الجمعة، 27 مارس 2015

لله ثم للضمير وقفةٌ مع السيد منير "الحلقة الرابعة"

لله ثم للضمير وقفةٌ مع السيد منير "الحلقة الرابعة"

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجّل فرجهم والعن أعداءهم
تحدّث السيد منير الخباز في تسجيل مرئي عن معرفة حقيقة النفس والتي توصل الإنسان إلى معرفة حقيقة الله (كما يدّعي)! وقد أجبنا على ذلك في الحلقة الثانية من سلسلة (لله ثم للضمير وقفةٌ مع السيد منير) وبيّنا هناك أنه لا يمكن معرفة حقيقة النفس وكذلك من باب أولى لا يمكن معرفة حقيقة الله سبحانه وتعالى فيجب أن يوصف بما وصف به نفسه.
ثم ذكر السيد منير الخطوات التي يسلكها الإنسان في سبيل اكتشاف النفس بوصفها المقدمة والطريق الموصل لاكتشاف حقيقة الله!
في هذا المقال سنناقش بإذن الله تعالى الخطوة الأولى من تلك الخطوات.
كما هي عادتنا في التوثيق نطرح بين أيديكم أولاً مقطع التسجيل المرئي :
يقول السيد منير الخباز : الخطوة الأولى: أن يدرك الإنسان نقطة المنتهى، كيف يدرك نقطة المنتهى؟ نلاحظ عندنا عدة آيات قرآنية تصرح أن الإنسان يسير إلى الله وهو لا يدري، هو يسير إلى الله، كيف؟ هو لا يدري، مثلا {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ}أين أنت كادح؟! لست كادح للراتب ولا للمعاش ولا للثروة أنت مشتبه، أنت كادح إلى شيء آخر{إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} في لقاء يوم من الأيام أنت تسير نحو الله. أنت تظن أنك تسير نحو الثروة نحو المال نحو الجاه، لا أنت تسير نحو الله ? {إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} وقال في آية أخرى {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} منتهى السير هو الله. {أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}،{إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، كل إنسان هو يسير نحو الله لكن المهم أن يلتفت إلى أنه يسير نحو الله هذا هو المهم، كل إنسان هو سالك إلى الله شاء أم أبى. فالمهم أن يلتفت ويشعر أنه يسير إلى الله، أن يشعر ويلتفت أنه سالك إلى الله، هذا هو المهم. فالخطوة الأولى من خطوات معرفة النفس أن تشعر أنك تسير نحو الله، أن تشعر أنك سالك نحو الله، أن تعرف ذلك أنك في الطريق إلى الله عز وجل وأن إلى ربك المنتهى.
أقول : حددت الشريعة الإسلامية الطريق الوحيد الموصل إلى الله سبحانه وتعالى وهو طريق أهل البيت عليهم السلام, فكل الطرق الأخرى -غير طريق أهل البيت عليهم السلام -هي طرق الشيطان ومن يسلكها في النار كما جاء في حديث الافتراق, وكما أخبرنا الله سبحانه وتعالى في قوله جل وعلا {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
وقد أنزل الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وآله قوله {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} وعندما بلّغ النبي صلى الله عليه وآله أمته قال: (إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي, كتاب الله طرف بيد الله عز وجل وطرف بأيديكم، فاستمسكوا به ولا تضلوا، والآخر عترتي، وإنَّ اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، وسألت ذلك لهما ربي، فلا تَقَدّموهما فتهلكوا، ولا تقصِّروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم)
المصدر: روي بألفاظ متعددة, راجع بحار الأنوار,المجلسي, ج23 ص152, الغدير, الأميني, ص1 ص11 , وغيرهما.
فقد حُدّد الطريق الوحيد الموصل إلى الله تعالى بهما, فالقرآن هو الأصل وأئمة أهل البيت عليهم السلام هم الشرّاح, القرآن هو الدستور وهم المفسرون الشرعيون له القُوَّام على تطبيقه.
ولكن العرفاء خالفوا كل ذلك فقالوا : كل الطرق توصل الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى وإن الطرق إليه بعدد أنفاس الخلائق! فكل الديانات توصل الإنسان إلى الله سواءً كانت ديانة سماوية محرّفة, أم ديانة أرضية مبتدعة!
يقول الحلاج:
عَقَدَ الخَلائِقُ في الإِلَهِ عَقائِداً***وَأَنا اِعتَقَدتُ جَميعَ ما عَقَدوهُ!
وهذه هي عقيدة ابن عربي بذاتها فقد تمثّل بنفس هذا البيت في ديوانه!
المصدر: ترجمان الأشواق، ابن عربي, ص194.
وأنشأ قصيدة أخرى موافقة لقصيدة الحلاج جاء فيها :
لقد صار قلبي قابلاً كل صورة *** فمرعى لغزلان، ودير لرهبان
وبيت لأوثان، وكعبة طائف *** وألواح توراة، وصُحفٌ لقرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت *** ركائبه، فالحب ديني وإيماني.
المصدر : ترجمان الأشواق، ابن عربي,ص 44-43 .
وهي كما ترى مخالفة صريحة لكتاب الله تعالى في قوله {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
فابن عربي يريد أن يقول: لا شأن لكم بأتباع النحل والملل الأخرى وكفوا عن الدعوة إلى الإسلام ولا تقيدوا الناس بمعتقد واحد ولا تنتقدوا آلهة الآخرين فكلهم في النهاية يعبدون الله!
يقول في فتوحاته: إذا كان العارف عارفاً حقيقة لم يتقيد بمعتقد دون معتقد ولا انتقد اعتقاد أحد في ربه دون أحد.... وقد قضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه في كل معتقد إذ هو عين كل معتقد!
الفتوحات المكية, ابن عربي, ج4 ص168.
فإبراهيم عليه السلام حين هزئ بالأوثان وكسرها وكذلك رسول الله صلى الله عليه وآله حين عاب آلهة قريش فإنهما لم يتوصلا إلى المعرفة الحقيقية, معرفة نبي إله عالم الخيال والوهم (ابن عربي)!
فهل هذا ما تريد إيصاله للناس يا سيد منير بقولك (أن الإنسان يسير إلى الله وهو لا يدري... أنت تظن أنك تسير نحو الثروة نحو المال نحو الجاه، لا أنت تسير نحو الله)؟!
ِلمَ لا تقول للناس الحقيقة وهي أنّ العرفاء يعتقدون أن المتوجّه للصنم متوجهٌ إلى الله والمادح للصنم مادحٌ لله والساجد للصنم هو ساجد لله لأن كل شيء عندهم هو عين ذات الله؟! فالعبادة لا تقع إلا له حتى لو كانت في صنم! تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.
هذه هي الحقيقة ولا داعي لإخفائها فاعرضها للناس بشكل واضح ولا تغشّهم!
ولكنك تعلم جيداً أنك لو كشفت هذه الحقيقة لنفر الناس منك ولم يقبلوا بقولك! لذلك لم تنقل لهم الصورة الحقيقية حول اعتقاد العرفاء, ورحت تعرض عقيدتهم بطريقة مبهمة ضبابية وغير صريحة!

