكن، وهو سبحانه قادر على الممكنات، ولقوله تعالى : "وكلم الله موسى تكليما "
المصدر : رسائل الكركي ,المحقق الكركي , ج 1ص 60.
ويقول السيد مسلم الحلي : أن معنى اتصافه تعالى بالكلام وانتساب الكلام إليه، هو أنه تعالى يخلق أصواتاً وحروفاً في أجسام تدل على المراد، فمعنى أنه تعالى متكلم، أنه خلق الكلام لا أنه قام به.
المصدر : القرآن والعقيدة ,السيد مسلم الحلي ,ص 48.
فالشجرة حين تكلمت لم يكن كلامها سوى التبليغ عن الله تعالى بأنْ خلقَ الله تعالى الكلام فيها كما يبلّغ أمين الوحي جبريل عليه السلام بدلالة أنها مسبوقة بقوله تعالى: (إنّي) ولم تكن مباشرة (أنا الله) وبعدها (فاخلع نعليك) أي هو خطاب تنبيهي بغرض إبلاغ أمر.
أما هؤلاء الزنادقة يقولون مباشرة (أنا الحق)!
قد وردت آيات عن لسان أمين الوحي جبرائيل عليه السلام {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} فهل من حق أحدنا أن يجتزئ النص القرآني ويستحمق نفسه والآخرين فيقول: (أنا الغفور الرحيم)؟
تلك آية على لسان جبرائيل عليه السلام عن الله سبحانه وتعالى.

وقد بيّنا بالتفصيل بطلان هذه التبريرات في عدة مقالات بعنوان (حلاّجيون بلباس التشيّع)!

وقد احتمى بعض العرفاء بأسلوب آخر للفرار من التكفير, فمارسوا التقية وتظاهروا بمخالفة الحلاّج وبطريقة ماكرة! حيث أن أصل مخالفتهم للحلاّج تتمّثل في كشف سر عقيدتهم لا في أصل العقيدة! ولكنهم يتظاهرون بمخالفة عقيدته وبأساليب ملتوية!
ولكن السيد منير الخبّاز (هداه الله) لم يكن يعرف كل هذه الحقائق لذلك نفى أن يكون العرفاء يعتقدون كما يعتقد الحلاج واعتبر أنّ ما قاله الحلاج كفر! وأنّ العرفاء لا يقولون بقوله! وقريب من قوله ما ذكره الشيخ جعفر المبارك!
وكما هي عادتنا في التوثيق نطرح بين أيديكم أولاً مقطع التسجيل المرئي :
يقول السيد منير : إذن هذا هو الفرق بين ما يطرحه الفيلسوف وما يطرحه العارف من مبدأ ومفهوم وحدة الوجود, العرفاء لا يدّعون أنّ الإنسان يتحد مع الله أو كما ينقل عن الحلاج (الله في جبتي) و (الله في رأسي)لااا . لا يدّعون التوحّد بين وجود الله ووجود الإنسان هذا كفر لا يدعيه العرفاء إنما العرفاء يقولون أن هناك حقيقة هي لا موجود واقعاً إلا الله وما سواه إشارات له وهذا المدعى لا يمكن إقامة البرهان العقلي عليه بل الطريق لاستكشافه هو الشهود القلبي والشهود الوجداني ..

أقول : سيتبين للقارئ الكريم من خلال السطور القادمة أن العرفاء كالحلاج تماماً ولكنهم يخفون عقيدتهم ولا يظهرونها أمام الناس, بينما كان الحلاج يجهر بها على رؤوس الأشهاد ففضح سر عقيدتهم! وهذا الأمر هو سبب نقمتهم عليه!
وقبل الدخول في البحث نحتاج إلى مقدمة توضيحية وهي : إنّ العرفاء والمتزلفين لهم يقومون بحرف مسار الحوار حينما تناقشهم في وحدة الموجود التي يعتقدون بها, فتجدهم عادةً ينتقلون إلى موضوع الحلول والاتحاد, فيقول قائلهم (نحن لا نعتقد بالحلول والاتحاد)! وهذا أسلوب من الأساليب التمويهية التضليلية لخداع المؤمنين وإخفاء حقيقة ما يعتقدون, فالعارف لا يعتقد بوجود شيء آخر غير الله مختلف ومنفصل عنه لكي يتحد معه أو يحلّ فيه فالمخلوقات فانية فيه متحدة به دائماً وأبداً– أي فناءٌ أزلي- وعلى وتيرة واحدة كما صرّح بذلك كمال الحيدري .
المصدر: العرفان الشيعي, الحيدري,ص150.
وكل ما يحدث في هذا العالم من تغيرات  هي  تطورات في الذات الإلهية!
يقول حسن زادة آملي : العارف في هذا المقام-أي مقام الفناء في الذات-يرى جميع أنواع الكائنات المختلفة متحدة كما أن الجاهل يحسبها متكثرة...وفي هذا المقام يتحقق بحقيقة التوحيد وكلمة (لا إله إلا الله) الطيبة، قائلاً بلسان الحقيقة (يا هو يا من ليس إلا هو) فإذن لا يبقى له-العارف- ولا للممكنات الأخرى هوية،بل هوية الكل مضمحل ومتلاشٍ في تجلّي حقيقة الحق –الله-!
المصدر : السير إلى الله , حسن زاده آملي, ص164- 165.
فهذا نص صريح وواضح من حسن زادة آملي يثبت أنّ كل الكائنات متحدة مع الله (أي وحدة موجود)
ولذلك يجب الالتفات إلى محاولات العرفاء الماكرة التي يريدون من خلالها حرف الحوار والتمويه على المؤمنين لإيهامهم بأنهم لا يعتقدون بوحدة الموجود الكفرية.