يقول السيد منير الخباز : أن الإنسان يسير إلى الله وهو لا يدري، هو يسير إلى الله، كيف؟ هو لا يدري، مثلا {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ}أين أنت كادح؟! لست كادح للراتب ولا للمعاش ولا للثروة أنت مشتبه، أنت كادح إلى شيء آخر{إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} في لقاء يوم من الأيام أنت تسير نحو الله. أنت تظن أنك تسير نحو الثروة نحو المال نحو الجاه، لا أنت تسير نحو الله ?
أقول: لا نخالك قصدت بكلامك أنّ الناس يسيرون نحو حكم الله فيهم وقضائه وتدبيره وجزائه فهذا إن جاز التعبير (سَير مآل وعاقبة) وذاك ليس هو ما يقصده العرفاء ولا شأن له بالسير والسلوك عندهم لأنّ الوصول الذي يتحدثون عنه هدفه معرفة الله.
ثم إن العرفاء والمتصوّفة يؤولون الآيات والروايات بما يوافق عقيدتهم الباطلة وقد قلنا سابقاً أن الاستدلال بالآيات الشريفة وتأويلها بما يطابق أهل المذاهب الباطلة منزلق خطير.
قال أمير المؤمنين عليه السلام : كم من ضلالة زخرفت بآية من كتاب الله كما يزخرف الدرهم النحاس بالفضة المموهة .
المصدر: عيون الحكم والمواعظ,الواسطي, ص381.
إن الإنسان يكدح كدحاً من خير أو شر فيلاقي ثوابه أو عقابه في الدنيا والآخرة, فهذه الآية لا تقتصر على أهل الطاعة وحدهم.
جاء في تفسير القمي : {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} يعني تقدم خيراً أو شراً ( فملاقيه ) ما قدم من خير وشر.
المصدر : تفسير القمي , ج2 ص412.
فالآيات الكريمات ليس لها علاقة بدين المتصوّفة فهي لم تقل بأن التوجه إلى أي شيء حتى الأصنام هو توجه إلى الله ولكن السيد منير (هداه الله) يريد بذلك تبرير ديانة العرفاء, وإليك بعض النماذج من تصريحاتهم:
قال الخميني : فما يُبحث عنه ويجري وراءه الجميع سواء في العلوم والفضائل والفواضل، أو في المعارف وأمثالها، أو في الشهوات والأهواء النفسانية، أو في التوجّه إلى كل شيء وأي شخص من قبيل أصنام المعابد والمحبوبات الدنيوية الأخروية الظاهرة والخيالية المعنوية والشكلية، كحب النساء والبنين والقبيلة والقادة الدنيونيين كالسلاطين والأمراء وقادة الجيوش، أو القادة الأخرويين كالعلماء المفكّرين والعرفاء والأنبياء عليهم السلام كل ذلك هو ذات التوجّه إلى الواحد الكامل المطلق (الله) . فليس من حركة تقع إلا له تعالى، وفي سبيل الوصول إليه جل وعلا، وليس من قدم تخطو إلا نحو ذلك الكمال المطلق!
المصدر : المظاهر الرحمانية , الخميني, ص88.
فتلاحظ أخي القاريء أن الخميني  يصرّح أن التوجّه إلى أي شيء حتى للأصنام هو توجه إلى الله!
ولاحظ جيداً ماذا يقول (هو ذات التوجّه إلى الواحد الكامل المطلق)! أي نفس التوجه لله تعالى وعينه! تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا, وهذا على النقيض تماماً لكتاب الله تعالى, فالله تعالى ذكر أن له سبيلاً واحداً والطرق الأخرى لا توصل إليه:
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
وبيّن سبحانه وتعالى أن التوجّه إليه يكون بالدين القيّم (الحنيفية) :
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}
ولم يخبرنا سبحانه وتعالى أن التوجه للصنم توجه له!
قال تعالى {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} ولم يقل (أنتم لله بها عاكفون) والعياذ بالله!
ولم يصف الله سبحانه وتعالى الشرك وعبادة الأوثان حتى وإن كان من يعبدها يقصد بذلك التقرّب إلى الله أنه توجه له تعالى, لا بل وصفه بالظلم العظيم!
قال تعالى {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}
فلا تستغرب أخي القاريء من قولهم هذا فإنّ من يأخذ دينه عن ابن عربي هكذا يكون مآله ولا عجب.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: إنا - أهل البيت - شجرة النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، وبيت الرحمة، ومعدن العلم.
المصدر: مصباح المتهجد,الشيخ الطوسي, ص45.
ويقول الخميني أيضاً : كل المحامد وكل كمال وكل ثناء يقع في هذا العالم هو له –الله- تعالى، والإنسان يتوّهم أنه عندما يتناول طعاماً لذيذاً فيمدحه أنه يثني على هذا الطعام ولكنّ هذا الحمد هو لله تعالى ولا يدري الإنسان ذلك، يمدح إنساناً ما فيقول أي فيلسوف وعالم هو؟ لكنه إنما يمدح ويحمد ويثني على الله ولا يدري، لماذا ؟ لأن هذا الفيلسوف والعالم ليس لديه شيء من نفسه، فكل ما هو موجودٌ هو تجليه تعالى، والذي أدرك عقلياً أنه تجليه تعالى فإنّ نفس هذا الإدراك هو أيضاً وكذلك حال المدرك، فكل شيء منه تعالى.
الإنسان يتوّهم أنه يمدح هذه السجادة أو هذا الشخص لكنه لا حمد ولا ثناء يقع إلاّ لله تعالى، لأنكم إنما تمدحون شخصاً لشيء فيه، فالمدح لا يكون للعدم، وكل شيء هو موجود منه تعالى لذا فكل حمد ومدح وثناء فهو له: "الحمد " يعني كافة المحامد ولله كل ما هو وله تعالى حقيقة الحمد.
نتوهم أننا نمدح ونحمد زيداً أو عمراً أو نور الشمس أو نور القمر، لكننا في الحقيقة محجوبون عن هذه الحقيقة، لا ندري بها هي مستورة عنا. نتوهم أننا نمدح ونحمد هذا أو ذاك لكن عندما ترفع الحجب نرى أن جميع المحامد هي له (الله) وأن نفس حمدنا له هو من تجليه.
المصدر : تفسير آية البسملة, الخميني, ص26 – 27.
ويقول أيضاً : يحصر الله تعالى جميع المحامد والاثنية في ذاته المقدسة لا سيّما مع تعلّق (بسم الله) بـ(الحمد الله) كما هو في سلوك أولياء العرفان وأصحاب اليقين ، وفي هذه اللطيفة أسرار لا يخلو كشفها من خطر. وبالجملة إن الفطرة السليمة التي لم تحتجب بأستار المظاهر الخَلقية وترد الأمانة إلى صاحبها كما هي, تشكر الحق في كل نعمة. بل عند الفطرة غير المحجوبة كل شكر من أي شاكر، وكل حمد وثناء من أي حامد ومثنٍ تحت أي عنوان ولأي شخص كان في أية نعمة كانت لا يرجع إلى غير ذات الله المقدسة جل وعلا وإن كان المحجوبون يظنون أنهم يمدحون غيره ويثنون على غيره!
المصدر: جنود العقل والجهل, الخميني, ص 176-177.
ويقول أيضاً : يختص الحمد به تعالى، يدرك الإنسان بأنه عاجز عن الفهم. إذ أن كل المحامد له. فلا أحد يليق به الحمد ولا أحد يُحْمَد غيره. حتى أن البعض يتصوّر أن (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) هو قضاء تكويني، قضاء الله بأن لا يعبد غيره. يتصورون بأنهم يسجدون للوثن، يمدحون الإنسان، يمدحون الشمس. ولكن المدح منه كلّه. وإنّ الجميع يمدحونه وهم لايفقهون!
المصدر : صحيفة الامام الخميني, ج17 ص426.
أقول : يصرّح الخميني في هذه النصوص بأن كل مدح وثناء لأي شيء هو مدح وثناء لله تعالى! يقول عندما نمدح عمراً أو زيداً فإننا نمدح الله!
تنبه جيداً أخي القاريء إلى أنه هو لم يقل عندما نمدح مؤمناً!, فالخميني ليس جاهلاً يعلم جيداً الفرق بين الإطلاق والتقييد! لذا حسب كلامه حينما يمدح أحدهم صدام فهو يمدح الله! نحن نتوّهم أن ذلك الوهابي يمدح صدام ولكنه في الحقيقة يمدح الله! وحينما يمدح  أحد الكفار الصنم هبل فهو يمدح الله أيضاً ولكننا محجوبون لا ندري بأن الصنم عين ذات الله!
فكل شيء هو الله ولا شيء غيره فلا يقع المدح والحمد والثناء إلا له, سواءً كانت المدحة في صنم أو في غيره!
أخي القاريء إن كنت تتوّهم أن كلامه سليم المقصد بتلك الديباجة المنمقة فتأمل جيداً تجد التصريح الواضح بوحدة الموجود بين السطور فتدرك  قصده!
تأمل في قوله : ( فكل ما هو موجودٌ هو تجليه تعالى، والذي أدرك عقلياً أنه تجليه تعالى فإنّ نفس هذا الإدراك هو أيضاً وكذلك حال المدرك، فكل شيء منه تعالى).
المصدر : تفسير آية البسملة , الخميني, ص26.
أقول : إن الموجودات ليست تجلي الله -معاذ الله- إنما الله تعالى (يتجلى بربوبيته لها بها) كما قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام.
{فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} ورد عن الإمام الرضا عليه السلام أن الله تجلى للجبل بآية من آياته. أي أظهر آية من آياته تعالى.
المصدر: بحار الأنوار ,للمجلسي , ج4 ص48, التوحيد للصدوق, ص122, عيون أخبار الرضا , ج2 ص178.
ولو تأمل القارئ الكريم في الآية جيداً فهي تعني أنّ الله تعالى يتجلى بربوبيته للمخلوقات وليست المخلوقات تجلّي الله! تعالى ربنا عن ذلك علواً كبير.
هناك فرق شاسع ,مثلاً يصح أن تقول: (تجلّى الصلاح للغاوين بمعرفة الدين) ولكن يغدو الأمر مختلفاً تماماً ويصبح تشويهاً للقيم والمبادئ حينما تقول (الغاوون تَجَلّي الصلاح) !
فعندما يقول : (إن كل ما هو موجود تجليه تعالى) أو كما قال في تصريح آخر: (أن الوجود تجلي الحق ولا شيء سواه) تعلمون هذا ماذا يعني؟ !
تصبح حتى الفضلات والقاذورات هي تجلي الله! والعياذ بالله!
لاحظ أخي القاريء أن الخميني يقول : (كل ما هو موجود)! ولم يقل كل جمال مثلاً لالتمسنا له العذر وقلنا كبوة جواد! لا ولكنه يعبّر عن عقيدته الحلاجية ويفصح عنها بشكل تلقائي فيقول (بأن الموجودات هي تجلي لله تعالى) بالمعنى الذي بيناه, وقال في موضع آخر: (فكل ما هو موجودٌ هو تجليه تعالى)!
وفي تصريح ثالث يقول : (علم العرفان والعرفان العملي يبحث عن الوجود المطلق أو بالتحديد عن الحق تعالى فلا بحث له سوى عن الحق تعالى وتجلياته التي هي عين ذاته!
المصدر: المظاهر الرحمانية , الخميني, ص51.
أقول:
المقدمة الأولى : إن كل ما هو موجود تجليه تعالى.
المقدمة الثانية: إن تجلياته عين ذاته.
النتيجة : الموجودات هي عين ذات الله!
فيتوضح لك أخي القاريء أن الخميني يعتقد أن الموجودات هي عين ذات الله تعالى! (والعياذ بالله)
وهذا ما أراد السيد منير تمويهه على الناس لإعذار العرفاء وتبرير عقيدتهم ولكن بأسلوب مبطّن! وفي التصريح القادم يظهر للقارئ المعنى بشكل أوضح .