يقول السيد منير : العرفاء لا يدّعون أن الإنسان يتحد مع الله أو كما ينقل عن الحلاج (الله في جبتي) و (الله في رأسي) لااا .

أقول : أتصوّر من خلال هذا التصريح أن السيد منير الخبّاز لم يستوعب مقامات عقيدة وحدة الموجود جيداً فأنكر اعتقاد العرفاء بها وأنكر توافق عقيدتهم مع عقيدة الحلاج! لذلك تسرّع وكفّر الحلاّج والقائلين بالتوحّد من غير الرجوع إلى أقوال العرفاء  وتصريحاتهم في الدفاع عنه!
فلا ندري أنأخذ بقول السيد منير أن العرفاء لا يقولون كما يقول الحلاج أم نأخذ بقول كبار العرفاء كالقاضي الطباطبائي القائل : إن أساس مطالب منصور الحلاّج هي نفس مطالب سائر العرفاء وليس لديه شيء آخر دونهم لكنّه كان مفشياً للأسرار الإلهيّة !
المصدر: الروح المجرد, الطهراني , ص444 طبعة دار المحجة البيضاء.
فالقاضي هنا يتكلّم على نحو الإطلاق وهو يقّر أن مطالب الحلاّج لم تكن تختلف عن مطالب سائر العرفاء.
ولاحظ قوله: (هي نفس مطالب سائر العرفاء!) ونفس الشيء يعني مطابق له فتكون كل مطالب الحلاّج الكفرية هي نفس مطالب سائر العرفاء!
ويؤكد القاضي الطباطبائي على تطابق معتقدهم بقوله : (وليس لديه شيء آخر دونهم!) فالحلاّج متساوٍ مع سائر العرفاء.
أما عن الأسرار التي كشفها الحلاّج, فهو لم يكشف إلا عن عقيدتهم (وحدة الموجود) حينما قال : (أنا الحق) -أي هو الله- وقال أيضاً :ليس في جبتي سوى الله!
فالعرفاء كالحلاّج يعتقدون بوحدة الموجود لا وحدة الوجود فحسب ولكن الفرق هو أن الحلّاج كان أكثر جرأة من أبنائه العرفاء فصرّح بعقيدته على رؤوس الأشهاد! فكفّره أغلب علماء عصره وعُلّق على حبل المشنقة! بينما كتمها العرفاء خوفاً من التكفير والقتل فجعلوها في كتبهم مغلّفة بعبارات مبهمة, فهم لا يملكون الجرأة التي يمتلكها الحلاّج.

يقول محمد حسين الحسيني الطهراني : نعم ، لكأنّ الجميع –العرفاء- يتّفقون على أنّ جرم الحسين بن منصور الحلاّج كان كشف الأسرار الإلهيّة، وهو جرم عظيم!
المصدر : الروح المجرد, الطهراني, ص448.
1
فمشكلة الحلاج أنه أفشى هذا السر (وحدة الموجود) في العلن وليست مشكلته عند العرفاء أنه يعتقد بهذا الاعتقاد!
يقول سنائي:
*اللسان الذي باح بالسرّ المطلق
كان الحلاّج في صيحته: أنا الحقّ
المصدر: نهاية العشق, عبد الله الفاطمي,ص27.
وبيّن الحافظ الشيرازي مشكلة الحلاج الأساسية بقوله:
ذاك الذي فيض المعارف عنه قد فاحا *** كل ما جناه أنه بالسر قد باحا
المصدر: العرفان والدين والفلسفة, المطهري , ص361.
ويقول المستشرق إدوارد براون: من العرفاء كفريد الدين العطار وحافظ –الشيرازي- وأمثالهم يعتبرون الحلاج بطلاً ويرون أن عيبه الوحيد هو إفشاء الأسرار هذا في حالة ما إذا كان من الممكن نسبة العيب إليه!
المصدر: تاريخ الأدب في إيران, إدوارد براون, ج1ص333.
ويقول المطهري : اتهمهُ العرفاء بإذاعة أسرارهم وإفشائها!
المصدر : الكلام, العرفان, الحكمة العملية, مطهري ص 84 المترجم: حسن الهاشمي, طبعة دار الكتاب الإسلامي.
فمشكلة الحلاج الوحيدة عند العرفاء هي أنه (بالسر قد باحا) أي أنه فضح سرهم (وحدة الموجود) على رؤوس الأشهاد حينما قال (أنا الحق) و (ليس في جبتي سوى الله)! وإلا فالحلاج عندهم ممدوح كما هو واضح في الشطر الأول من البيت الشعري لحافظ (ذاك الذي فيض المعارف عنه قد فاحا) فالمعارف برأيه تفيض من كلمات الحلاّج ولكن مشكلته أنه قالها في العلن!
يقول كمال الحيدري: ينبغي أن يكون الهدف الأسمى هو العود إلى ذلك الأصل واندراج وانطفاء ذواتنا في طيّ الذات الواجبة -الله- كما تندرج القطرة في البحر , وهذا هو معنى الفناء الحقيقي للذات,فلا غضاضة بعد ذلك إذا ما سُئلت القطرة : ما أنتِ ؟ فتقول: أنا البحر!
المصدر : العرفان الشيعي, كمال الحيدري,ص 252-253.
أقول: فلا غضاضة -عند العرفاء- إذا ما سُئل الحلاّج ما أنت؟, فقال : أنا الحق!