يقول السيد منير الخباز : كل إنسان هو يسير نحو الله لكن المهم أن يلتفت إلى أنه يسير نحو الله هذا هو المهم، كل إنسان هو سالك إلى الله شاء أم أبى.
أقول : إن قول السيد منير (كل إنسان هو سالك إلى الله شاء أم أبى) هو إشارة لاعتقاد العرفاء أن العبادة لا تقع إلا لله بحسب التكوين! بحيث أنك لا تستطيع أن تعبد غير الله شئت أم أبيت!
والسبب هو أن العرفاء يعتقدون أن كل شيء هو الله والله كل شيء! فكل المخلوقات هي عين ذات الله تعالى بما في ذلك المخلوقات الخسيسة (والعياذ بالله)!
يقول الخميني : (عند أهل المشرب الأعلى الذوقي –العرفاء- كل فرد من أفراد الوجود حتى الموجودات الخسيسة عند أهل الظاهر -الكلب والخنزير والخمر والنفايات ومدفوع الخنزير- قرآن جامع له الظهر والبطن والحد والمطلع والمراتب السبعة بل السبعين).
المصدر : تعليقات على شرح فصوص الحكم ومصباح الأنس ، الخميني , ص215.
فالكلاب والخنازير عندهم قرآن جامع, والقرآن الجامع كناية عن القداسة! ولكي يبيّن لك العرفاء وحدة المخلوقات مع الله وأنه لا فرق بينهما جاء الخميني برواية لا وجود لها في مصادرنا الحديثية ويريد من خلالها أن يقول أنه ليس هناك فرق بين رِجْل ميتة الكلب والنبي موسى عليه السلام (والعياذ بالله)!
يقول الخميني : ولهذا ورد أنه تعالى أوحى إلى موسى (عليه السلام) أن جئني بموجود أخس منك فأخذ برجل ميتة كلب ثم تنبه على خطئه فتركها فأوحى الله تعالى إليه أن لو جئت بها لسقطت من مقامك فافهم ولا تغفل.
المصدر : فصوص الحكم لابن عربي , بتعليق الخميني , ص386.
وبسبب هذا الاعتقاد تجدهم يصرّحون بأن العبادة لأي شيء من هذه المخلوقات هي عبادة لله وأن العبادة لا تقع إلا لله عز وجل حتى لو كانت للشمس والقمر والنجوم والأصنام والأوثان ... إلخ , فأنت في الواقع تعبد الله من حيث لا تعلم! لأن كل هذه الأشياء عين ذات الله في معتقدهم ولكي يدخلوا هذا المعتقد الفاسد للإسلام ويُنظّروا له من بوابة الدين جنحوا إلى الكذب على الله ورسوله والقول في كتابه تعالى بالهوى وتأويل الآيات وفق ما يشتهي سيد وحدة الموجود ابن عربي لعنه الله!
فقالوا بأنّ القضاء في قوله تعالى {وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}هو قضاء تكويني! بمعنى أنك لا تستطيع أن تعبد غير الله تكوينياً وأنّ ذلك حكم واقع لا محال ! بينما الآية نفسها ترد هذا الادعاء ولكن العرفاء يبترون الآيات ثم يستدلون بالمقطع المبتور لإثبات هذا المعتقد الزائف!
قال تعالى {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} فهل الإحسان للوالدين تكويني أيضاً؟ فعلى ماذا عقوبة عقوق الوالدين؟!
ولكي تقف أخي القاريء الكريم على معتقد العرفاء بشكل واضح أنقل لك تصريح الدكتور أبو العلا عفيفي المحقق والمعلّق على كتاب فصوص الحكم.
يقول هذا الدكتور في مقدمة الفصوص : لم يستطع ابن عربي بعد أن قال بوحدة الوجود أن يدين بالإله الذي صوره الناس في مختلف أنواع الصور في معتقداتهم, وخلعوا عليه ما شاء عقولهم وقلوبهم أن يخلعوه من الصفات, فإن إله المعتقدات في نظره من خلق الإنسان, يتصوره كل معتقد بحسب استعداده وحظه من العلم والرقي الروحي, أما إله ابن عربي بل متصوفة وحدة الوجود جميعاً فلا صورة تحصره ولا عقل يحده أو يقيده لأنه المعبود على الحقيقة في كل ما يُعبد, المحبوب على الحقيقة في كل ما يُحب, إن العارف الكامل في نظره هو من رأى كل معبود مجلى للحق يُعبد فيه ... وكل من عبد غير هذا أو أحب غيره فقد جهل حقيقة ما عَبَدَ وما أحَب, يعبد المعتقد إلهه الخاص الذي خلقه في معتقده ويجحد غيره من آلهة الاعتقادات, ويثني على الحق وما درى أنه يثني على نفسه, لأنه إله المعتقد من صنعه والثناء على الصنعة ثناء على الصانع , ولو عرف هذا المعتقد حقيقة الأمر, وأن غيره ما عبد إلا الحق في صورة خاصة من صور الاعتقاد , أي لو عرف قول الجنيد وقد سئل عن الله فقال : (لون الماء لون الإناء) – لو عرف كل ذلك ما أنكر على غيره ما يعبده, لأن ذلك الغير يظن ولا يعلم أن معبوده هو الله والله تعالى يقول : (أنا عند ظن عبدي بي) أي إنني لا أتجلى لعبدي إلا في صورة معتقده الخاص... فكل صورة من الصور ناطقة بألوهية الحق, وكل معبود من المعبودات وجه من وجوهه, فَأَيْنَمَا (*) تولوا فثم وجه الله, وأياما تعبدوا فإنكم لا تعبدون سواه, قال تعالى {وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} يقول ابن عربي: حكم, وقدر أزلاً أنكم لا تعبدون غير الله مهما تكن صور معبوداتكم!
المصدر : فصوص الحكم , ابن عربي , بتعليق أبو العلا عفيفي, ص32-33. (*) في المصدر (وأياما).
أقول: تلاحظ أخي القاريء أن ابن عربي يقّر بكل الاعتقادات الباطلة وإنها صحيحة توصل الإنسان إلى الله ! لأنه في الحقيقة لا يستطيع أن يعبد غير الله تكوينياً فالوثني يتوهّم أنه يعبد الصنم ولكنه في الحقيقة يعبد الله شاء أم أبى! وهذا هو عين ما صرّح به السيد منير بقوله (كل إنسان هو سالك إلى الله شاء أم أبى) ولكن بصيغة مختلفة لكي لا ينفر الناس من هذا المعتقد الفاسد!
إن مقالته أن ( كل إنسان سالك إلى الله شاء أم أبى) في موطن كهذا لا يمكن تفسيرها أو تأويلها بما يوافق عقولنا كقولنا ( إنا لله وإنا إليه راجعون) أو غيرها من الألفاظ المشابهة، بل يتم حصر اللفظ بما يعتقده أصحاب هذا المشرب وإليكم بعض النصوص:
يقول ابن عربي : إن للحق في كل معبود وجهاً يعرفه من يعرفه و يجهله من يجهله: «وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» أي حكم. فالعالم يعلم من عُبِدَ، و في أي صورة ظهر حتى عبدَ، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عُبدَ غير الله في كل معبود.
المصدر : فصوص الحكم,ابن عربي ص72.
أقول : لاحظ قوله : (فما عُبدَ غير الله في كل معبود) فإنه يشير إلى أن كل المخلوقات هي عين ذات الله فإذا عبدتها فقد عبدت الله! بل من المستحيل أن تقع العبادة لغير الله لأنه حكم واقع لا محالة!
ويقول أيضاً : إن عبادة العجل فرقت بينهم -أي قوم موسى-، فكان منهم من عبده اتباعاً للسامري وتقليداً له، و منهم من توقف عن عبادته حتى يرجع موسى إليهم فيسألونه في ذلك , فخشي هارون أن ينسب ذلك الفرقان بينهم إليه فكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل، لعلمه بأن الله قد قضى ألَّا يُعْبَدإلا إياه: وما حكم الله بشيء إلا وقع, فكان عتب موسى أخاه هارون لِمَا وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه. فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء!
المصدر: فصوص الحكم, ابن عربي, ص192.
أقول: وهنا أيضاً يؤكد على أن العبادة للعجل هي عبادة لله بقوله: (فكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل، لعلمه بأن الله قد قضى ألَّا يُعْبَدإلا إياه: و ما حكم الله بشي ء إلا وقع...) ويقول بأن عتب النبي موسى لأخيه هارون بسبب إنكاره على القوم عبادتهم للعجل! لأن العجل عين الله تعالى فلماذا تنكر عليهم؟! ثم ربط هذا بقوله : (فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء)!
ويقول الجنابذي الملقب بالسلطان علي شاه :
(وَقَضَى رَبُّكَ) تكويناً كما أمر تكليفاً أو أمر تكويناً وتكليفاً على استعمال القضاء بمعنى إيصال الأمر إلى المأمور سواء كان بنحو التكوين أو التكليف لكن في أمره التكويني لا يقع التخلف وفي أمره التكليفي قد يقع التخلف أو ثبت عالم قضائه (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) إن مصدرية ولا نافية أو ناهية أو مفسرة ولا ناهية والمعنى قضى ربك أن لا تقع منكم عبادة تكويناً إلا له أو ان لا تقع ولا يصح تكويناً واختياراً أو لا يصح اختياراً وتكليفاً منكم عبادة إلا له! ...فالإنسان في عبادتها اختياراً للشيطان كالإبليسية وللجن كالكهنة وتابعي الجن وللعناصر كالزردشتية وعابدي الماء والهواء والأرض وللمواليد كالوثنية وعابدي الأحجار والأشجار والنباتات كالسامرية وبعض الهنود الذين يعبدون سائر الحيوانات وكالجمشيدية والفرعونية الذين يعبدون الإنسان ويقروّن بآلهة وللكواكب كالصابئة وللملائكة كأكثر الهنود وللذكر والفرج كبعض الهنود القائلين بعبادة ذكر الإنسان وفرجه !! وكالبعض الآخر القائلين بعبادة ذكر مهاديو ملكاً عظيماً من الملائكة وفرج امرأته! كلهم عابدون لله من حيث لا يشعرون لأن كل المعبودات مظاهر له باختلاف اسمائه!
المصدر :بيان السعادة في مقامات العبادة, الجنابذي, ج2 ص437.
أقول : فقوله (قضى ربك أن لا تقع منكم عبادة تكويناً إلا له) هو كما أشار السيد منير (أن  كل إنسان سالك إلى الله شاء أم أبى) وقوله (كلهم عابدون لله من حيث لا يشعرون) هو كقول السيد منير : (أن الإنسان يسير إلى الله وهو لا يدري)!