ولو ذهبنا لعارف آخر أقل تقيه من بقية العرفاء كالعارف حيدر الآملي وسألناه عن عقيدة الحلاّج وهل هي صحيحة في نظره أم لا ؟
لأجابك بكل صراحة وقال سأضرب لك مثالاً لعلك تستوعب هذه العقيدة: نفرض هناك ناراً موصوفة بالضوء والإحراق والحرارة والإنضاج وغير ذلك, ونفرض بإزائها فحماً موصوفاً بالظلمة والكدورة وعدم الحرارة والإنضاج, ثم نفرض أنه حصل لهذا الفحم قرباً إلى تلك النار بالتدريج واتصف بجميع صفاتها فصار ناراً وحصل منه ما حصل من النار, بل صار هو هي, فلا يجوز له أن يقول أنا النار؟ كما قال العارف (الحلاّج) أنا الحق؟ ومعلوم أنه يجوز لأنه صادق في قوله وفيه قيل : أنا من أهوى ومن أهوى أنا !!
المصدر : أسرار الشريعة وأطوار الطريقة وأنوار الحقيقة, حيدر الآملي , ص270-271.

فلا تتوهموا بأن قول الحلاّج (أنا الحق) كفرٌ وزندقة, لا بل هو الإيمان الخالص والعرفان الكامل فيجوز للحلاج أن يقول (أنا الحق) فقد قالها بعد تحقيق والقائل صادق!
وهكذا يبرّر العرفاء أقوال الحلاج الكفرية ويلبسونها ثوب الإسلام! واللطيف أن يختم حيدر الآملي تصريحهُ هذا بقوله: وهاهنا أسرار لا يجوز إفشاؤها أكثر من هذا!

أما عن قول السيد منير : العرفاء لايدّعون أن الإنسان يتحد مع الله أو كما ينقل عن الحلاج الله في جبتي والله في رأسي لااا .

أقول :بينا فيما سبق معنى الاتحاد عند العرفاء, فالعارف لا يعتقد بوجود شيء آخر متمايز ومنفصل عن الله لكي يتحد معه أو يحلّ فيه ولكن العارف يقول أنّ المخلوقات فانية فيه متحدة به دائماً وأبداً – أي فناءٌ أزلي- وعلى وتيرة واحدة!
ولقد دافع العرفاء عن الحلاّج محاولين تبرئته من الحلول والاتحاد, ولكن كما بينّا أن السيد منير الخبّاز بعيد عن هذه الحقائق ولم يحقق هذه المطالب بدقة كما ينبغي لذلك تصوّر أن الحلاّج يختلف عن العرفاء وأنّ العرفاء لا يقبلون تصريحاته الكفرية مثل (أنا الحق) و (ليس في جبتي سوى الله)!
يقول الدكتور طراد حمادة : الإمام –الخميني- يحسن الظن بالحلاج, ويربطه بطلب موسى للرؤية, ويعفيه من الحلول والشطح!
المصدر : أسرار الحكمة والعرفان في شعر الإمام الخميني ص 108.
ويقول أيضاً : إن حسن ظن الإمام –الخميني- بالحلاج يتوافق مع موقف الإمام الغزالي , لكنه يتجاوزه إلى ما هو أبعد في سلوك العاشق للفناء في المحبوب الإلهي!
المصدر : أسرار الحكمة والعرفان في شعر الإمام الخميني ص 109.
ويقول الخميني في قصيدة له : أن صيحة الحلاج -أنا الحق- صيحة عاشق صيحة مستهام وأن هذه الصيحة تعبير عن الحال ولا تبلغ ما بلغته شطحات الشاطحين!
المصدر : أسرار الحكمة والعرفان في شعر الإمام الخميني ص 108.
ولذلك صرّح الخميني نفسه بهذه المقولة فقال في شعره:
ذَهَلَتْ نفسيَ عن نفسي ـ «أنا الحقُّ» صرختُ
فاشتريتُ، مثلما الحلاّجِ يوماً، حَبْلَ شَنْقي
المصدر: نهاية العشق, عبد الله الفاطمي,ص3.
فالحلاّج عند الخميني لا يعتقد بالحلول ومعفيٌ عن الشطح كما أنه يصحح أقواله الكفرية كقوله (أنا الحق)!
1
يقول الشيخ علي البستاني : إن الإنسان في الوهلة الأولى وخاصة البعيد عن المنهجية العرفانية تجده من الصعب جداً أن يصل إلى قناعة وتصديق بما يقوله السالك وخاصة عندما يكون في حالة من حالات العرفانية المتقدمة والتي لا يشعر فيها بوجوده ولا بوجود غيره والتي تسمى حالة السكر أو الذهول فحينها قد يتفوه بكلام ظاهره الكفر وباطنه عمق الوصول إلى المعشوق وهي الغاية التي يصبو إليها, بل هي غاية الغايات عنده, وهذا ما حصل مع الحلاّج حسين بن منصور, حين اتهم بالكفر والارتداد وادعاء للألوهية تارة والحلول تارة أخرى, عندما سمعوه يقول أنا الحق , وما في الجبة إلا الله, أو قوله الذي أدى به إلى حبل المشنقة :
نحن روحان حللنا بدنا*** أنا من أهوى و من أهوى أنا
فإذا أبصرتني أبصرته*** و إذا أبصرته أبصرتنا
وما هذه الكلمات إلا تعبير عن الحالة التي يشعر بها هو, وهي حالة السكر والذهول في مقام الفناء في الله, ومن لا يعرف ماذا تعني هذه المصطلحات ولم يعش التجربة رأساً يحكم على المتكلم بالكفر والزندقة, وأما العرفاء فهم الوحيدون الذين يعرفون ماذا يقصد وبما يشعر وما في قلبه من لهيب العشق للمعشوق الأوحد, ولهذا لقبه العرفاء بـ(الشهيد) ويلومونه بأنه كاشف السر أو الأسرار!
المصدر: السير إلى الله في طريق العرفان, علي البستاني,ص25-26.

أقول: بينّا في المقدمة بطلان هذا التبرير السخيف وأن الحلاّج لم يكن في حالة سُكر كما يدّعي العرفاء بل كان بكامل قواه العقلية يستدل على صحة قوله (أنا الحق) وأنه كالشجرة التي جاء النداء منها (إني أنا الله)!
إن الله سبحانه وتعالى وهبنا نعمة العقل ودعانا للتفكّر في خلقه والتأمل في آياته والتدبر فيها, فلو كان هناك مرحلة يصل عندها الإنسان إلى تلك التعابير الصوفية السمجة لما قال تعالى {وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} فالفعل مضارع يفيد الاستمرار وهو يعني الحث على المداومة والاستمرار في التفكّر والتأمل في الخلق وإدراك ما حولنا وإدراك ذواتنا وأنفسنا لا حالة السكر التي يعبر عنها المتصوّفة بالمحو والمحق وعدم الالتفات إلى الذات وتلك الخزعبلات!
يقول السيد نعمة الله الجزائري: إن السكر المباح الذي يقع فيه ما يخالف الشريعة لا يكون سكراً مباحاً بل هو أشد حرمة من سكر الخمر وسكر الخمر حرام لهذه العلة لأن مرادهم-العرفاء- من السكر المباح هو الاتصال بالحضرة الربوبية وروى عن العامة والخاصة قول أمير المؤمنين عليه السلام لو كشف الغطاء لما ازددتُ يقيناً فمن بلغ هذه الدرجة الرفيعة لم يحصل له في وقت من الأوقات سكرة مباحة يقع منه فيها ما يخالف قانون الشريعة حتى يحتاج إلى هذا التأويل, وهذه السكرة المباحة جعلوها جواباً لكل ما وقع من مشايخهم من الكفر والزندقة أعاذنا الله من هذه السكرة المباحة.
المصدر: زهرة الربيع, السيد نعمة الله الجزائري, ص472.

يقول السيد منير : العرفاء لايدّعون أن الإنسان يتحد مع الله أو كما ينقل عن الحلاج الله في جبتي والله في رأسي لااا .