وقد يقول قائل إن هذا اعتقاد المتصوّفة وليس اعتقاد عرفاء الشيعة؟ فما يقصده السيد منير مما يراه العرفاء الشيعة يختلف عن قصد المتصوّفة؟
نقول: بل هو اعتقاد المتلبّسين بالتشيع أيضاً وإليك بعض نصوصهم:
يقول ملا صدرا : إن عبدة الأصنام إنما يعبدون أصنامهم لظنهم الألوهية فيها, فهم أيضاً يعبدون الله بوجه, إلا أن كفرهم لأجل غلطهم في المصداق, وإسنادهم التجسيم والنقص إلى المعبود, فلا فرق يعتد به بينهم وبين كثير من الإسلاميين قال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ), في أن لجميع الموجودات طاعة جِبِلَّية ودين فطري لله سبحانه لا يتصور منها تمرد ولا عصيان أصلاً, لأن أمره سبحانه ماض وحكمه جار لا مجال لأحد في التمرّد والعصيان أعني بذلك الأمر التكويني!
المصدر : مجموعة رسائل فلسفية , الملا صدرا, ص343, طبعة دار إحياء التراث العربي بيروت, الطبعة الأولى 1422هـ..
أقول : تلاحظ هنا بأن الملا صدرا يقول أن القضاء في الآية هو قضاء تكويني كما قال شيخه الأكبر ابن عربي! وإلا فمن أين علم الملا صدرا أن الحكم هنا تكويني لا تشريعي؟ من أين جاء بهذا؟ ثم انظروا إلى الخبث والهوى! (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ). كما ترون فإنه لا يتم الآية كاملة لأنها تفضح كذبه وافتراءه على الله ورسوله. {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} فهو يعلم جيداً أن الإحسان للوالدين غير متحقق في كل البشر وهذا يكشف عن كون الآية تتحدث عن حكم تشريعي لا تكويني كما يفتري ويدّعي!
ثم نسألك أيها العبقري ماذا تقول في الملاحدة الذين لا يؤمنون بخالق أصلاً! إن كنت وجدت مخرجاً للوثنيين وأشباههم واعتبرت عبادتهم للأوثان بوجه من تلك الوجوه الشوهاء- التي صاغها خيالك الأسود وقلبك المريض- عبادة لله فما قولك في الملاحدة أيها الغارق في بحور الجهل والضلال وعبادة إله عالم الوهم والخيال؟!
إن الملا صدرا أتى بهذا من كيس ابن عربي لعنه الله نبي ورسول إله عالم الوهم والخيال، وهم بهذا ينسبون العبث لله تعالى! فعلاما إذن خلق الله الجنة والنار؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ومن الملا صدرا إلى الخميني الأكثر صراحة منه.
يقول الخميني : كل العالم من أعلى مراتب الوجود إلى أسفل سافلين هو لا شيء إذ إنَّ كل ما هو موجودٌ هو –الله- تعالى لا غير؟! فماذا يمكن أن يُقال عن الوجود المطلق(الله)؟! ولولا أمر الله وإذنه -جلّ وعلا- فربما لم يتحدث عنه بشيء أي من الأولياء، وإن كان كل ما هو موجود حديثاً عنه لا عن سواه! والكلُّ عاجز عن التمرّد عن ذكره، فكلُ ذكرٍ ذكرُه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ..} ... فإنه (الله) هو الحمد والحامد والمحمود!
المصدر : وصايا عرفانية ص88, حسب ترقيم المكتبة الشاملة , وفي المطبوع ص44, وكذلك تجد النص في مقدمة كتاب سر الصلاة , ص40.
لاحظ قوله : (فكلُ ذكرٍ ذكرُه)! وقوله : (هو الحمد والحامد والمحمود)! أي حتى ذكر الأصنام هو ذكر الله!
والخميني -كابن عربي وصاحبه الملا صدرا- يفتري على الله ورسوله ويستشهد بتلك الآية في مقام إثبات الحكم التكويني والعياذ بالله!
أما المطهري فهو أكثر صراحة من أستاذه الخميني فجاء بعقيدة ابن عربي مباشرة!
يقول في كتاب التوحيد : أن العرفاء فسروا القضاء في قوله تعالى {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ..} بالقضاء التكويني الذي لا يمكن المحيد عنه, ومعناه أن البشر لا يمكنه أن يعبد إلا الله, ولا بن عباس في ذلك رواية في المقام مضمونها بأن عابد الوثن يعبد الله من حيث لا يعلم....)
ثم نقل شعراً بالفارسية للعارف الشبستري :
مسلمان كر بدانستى كه بت كيست **** يقين كردى كه دين دربت برستى است
وترجمته :
أيها المسلم لو كنت تعلم ما الوثن *** لأيقنت بأن الدين في عبادة ذاك الوثن.
المصدر : التوحيد , المطهري , ص39 , دار المحجة البيضاء.
أقول : قال الإمام الحسين عليه السلام في مدح أبيه أمير المؤمنين عليه السلام :
عبد الله غلاماً يافعاً * وقريش يعبدون الوثنين
وقلى الأوثان لم يسجد لها * مع قريش لا ولا طرفة عين
المصدر: الاحتجاج , الشيخ الطبرسي , ج 2 ص 26.
والعرفاء يقولون بأن الدين في عبادة ذلك الوثن!
ولكن الأكثر صراحة من الخميني والمطهري هو ابن الخميني مصطفى ! وهو -أي مصطفى الخميني- على ما يذكر العرفاء عنه : كان ترجماناً صادقاً وأميناً لآراء والده ومعتقداته!
المصدر : أسرار ملكوتية وإشراقات عرفانية, الشيخ رضوان فقيه, ص 7.
يقول مصطفى الخميني في تفسيره : أن العبادة لا تقع - بحسب التكوين وفي الأعيان والخارج - إلا لله تعالى ، وذلك إما لأجل أن الظاهر إرادة حصر العبادة فيه-الله- أينما تحققت، فنعبده ولا نعبد غيره ، لا على وجه الاختيار ، بل سواء كان بالاختيار أو كان لا بالاختيار، وسواء كان بحسب الظاهر معبوده غيره، أو كان هو تعالى اسمه، أو لأجل أن السالك كلما تميز شيئا للعبادة فهو غيره تعالى، ومع ذلك تكون العبادة له تعالى، فيعلم من ذلك أن جميع العبادات تقع له تعالى، أي أن السالك يتصوّر حال الخطاب ما ليس هو هو ، ومع ذلك يعد فعله عبادته تعالى، أو لأجل أن ضمير الجمع للاستيعاب ، أي إياك نعبد أنا وجميع العابدين، فتكون الآية الشريفة دليلاً على أنه تعالى كل الخيرات، وأن بسيط الحقيقة كل الأشياء وإن كان ليس بشيء من حدودها الناقصة الراجعة إلى أنفسها، وإلى ذلك يشير ما عن ابن عباس : أن القضاء في قوله تعالى : * ( وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ) * تكويني.
كر مؤمن بدانستى كه بت كيست **** يقين كردى كه دين دربت برستى است
المصدر : تفسير القرآن الكريم , مصطفى الخميني, ج2 ص32-33.
الترجمة:
أيها المؤمن لو كنت تعلم ما الوثن *** لأيقنت بأن الدين في عبادة ذاك الوثن.
أقول : تلاحظ أخي القارئ قوله : (أن الظاهر إرادة حصر العبادة فيه-الله- أينما تحققت، فنعبده ولا نعبد غيره، لا على وجه الاختيار، بل سواء كان بالاختيار أو كان لا بالاختيار، وسواء كان بحسب الظاهر معبوده غيره...) فهو كقول السيد منير : كل إنسان هو يسير نحو الله لكن المهم أن يلتفت إلى أنه يسير نحو الله هذا هو المهم، كل إنسان هو سالك إلى الله شاء أم أبى.
وكما تعلم أخي القارئ أن صريح كتاب الله تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} وليس في عبادة الأصنام! فالقوم غارقون وسارحون في عالم الوهم والخيال ولا يعرفون سوى إله عالم الوهم والخيال وهم في الحقيقة رواد السوفسطائية المؤسلمة!