أقول: قال القاضي الطباطبائي : إن أساس مطالب منصور الحلاّج هي نفس مطالب سائر العرفاء وليس لديه شيء آخر دونهم لكنّه كان مفشياً للأسرار الإلهيّة!
المصدر: الروح المجرد, الطهراني , ص444 طبعة دار المحجة البيضاء.
تبيّن من خلال تصريح القاضي الطباطبائي بأن العرفاء كالحلاج والحلاج كالعرفاء لا تختلف مطالبهم ولكن العرفاء لا يظهرون هذه العقيدة -وحدة الموجود- أمام الملأ كما فعل الحلاّج بل يكتمونها أشد الكتمان ولا يصرحون بها إلا في مجالسهم الخاصة وبين خواصهم.
فالطهراني على سبيل المثال حينما تطرق لكلمات الحلاّج كقوله (أنا الحق) وقوله (ليس في جبتي سوى الله) عاب على الحلاّج التصريح بها فقط وليس عنده مشكلة في التفوّه بهذه الأقوال الكفرية في المجالس الخاصة!
يقول محمد حسين الحسيني الطهراني : لا إشكال في هذا النحو من التعبيرات -أنا الحق , ليس في جبتي سوى الله - في المجالس الخاصّة مع بعض الأحبّة والأعزّة من الأولاد أو الأصحاب لتعريف ذات الحقّ ووصول عبد الله إلى مقام الفناء في الله!
المصدر : الروح المجرّد , الطهراني, ص443.
فالعرفاء يقولون للناس نحن نقول بوحدة الوجود ويخدعونهم بهذه العبارة (الكثرة في عين الوحدة والوحدة في عين الكثرة) كالنصارى الذين يقولون (الثلاثة في واحد والواحد في ثلاثة)! ولكنهم في مجالسهم الخاصة ينطقون بوحدة الموجود صراحة وعلى طريقة الحلاّج أيضاً فيهتفون مثله (أنا الحق)! ويعتبرون هذه المرتبة أعلى درجات العرفان!
المصدر : قدوة الفقهاء والعرفاء, تقي الموسوي, هامش ص235.

وقد نفى السيد منير الخبّاز في هذا التسجيل المرئي عن العرفاء مقولة  (ليس في جبتي سوى الله) وحصرها في الحلاج فقط لكي يُوهم الناس بأن العرفاء لا يعتقدون بها ولا يقولون كما يقول الحلاج! والصحيح أنهم يعتقدون بهذه المقولة ولا يرون إشكالا في التفوّه بها إلا أنهم لا يصرّحون بهذه المقولة إلا في المجالس الخاصة كما قال الطهراني.

إنّ من لطف الله سبحانه وتعالى بعباده أن يُجري الحق على لسان بعض الضالين والمنحرفين لكي لا يختلط الحق بالباطل ويكون هذا الاعتراف حجة عليه وفي نفس الوقت يكون سبيلاً لتيقّن المؤمنين من الحقيقة! فيكشف هذا المنحرّف الضال عن انحرافه وضلاله وبطلان منهجه من غير أن يشعر !
قال أمير المؤمنين عليه السلام :ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه!
المصدر: نهج البلاغة ج 2 ص 148 .
وقد صدرت من العرفاء تلك الفلتات فصرّحوا بهذه العبارة في كتبهم كابن عربي والرومي وحيدر الآملي وحسن مسقطي وأخيه الأصغر حسين المسمى بالعالم وغيرهم وقالوا بكل صراحة (ليس في جبّتي سوى اللّه) وبرروا التفوّه بها!
وهذه الكلمة هي ترجمان واضح للعقيدة الكافرة (وحدة الموجود) لذلك ربطها السيد الخوئي "رضوان الله عليه" بالقول بوحدة الموجود فقال: وحكي عن بعضهم أنّه قال : ليس في جبّتي سوى اللّه . . . فإنّ العاقل كيف يصدر منه هذا الكلام، وكيف يلتزم بوحدة الخالق ومخلوقه ويدّعي اختلافهما بحسب الاعتبار؟ ! كيف كان، فلا إشكال في أنّ الالتزام بذلك كفر صريح وزندقة ظاهرة!
المصدر: التنقيح , الخوئي, ج3 ص81-82.

إذاً كل من يصرّح بهذا القول (ليس في جبّتي سوى اللّه) أو يجوّزه يكون كافراً زنديقاً بحسب فتوى السيد الخوئي "قدس سره" لأن هذا القول من مصاديق الاعتقاد بوحدة الموجود كما يُفهم من تعليق السيد على تلك العبارة.
إنّ مقولة (ليس في جبتي سوى الله) تقتضي القول بوحدة الموجود الكفرية!
يقول العلاّمة الميرزا حبيب الله الخوئي "قدس سره" حول هذه المقولة: والظاهر صدور هذا الهذيان -أي قول ليس في جبتي سوى الله- من خبيثِ لسانِ كلا الرّجلين -البسطامي والحلاج- بلا اختصاص له بأحدهما، لأنّه مقتضى القول بوحدة الوجود و من لوازمه.
المصدر:منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة , العلامة الخوئي, ج13 ص292.

هل صرّح العرفاء بهذه العبارة؟
تبيّن مما تقدّم أن عبارة (ليس في جبتي سوى الله) من لوازم القول بوحدة الموجود والتي أفتى فيها السيد الخوئي "قدّس سرّه" بقوله : لا إشكال في أنّ الالتزام بذلك كفر صريح وزندقة ظاهرة.
وهذا الحكم ينطبق على كل من يصرّح بهذا التصريح من العرفاء!

ليس في جبتي سوى الله على لسان ابن عربي:
يقول محسن جهانكيري (أستاذ الفلسفة في جامعة طهران) : أبدى ابن عربي اهتماماً كبيراً وعناية فائقة نحو هذا الصوفي الشهير والشطّاح الكبير -الحلاّج- وتحدّث عن مقاماته وأحواله, وفضّله في بعض الأحيان على أويس!! وأفرد ابن عربي رسالة مستقلة للتحدّث عن الحلاّج وأفكاره تدعى ( السراج الوهاج في شرح كلام الحلاّج) كما تحدّث عنه في سائر آثاره الأخرى لاسيما الفتوحات المكية وأشار إليه باحترام معبراً عن موافقته لأفكاره من خلال نقلها.
المصدر: محيي الدين بن عربي , الشخصية البارزة في العرفان الاسلامي,ص147.

يقول ابن عربي:
ليس في الجبة شيء غير ما *** قاله الحلاج يوماً فانعموا
المصدر : الفتوحات المكية, ابن عربي, ج2 ص320.
فهذا ابن عربي كبير العرفاء يصرّح بمقولة الحلاّج الكفرية ويعتقد بها لذلك قال هذه العبارة: (ليس في الجبة شيء غير ما) مقرونة بقوله (قاله الحلاج) فهو هنا يؤّكد على صحة قول الحلاّج! ولا يكتفي بذلك بل يختلق للحلاّج التبريرات أيضاً!
يقول ابن عربي : قال بعض الرجال -أي الحلاج- ما في الجبة إلا الله وأراد هذا المقام يريد أنه ما في الوجود إلا الله كما لو قلت ما في المرآة إلا من تجلى لها لصدقت مع علمك أنه ما في المرآة شيء أصلاً!
المصدر : الفتوحات المكية, ابن عربي, ج3 ص79.
أقول :  إن العرفاء اليوم يسيرون بسيرة ابن عربي فبدلاً من قولهم (ليس في جبتي سوى الله) يقولون (ليس في الدار غيره ديار)! مع أن العبارة الأخيرة هذه للحلاج أيضاً!
يقول الحلاج:
سكنتَ قلبي وفيه منك أسرارُ ***فليهنك الدار بل فليهنك الجارُ
ما فيه غيرك من سر علمت به***فانظر بعينك هل في الدار ديارُ
المصدر: خلاصة علم الكلام, عبد الهادي الفضلي,ص219.
فابن عربي حلاجي العقيدة فهو كالحلاّج تماماً ويصرّح بنفس قوله! (ليس في جبّتي سوى اللّه) فهو إذن في الحكم والموضوع كافرٌ زنديقٌ بحسب فتوى السيد الخوئي "قدس سره".
*وقد حكم بزندقة ابن عربي وكفره كبار المراجع في هذا العصر منهم تلميذ السيد الخوئي المرجع الشيخ إسحاق الفياض "دام ظله" في تسجيل صوتي يتحدث فيه عن العرفان الباطل الذي يدرّسه بعض المنتسبين للحوزة في حوزة النجف الأشرف! وكذلك كفّر المرجع السيد محمد صادق الروحاني"دام ظله" ابن عربي في فتوى صادرة عنه.
وقد سار العرفاء على نهج كبيرهم ابن عربي فأخذوا يسوقون التبريرات لهذا القول الكفري-ليس في جبتي سوى الله- ويلبسونه ثوب الإسلام!
يقول العارف حسين العالم (وهو الأخ الأصغر للعارف حسن مسقطي) : عندما يصل العبد إلى هذا المقام -الفناء في الذات الإلهية- لا يبقى هناك إلا المحبوب الحقيقي، فكما أن الفراشة عندما تحترق بالنار لا يبقى منها إلا النار، كذلك السالك حينما يفنى في النور لا يبقى منه إلا النورانية. وعند وصوله إلى هذا المقام، بأي طرف يرنو بنظره لا يرى غير الله ، وعندما ينظر إلى نفسه لا يجد لنفسه أثراً ، فتخرج الصيحة منه بلا اختياره "لا إله إلا أنا فاعبدوني" ، أو "سبحاني ما أعظم شأني" ، أو "ليس في جبتي سوى الله تعالى". لماذا يقول ذلك في حين أنه ليس الله ؟ يا عزيزي كلما يرنو بنظره لا يرى نفسه ... فهو فاني. فماذا يفعل فإنه لا يرى غير المحبوب. وعندها يتكلم لا بلسانه بل بلسان الله يتكلم.
المصدر: قدوة الفقهاء والعرفاء ,تقي الموسوي,ص286.
يقول إن الله هو الذي يتكلم بلسان العارف!! فيقول الله ليس في جبتي سوى الله!! (نعوذ بالله)