الخلاصة:
تبيّن من خلال ما تقدم أنه لا يوجد طريق صحيح غير طريق أهل البيت عليه السلام وأن الطرق الأخرى هي طرق شيطانية توصل الإنسان إلى النار وليس إلى الله.
وبينّا بأن الآيات التي يحاول العرفاء لِيَّ عنقها وتفسيرها حسب هواهم ليس لها شأن بدين المتصوّفة، وذكرنا تفسير المعصومين عليهم السلام. وكشفنا عن حقيقة معتقد العرفاء وسبب قولهم أن العابد للوثن عابد لله والمتوجه إلى الصنم متوجه لله والمادح للوثن مادح لله! من خلال نصوصهم الدالة على وحدة الموجود.
وانتهينا بذلك إلى أنّ ما ذكره السيد منير الخباز (هداه الله) في محاضرته ما هو إلا تبريرات واهية وترقيعات بالية لمعتقد العرفاء الزائف.
هذا وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
3/جمادى الآخر/1436هـ ,ذكرى استشهاد سيدة نساء العالمين صلوات الله عليها.
طالب علم

السبت، 28 فبراير 2015

لله ثم للضمير وقفةٌ مع السيد منير "الحلقة الثالثة"

لله ثم للضمير وقفةٌ مع السيد منير "الحلقة الثالثة"
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجّل فرجهم والعن أعداءهم
في تسجيل مرئي للسيد منير الخباز عَرَضَ الطريق العرفاني للوصول إلى الله عبر الأسفار الأربعة مستدلاً ببعض الآيات القرآنية ومردداً ما يقوله العرفاء في هذا الشأن!
وهذا هو المقطع المرئي:
يقول السيد منير: ثم تنتقل إلى الأسفار الأربعة السفر من الخلق إلى الحق والسفر في الحق للحق وهذا يسموه قوس الصعود وهذا اللي تشير إليه بعض الآيات القرآنية {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي} هو وين راح؟! مو ذاهب يعني قاعد يمشي هو هذا السفر القلبي {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}سفر أنت في حال سفر إلى الله (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) أنت في حال سفر! سفر من الخلق إلى الحق والسفر من الحق للحق...
أقول: ذكرنا في إحدى المقالات السابقة أنّ العرفان بهذا المنهج الاعتقادي والسلوكي الشائع اليوم عند الناس هو باطل وليس من منهج أهل بيت النبوة صلوات الله عليهم، إذ ليس هو سوى الوجه الآخر للتصوّف، وهذا المنهج إنما هو منهج شيطاني كما أخبر بذلك أئمتنا صلوات الله عليهم، إذ هو يزعم أن بمقدور العبد أن يصل إلى معرفة الله بغير الطريق الذي رسمته الشريعة, كما يسمى عندهم بالكشف والشهود وقطع الأسفار الأربعة: من الخلق إلى الحق، بالحق في الحق، من الحق إلى الخلق، في الخلق بالحق!
وتلك الأسفار لا أصل لها في شريعة الإسلام بالمعاني التي يريدونها ويقصدونها.
والأخطر في هذا المنهج الشيطاني أنه يوقع صاحبه في الشرك باعتقاده بوحدة الوجود والموجود باستخدام عبارات جذابة براقة تستقطب ضعفاء القلوب.
انّ التقرب إلى الله تعالى ليس من لازمه هجرة الخلق! بل مما يقرّب إلى رضاه تعالى معاشرة الخلق بالإحسان إليهم, وهذا ردٌ على السفر من الخلق إلى الحق.
وأما بالحق في الحق، فنقول إنّ صفات الله تعالى وأسماءه تحتاج تدبراً في كلام من أرسلهم الله تعالى لنا وهم حججه المعصومون عليهم السلام، لا أن يجعل المرء من نفسه رسولاً! فتلك كلها كلمات ومصطلحات يزوقون بها الكفر ويمهدون بها إلى زندقة وحدة الوجود.
يقول الخميني وهو يخاطب ابنه أحمد : عزيزي ... الكلام هو في السفر من الخلق إلى الخالق تعالى، ومن الكثرة إلى الوحدة، ومن الناسوت إلى ما فوق الجبروت، إلى حدّ الفناء المطلق الذي يحصل في السجدة الأولى، و الفناء عن الفناء - وهو الذي يقع في السجدة الثانية - بعد الصحو - و هذا هو تمام قوس الوجود (من الله وإلى الله) وفي تلك الحال ليس هناك ساجد ومسجود له، ولا عابد ومعبود!
المصدر : سر الصلاة , الخميني, ص38, الطبعة الثالثة - طهران, سنة 2003 م .
وهذا التصريح غارق في وحدة الموجود فليس هناك ساجد ومسجود له، ولا عابد ومعبود فكل الأشياء واحد وذلك الواحد هو الله!
فكما تلاحظ أخي القارئ بأن تلك الأسفار ما هي إلا تمهيد لزندقة وحدة الوجود والموجود!
يقول آية الله العظمى السيد المرعشي النجفي "قدس سره" :
عندي أن مصيبة الصوفية على الإسلام من أعظم المصائب, تهدمت بها أركانه وانثلم بنيانه وظهر لي بعد الفحص الأكيد والتجوّل في مضامير كلماتهم والوقوف على ما في خبايا مطالبهم والعثور على مخبياتهم بعد الاجتماع برؤساء فرقهم أن الداء سرى إلى الدين من رهبة النصارى فتلقاه جمع من العامة كالحسن البصري والشبلي ومعروف وطاووس والزهري وجنيد ونحوهم ثم سرى منهم إلى الشيعة حتى رقى شأنهم وعلت راياتهم بحيث ما أبقوا حجراً من أساس الدين,أولوا نصوص الكتاب والسنة وخالفوا الأحكام الفطرية العقلية والتزموا بوحدة الوجود,بل الموجود وأخذ الوجهة في العبادة والمداومة على الأوراد المشحونة بالكفر والأباطيل التي لفقتها رؤساؤهم وإلتزامهم بمايسمونه بالذكر الخفي القلبي شارعاً من يمين القلب خاتماً بيساره معبراً عنه بالسفر من الحق إلى الخلق تارة, والتنزل من القوس الصعودي إلى النزولي أخرى وبالعكس معبراً عنه بالسفر من الخلق إلى الحق والعروج من القوس النزولي إلى الصعودي أخرى فيالله من هذه الطامات...
المصدر: شرح إحقاق الحق, المرعشي النجفي, ج1 ص184.
أقول: كشف السيد المرعشي النجفي "قدس سره"  بطلان هذه الطرق - الصوفية- وأنها من أعظم المصائب على الإسلام, تهدمت بها أركانه وانثلم بنيانه, وبيّن حقيقتها وأصلها بقوله : وظهر لي بعد الفحص الأكيد والتجوّل في مضامير كلماتهم والوقوف على ما في خبايا مطالبهم والعثور على مخبياتهم بعد الاجتماع برؤساء فرقهم أن الداء سرى إلى الدين من رهبة النصارى فتلقاه جمع من العامة كالحسن البصري والشبلي ومعروف وطاووس والزهري وجنيد ونحوهم...
وأكد على دخول هذا المعتقد الباطل للتشيّع بقوله : ثم سرى منهم إلى الشيعة حتى رقى شأنهم وعلت راياتهم بحيث ما أبقوا حجراً من أساس الدين...
وكشف "قدس سره" عن تأويلهم للآيات والروايات بقوله : أولوا نصوص الكتاب والسنة وخالفوا الأحكام الفطرية العقلية...
وبيّن كفر اعتقادهم بقوله : والتزموا بوحدة الوجود,بل الموجود وأخذ الوجهة في العبادة والمداومة على الأوراد المشحونة بالكفر والأباطيل التي لفقتها رؤساؤهم...
ثم كشف عن بطلان الأسفار الأربعة وعدم شرعيتها واصفاً إياها بالطامات!
فقال: والتزامهم بما يسمونه بالذكر الخفي القلبي شارعاً من يمين القلب خاتماً بيساره معبراً عنه بالسفر من الحق إلى الخلق تارة,والتنزل من القوس الصعودي إلى النزولي أخرى وبالعكس معبراً عنه بالسفر من الخلق إلى الحق والعروج من القوس النزولي إلى الصعودي أخرى فيالله من هذه الطامات!!

يقول السيد منير: وهذا يسموه قوس الصعود وهذا اللي تشير إليه بعض الآيات القرآنية {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ}... {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} أنت في حال سفر إلى الله (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ)...
أقول : الاستدلال بالآيات الشريفة وتأويلها بما يطابق أهل المذاهب الباطلة منزلق خطير.
قال أمير المؤمنين عليه السلام : كم من ضلالة زخرفت بآية من كتاب الله كما يزخرف الدرهم النحاس بالفضة المموهة .
المصدر: عيون الحكم والمواعظ,الواسطي, ص381.
إن الإنسان يكدح كدحاً من خير أو شر فيلاقي ثوابه أو عقابه في الدنيا والآخرة, فهذه الآية لا تقتصر على أهل الطاعة وحدهم.
عن أمير المؤمنين عليه السلام في جواب من اشتبه عليه من الآيات، قال: ولقد أعلمتك أنّ ربّ شيء من كتاب الله تأويله على غير تنزيله ولا يشبه كلام البشر، وسأُنبّؤك بطرف منه فيكفي إن شاء الله، من ذلك قول إبراهيم: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِين فذهابه إلى ربّه توجّهه إليه عبادةً واجتهاداً وقربةً إلى الله جلّ وعز، ألا ترى أنّ تأويله على غير تنزيله)
المصدر: تفسير الصافي, الفيض الكاشاني,ج4 ص274.
فهل ترك النبي إبراهيم "عليه السلام" الخلق واعتزلهم في سبيل أن يتوجه لعبادة ربه ويجتهد في طاعته؟! أم واصل رسالته في الإصلاح والدعوة إلى جانب الاجتهاد في الطاعة والعبادة؟!
الجهاد في الله تعالى يكون باتباعِ حججه وليس برهبنة أهل التصوّف!
في تفسير علي بن إبراهيم قوله عز وجل : { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا} أي صبروا وجاهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} أي نثبتهم وان الله لمع المحسنين وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال : هذه الآية لآل محمد صلوات الله عليهم و لأشياعهم.
المصدر: تفسير القمي, ج2 ص151.
فمن أين جاء المتصوفة بهذا التفسير للآيات الكريمات؟!