ليس في جبتي سوى الله على لسان صاحب المثنوي:
يقول جلال الدين الرومي : عندما طارت عنقاء الانسلاخ عن الذات بدأ أبو اليزيد –البسطامي- في ذلك الكلام. -أي قوله ليس في جبتي سوى الله-
- اختطف سيل الحيرة منه العقل فنطق بأفظع مما نطق به في البداية!
قال –البسطامي- ما في الجبة غير الله فإلامَ بحثك في الأرض والسماء؟
- فجن أولئك المريدون جميعاً وأخذوا يطعنون جسده الطاهر بالمُدى! -أي يطعنوا جسد البسطامي بالسكاكين-
كان كل واحد منهم كملحدى (كزده كوه) قد أخذ في طعن شيخه –البسطامي- دون انقطاع!
وكان كل من يطعن الشيخ بسلاحه يرتد إليه ويمزق جسده هو!
ولم يكن هناك أثر واحد على جسد صاحب الفضل ذاك -أي البسطامي-, وأولئك المريدون جرحى وغرقى في الدم!
فكل من وجه في صدره مزق صدره هو وأصبح ميتاً إلى الأبد!
وذلك الذي كان عارفاً ـ نصف معرفة ـ بمقام ذلك السلطان –البسطامي- لم يطاوعه قلبه على أن يطعنه طعنة ثقيلة!
لقد قيدت نصف معرفة يده فكسب روحه إلا أنه جرح نفسه فحسب.
وانتهى اليوم وقد ارتفع النواح من بيوت أولئك المريدين الناقصين!
ذلك أن المنسلخ عن الذات فانٍ في الله وآمن وهو ساكن إلى الأبد في الأمن.
لقد صارت صورته فانية وصار هو مرآة ولا يبدو في المرآة إلا صورة وجه الغير.
فإن بصقت في المرآة فإنما تبصق على نفسك وإذا ضربت أمام المرآة فإنك تضرب نفسك.
وإذا رأيت وجها قبيحاً فهو وجهك وإن رأيت عيسى بن مريم فهو أنت أيضاً!
المصدر : المثنوي , جلال الدين الرومي ,ج4 ص221-222.

أقول: إن العرفاء لا يكشفون عن عقيدتهم الأصلية ولا يصرّحون بها أمام الناس فهي عندهم سر من الأسرار التي لا يمكن كشفها إلى غيرهم بل لا يكشفونها حتى للسالك نفسه إلا إذا تعدى مرحلة الشريعة والطريقة ووصل إلى ما يسمونه مرحلة الحقيقة!
فهم لا يكشفون عن هذا السر للسالك إلا بعد عملية إعادة برمجة دماغ تامة تبدأ بإجهاده بالرياضات النفسية لكي يختل عقله أولاً ثم بعد ذلك يسهل اعتقاده بهذه الخزعبلات!
ولكن أبا يزيد البسطامي صرّح بهذه العقيدة أمام مريديه وهم في بداية المشوار لذلك ثاروا عليه وطعنوه بالسكاكين!
فيقول الرومي المعتقد بوحدة الموجود: قال –البسطامي- ما في الجبة غير الله ...فجنّ أولئك المريدون جميعاً وأخذوا يطعنون جسده الطاهر بالمُدَى (أي السكاكين)!
ولأنه كان في حالة الفناء المطلق مع الله والتي عبر عنها الرومي بقوله: أن المنسلخ عن الذات فانٍ في الله وآمن وهو ساكن إلى الأبد في الأمن, لقد صارت صورته فانية وصار هو مرآة ولا يبدو في المرآة إلا صورة وجه الغير.
فأصبح البسطامي عين ذات الله لأنه فني في الذات الإلهية! فهو الله والله هو (والعياذ بالله) فقد فنيت صورة البسطامي فأصبحت (عين) الذات وبهذا تحول إلى مرآة تبدو فيها صورة وجه الكائنات الأخرى. فحتى المريدون على هذا هم ذات الله ولكن لا يشعرون.
ما الذي يراه الإنسان في المرآة؟ صورته؟ أي عند ذلك الزنديق المخلوق يرى من خلال النظر إلى الخالق انعكاس صورته! أي ليس يوجد شيء في الحقيقة سوى المخلوق وبهذا يكون هو الله والعياذ بالله!
يقول الرومي: إن بصقت في المرآة فإنما تبصق على نفسك وإذا ضربت أمام المرآة فإنك تضرب نفسك, وإذا رأيت وجهاً قبيحاً فهو وجهك وإن رأيت عيسى بن مريم فهو أنت أيضاً!! (كل شيء هو أنت وأنت كل شيء)
المريدون الجهلة لم يكونوا يعلمون بأنهم عين ذات الله ولم يعلموا بأن البسطامي فانٍ في الذات الإلهية! فهم إذا طعنوا البسطامي يطعنون أنفسهم!
أما الذي كانت عنده نصف معرفة بعقيدتهم وحدة الموجود لم يطعن شيخه بقوة ولو كان عنده النصف الآخر لأيقن بأنه لا يستطيع الطعن في الذات الإلهية!!
هكذا يعرض الرومي -صاحب المثنوي- عقيدته وحدة الموجود فهو على دين الحلاّج والبسطامي والعرفاء تبعاً له يعتقدون بهذا الاعتقاد الكافر! فلا تجد أحداً منهم إلا ويمجد المثنوي وصاحبه!

ليس في جبتي سوى الله على لسان حيدر الآملي:
يقول حيدر الآملي : إذا ثبت أنه ليس في وجود إلا هو, فلا يكون في الظاهر والباطن والأول والآخر عقلاً ونقلاً وكشفاً إلا هو .  وهذا واضح جلي, فحينئذٍ يجوز للعارف بهذا السر أن يقول : ليس في الوجود سوى الله وليس في الوجود إلا الله.
المصدر : جامع الأسرار, حيدر آملي ,ص611, طبعة دار المحجة البيضاء بيروت.

أقول :ويجوز له أيضاً  قول : ليس في جبتي سوى الله كما في التصريح التالي.
يقول حيدر الآملي : اعلم أن الفقر هو عدم التمليك مطلقاً حتى عن وجوده وكل شخص يحصل له هذا الفقر على ما ينبغي لا شك أنه يخرج من حكم الوجود الإضافي الإمكاني وإذا خرج من حكم الوجود الإضافي الإمكاني لابدّ وأن يدخل في حكم الوجود الحقيقي الواجبي الكلي لأن الشيء إذا جاوز حدّه انعكس ضدّه, والوجود إما واجبي أو إمكاني والاتصاف بأحدهما ضروري فافهم وحقق معنى قولهم: إذا تم الفقر فهو الله! وأعرف بالحقيقة أن افتخار النبي عليه السلام بالفقر لم يكن إلا بمثل هذا , وسبحاني ما-أعظم- شأني ليس إلا في هذا المقام وكذلك أنا الحق ومن مثلي وهل في الدارين غيري وليس في جبتي سوى الله وأمثال ذلك!!
المصدر : تفسير المحيط الأعظم, حيدر الآملي ,ج2 ص431.

أقول : يعترف الآملي هنا بكل صراحة بأن كل شخص يحصل له هذا الفقر الذي يعني الفناء المطلق في الله, يخرج من حكم الإمكان –المخلوقات- إلى حكم الواجب –الله- فيصبح هو والله شيئاً واحداً!
ولكي لا تتوهم أنه يقصد شيئا آخر جاء لك بنصوص الحلاّج والبسطامي ليؤكد على هذا المعتقد الكافر فقال : (وسبحاني ما أعظم شأني) ليس إلا في هذا المقام وكذلك ( أنا الحق، ومن مثلي، وهل في الدارين غيري، وليس في جبتي سوى الله وأمثال ذلك!!
فهو إذاً يعتقد بوحدة الوجود والموجود (حقيقة) وأنه ليس هناك في الحقيقة إلاّ موجود واحد وهو الله  وهي ما تسمى بـ (توحيد خاص الخاص)
إنّ ما يعبّرون عنه في محاولات التمويه بالفناء في الذات الإلهية والحب والعشق هو فقط سلوك عملي عبادي يتم تكريسه لتثبيت أصل اعتقادي عندهم وهو وحدة الموجود.

نرجع إلى سيد منير الخبّاز الذي نفى أن يكون العرفاء يعتقدون كالحلاج وأنهم لا يقولون (ليس في جبتي سوى الله) ونقول له :
أليس ابن عربي من العرفاء؟ أليس هو شيخهم الأكبر؟!
أليس الرومي صاحب المثنوي من العرفاء؟!
أليس حيدر الآملي من العرفاء؟!
أليس فلان وفلان وفلان ... من العرفاء؟!
أليس كل هؤلاء صرّحوا بهذه العقيدة وبرروا قول (ليس في جبتي سوى الله)؟! وهم من كبار القوم بل أكبرهم فابن عربي هو شيخهم الأكبر وقد صرّح بقوله :
ليس في الجبة شيء غير ما *** قاله الحلاج يوماً فانعموا
المصدر : الفتوحات المكية, ابن عربي, ج2 ص320.
فهل تملكون الشجاعة الدينية والعقديّة فتكفّرون قائل هذه العبارة كما كفّرتم الحلاّج؟!

الخلاصة:
توضح للقارئ الكريم  من خلال ما تقدّم بأنّ العرفاء يوافقون الحلاّج في عقيدته الكفرية وقوله (أنا الحق)  وقوله (ليس في جبتي سوى الله ) ويختلقون لهذه العقيدة الأعذار الواهية والتأويلات السمجة والتبريرات السخيفة, والحقيقة بأنه لا فرق بينهم وبين الحلاّج إلا أنهم مارسوا التقية وأخفوا عقيدتهم الحقيقية ولم يظهروها إلا في بطون الكتب ليتأتى لهم التنصل والمراوغة إذا ما أحسوا الخطر! وبعضهم غلّف تلك الزندقة بعبارات تمويهية! بينما صرّح الحلاّج بعقيدته على رؤوس الأشهاد.
هذا وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
طالب علم
غرة شهر رمضان المبارك/ 1436 هـ