يقول السيد منير: ثم يجي قوس النزول السفر من الحق إلى الخلق والسفر في الخلق للحق وهذي الأسفار الأربعة يلخصها علمائنا في هذا الحديث في هذا الدعاء الشريف (اللهم وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة وتسير أرواحنا معلقة بعز قدسك) تشوف هم عرفاء –العرفاء ماينعزلوا عن الناس يعيشوا مع الناس لكن قلوبهم في الملأ الأعلى –يعيشون مع الناس لكن أرواحهم تحلق في مكان آخر هم مع الناس وليسوا مع الناس ولذلك وصفهم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في بعض أحاديثه (هجم به العلم على طريق الحقيقه فباشروا روح اليقين واستنالوا مستوعره المترفون وانسوا بمَ ستوحشه الجاهلون وصحبوا الناس في الدنيا بابدان أرواحها معلقة بالملأ الأعلى هؤلاء هم العرفاء الحقيقيون الذين ساروا على خطى أئمة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين...
أقول: إنّ الذي يصعد ويرتقي في مدارج الكمال لا ينزل ولا يهبط فإذا كان الغرض من الصيرورة مع الناس ومخالطتهم رضا الله تعالى والإصلاح فالإنسان حينها يكون في سمو وارتقاء مستمر.
فمجرّد اعترافك بما يسمونه قوس النزول هذا يعني أنّك تقرّ بأنهم يعتبرون هذه المرحلة تأخراً وتراجعاً في القرب من الله تعالى، فكيف تكون أرواحهم معلقة بالملأ الأعلى وهم يعتبرون ما يسمونه من الحق إلى الخلق وفي الخلق بالحق قوس "نزول" ؟!!!
ما حاولتم تأويله بقوس الصعود والنزول وخزعبلات المتصوّفة لا علاقة له بما تقول فإنّ الإمام يسأل الله تعالى تمام الانقطاع إليه في "جميع" شؤونه , في العبادة، وفي الاتكال والاعتماد عليه جل وعلا في أمور الدنيا والمعاش، وفي طلب رضاه تعالى في كل الخيرات بما فيها خدمة الناس والعيال, فهذا كله على المؤمن أن يسأل الله تعالى فيه تمام الانقطاع له تعالى بإخلاص النية في العمل والاجتهاد في العبادة والإقبال التام فيها.

يقول السيد منير: وهذي الأسفار الأربعة يلخصها علماؤنا في هذا الحديث في هذا الدعاء الشريف (اللهم وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة وتسير أرواحنا معلقة بعز قدسك)
أقول : الحجب في عبارة (خرق حجب النور) هي الحجب التي تمنع الوصول إلى نور البصيرة وتتمثل في التقصير وتعمّد المعاصي والغفلة وعدم خلوص النية.
أما (معادن العظمة) فليس المقصود بها المكان المادي فإنّ عظمة الله تعالى عين ذاته.
دلائل عظمة الله تعالى التي يستشعرها القلب المؤمن يلخصها الإمام عليه السلام بقوله: (عظم الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم )
المصدر: نهج البلاغة,خطب الإمام علي عليه السلام, ج2 ص161.
حينها تتعلق أنفسهم وأرواحهم بعز الله تعالى وكرمه وحده وتقطع الرجاء عما في أيدي الخلق وعن كل عزيز ذي سلطان سوى عز قدس الخالق جل وعلا.

يقول السيد منير: ولذلك وصفهم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في بعض أحاديثه (هجم به العلم على طريق الحقيقه فباشروا روح اليقين واستنالوا مستوعره المترفون وأنسوا بمَ ستوحشه الجاهلون وصحبوا الناس في الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالملأ الأعلى) هؤلاء هم العرفاء الحقيقيون الذين ساروا على خطى أئمة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين...
أقول: الحديث مبتور !!
ذلك الحديث الشريف مروي عن كميل بن زياد وهو بصدد الحديث عن حجج الله تعالى وهم المعصومون عليهم السلام! إلا إذا كان العرفاء يدّعون العصمة ومراتبها فهذا شيء آخر!
يقول المولى عليه السلام:
(لا يخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً لئلا تبطل حجج الله وبيناته ورواة كتابه. وأين أولئك؟ هم الأقلون عدداً، الاعظمون قدراً، بهم يحفظ الله حججه حتى يودعه نظراء‌هم ويزرعها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقائق الإيمان، فباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعر منه المترفون  واستأنسوا بما استوحش منه الجاهلون. صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى.
يا كميل أولئك أمناء الله في خلقه وخلفاؤه في أرضه وسرجه في بلاده والدعاة إلى دينه. واشوقاه إلى رؤيتهم أستغفر الله لي ولك"
المصدر : تحف العقول , ابن شعبة الحراني, ص171.
فتلاحظ أخي القارئ كيف بتر الحديث وحرّف معناه وحوله من خاص إلى عام وأدخل فيه عموم العرفاء!

الخلاصة :
توّضح مما سبق بطلان هذه الطرق (الأسفار الأربعة) فلا أصل لها في شريعة الإسلام وفق المعاني التي تنطوي على خزعبلاتهم وأباطيلهم , فهي بدع وخزعبلات مستوردة من المتصوّفة فقام العرفاء بِلَيِّ عنق الآيات والروايات بهدف أَسْلَمَتِها وإدخالها في الدين من باب التأويل!
ونؤكد على أنّ الأخطر في هذا المسلك الشيطاني أنه يوقع صاحبه في الشرك باعتقاده بوحدة الوجود والموجود وباستخدام عبارات جذابة براقة تستقطب ضعفاء القلوب.
وقد كشف السيد المرعشي "قدس سره" بطلانها وزيفها وعدم شرعيتها, ونص على أنها مستوردة من رهبة النصارى فتلقاها المتصوفة  ثم سرى منهم إلى الشيعة وبهذا تكونة هذه الاعتقادات الباطلة و الممارسات غير شرعية.
وقد بيّنا بأن الدعاء (اللهم وأنر أبصار قلوبنا...الخ) لا يمت لما ذهب إليه المتصوّفة بصلة ووضحنا معانيه بما يوافق الاعتقاد الصحيح بعيداً عن خرافات المتصوّفة وخزعبلاتهم.
وأما الحديث الأخير  فقد بتر العرفاء النص ثم أخرجوه عن التخصيص إلى العموم وأدخلوا فيه العرفاء!
وقد عرضنا النص كاملاً وتبيّن أن المقصود هم المعصومون لا غيرهم. وهذا تدليس خطير وخداع للناس واستغفال لهم , ومما يؤسف له أشد الأسف أن يُوقع الناس في حبال العرفاء أمثال السيد منير الخباز - من غير قصد منه إن شاء الله- ويردد ما يقولونه من غير بحث أو تحقيق.
هذا وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
5/جماده الأولى/ 1436هـ
ذكرى مولد العقيلة زينب الكبرى عليها السلام
طالب علم

السبت، 14 فبراير 2015

لله ثم للضمير وقفةٌ مع السيد منير "الحلقة الثانية"


لله ثم للضمير وقفةٌ مع السيد منير
"الحلقة الثانية"


بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجّل فرجهم والعن أعداءهم
في تسجيل مرئي للسيد منير الخباز دعا جميع المؤمنين لمعرفة الله سبحانه وتعالى عن طريق معرفة النفس مستشهداً بالحديث النبوي الشريف (من عرف نفسه فقد عرف ربه)! مدّعياً أنّ من عرف حقيقة نفسه عرف حقيقة ربه!
ثم قسّم  أهداف معرفة النفس عند الطوائف والأديان إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: هم الذين يسعون لمعرفة النفس لتحقيق أمور خارقة للعادة كالهندوس.
القسم الثاني: هم الذين يسعون لمعرفة النفس لأجل معرفة النفس فقط كالصوفية.
القسم الثالث: هم الذين يسعون لمعرفة حقيقة الله عن طريق معرفة حقيقة النفس، فمعرفة النفس عندهم هي جسر يوصلهم لمعرفة حقيقة الله سبحانه وتعالى! وهذا الطريق الأخير -طريق العرفاء- اعتبرهُ السيد منير هو الطريق الصحيح!
وما يهمنا ونريد التعليق عليه هو ما اعتبره طريقاً صحيحاً لمعرفة حقيقة النفس التي توصل الإنسان إلى معرفة حقيقة الله على حد قوله!
وسنبين أن ما ذكره بخصوص المتصوّفة غير صحيح فهم أيضاً دوافعهم هي ذات دوافع القسم الثالث، وما هذا الفصل والتمييز سوى فذلكة ومحاولة لتبرئة ساحة العرفاء من التجانس والتماهي مع الصوفية.
وهذا هو المقطع المرئي:
يقول السيد منير الخباز : أما مصطلح المعرفة لدى أهل العرفان: المقصود به عندما يقال المعرفة لدى أهل هذا العلم ولدى السالكين في هذا الطريق (العرفاء) فإن المقصود به هو التوصّل بانكشاف حقيقة النفس إلى انكشاف حقيقة الباري تبارك وتعالى وهو ما عبر عنه الحديث النبوي الوارد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله "من عرف نفسه فقد عرف ربه" ... أما الطائفة الثالثة وهي الطائفة الصحيحة: هي التي اشتغلت باكتشاف النفس لا لأجل اكتشاف النفس، بل لأجل أن يكون اكتشاف النفس طريقاً للوصول إلى الله، فاكتشاف النفس مجرّد طريق ملحوظ كما يقول العلماء على نحو الطريقية، لا على نحو الموضوعية، ما اكتشاف النفس إلا جسر يوصل إلى معرفة "حقيقة" الباري تبارك وتعالى. "من عرف نفسه فقد عرف ربه" وهؤلاء هم أهل العرفان الحقيقيون الذين اشتغلوا بتهذيب أنفسهم وإصلاحها واكتشاف كنهها وجوهرها سبيلاً إلى الوصول إلى الله تبارك وتعالى.
أقول: إنّ المتأمل في محاضرة السيد منير الخباز بعنوان (العرفان هو الطريق إلى الله) يجد أنها تلخيص وتهذيب لِما ذكره الطباطبائي (صاحب الميزان) من كلام مطوّل في تفسيره:6/169 حول معرفة الله عن طريق معرفة النفس، ولم يكلّف (السيد منير) نفسه عناء الاطلاع على معنى الحديث وتفسيره عند علمائنا الأبرار أتباع آل محمد عليهم السلام بل اكتفى بما يروجه أتباع ابن عربي من تأويل وليّ لعنق الروايات لكي تخدم عقيدتهم الباطلة !
والجواب على ما جاء في كلامه من عدة وجوه:
أولاً: أن الحديث (من عرف نفسه عرف ربه) لم يرد في الأصول المعتبرة، وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وآله، وعن أمير المؤمنين عليه السلام، وأقوى ما يستدل به لتصحيحه أن بعض العلماء تلقاه بالقبول ولكنّ الفرق بينهم وبين العرفاء أنهم فهموه على نحو لا يتنافى مع الثابت من عقائدنا.
ثانياً: لو سلّمنا باعتباره فإنّ معناه أبعد ما يكون عما يريد العرفاء الترويج له، وغاية معناه أن الذي يعرف أنه مخلوق عاجز فقير مركّب ممكن يعرف أن له خالقاً مقتدراً غنياً بسيطاً واجباً، فالحديث على فرض اعتباره إنما هو ناظر إلى أنه كلما زاد الإنسان بصيرة في نفسه العاجزة الجاهلة الضعيفة كلما زاد بصيرة في إجلال الله تعالى بمعرفة صفاته وأنه قادر عالم قيوم مهيمن، فالنفس البشرية آية من آيات الله تعالى، بمعنى أنها دلالة تدل عليه، ولذا جاء في القرآن الحكيم: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} فقوله تعالى: {وَفِي أَنفُسِهِمْ} يعني في جملة ما يعني أن هذه النفس البشرية تختزن دلالة على الله تعالى، من جهة كونها مصنوعة محتاجة إليه، فيعرف الإنسان الحق بذلك كما لو شاهد آية في الآفاق.
ولهذا جاء في الحديث الشريف عن الصادق عليه السلام: «عرفان المرء نفسه أن يعرفها بأربع طبائع وأربع دعائم وأربعة أركان، فطبائعه: الدم والمرة والريح والبلغم، ودعائمه الأربع: العقل، ومن العقل الفطنة والفهم والحفظ والعلم، وأركانه: النور والنار والروح والماء» إلى آخر الحديث الشريف.
المصدر: علل الشرائع للصدوق ج1 ص108.
ويدل أيضاً على أن الإنسان كلما عرف نفسه بالإمكان والنقصان، عرف ربه بالوجوب والكمال، فهو يدعو إلى تركيز النظر على محدودية النفس ومحاسبتها ومكافحة العجب والغرور، ولا يدل على أن معرفة النفس طريق معرفة الله تعالى.

هذا هو معنى الحديث على فرض أنه معتبر وليس معناه أنه يؤسس لمنهج معرفي قائم على الكشف والشهود وأنه لا شاهد ولا مشهود! كما أنه لا يؤسس لمنهج سلوكي قائم على الفناء في الله كما يزعمون! وأن الإنسان يصل به إلى مقامات ودرجات كدرجات الأولياء والأنبياء صلوات الله عليهم! لأن الإنسان كما يدّعون موضع تجلي الله تعالى وخليفته في أرضه. وهم بذلك ينفخون في ذاتيته ويوهمونه أنه ولي كبير لله تعالى، أو إلهٌ صغير! وهذا نقيض معنى الحديث!
ثالثاً: أن معرفة الله تعالى لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق الأئمة المعصومين عليهم السلام: إنّ الله تعالى عندما أرسل نبيه صلى الله عليه وآله وأنزل عليه كتابه، فقد حدد طريق معرفته وعبادته بما أنزله على رسوله صلى الله عليه وآله. وعندما بلغ النبي صلى الله عليه وآله أمته فقال: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، وأنهما لا يفترقان إلى يوم القيامة، فقد حدد طريق معرفة الله تعالى وعبادته بهما. فالقرآن هو الأصل وأئمة العترة عليهم السلام هم الشرح. والقرآن هو الدستور وهم المفسرون الشرعيون له القُوَّام على تطبيقه. وبذلك انتهى الأمر ولم يبق مجال للفذلكة والفلسفة!
ودليل آخر على أن أهل البيت عليهم السلام بهم يُعْرفُ الله تعالى وبهم يُعبد: أن معرفته وعبادته تحتاج إلى علم وتجسد عملي، ولن تجد العلم الصحيح بالله إلا عندهم، ولا التجسيد الصحيح لمعرفته تعالى وعبادته إلا فيهم.
وقد رأيت أن الذين تركوهم افتقروا من العلم فالتجئوا إلى الحاخام كعب الأحبار، فشبّهوا الله تعالى وجسّدوه، ولم يقفوا في انحدارهم حتى جعلوا ربهم شاباً أمرد وعبدوه! فأي فكر هذا، وأي معرفة لخالق الكون، وأي عبادة لرب العالمين؟!!
المصدر: معرفة الله، الشيخ علي الكوراني، ص101-102.
أقول: وهذا ما فعله العرفاء أيضاً حيث أنهم لجئوا لابن عربي وغيره من المتصوّفة وأخذوا عقيدتهم وحدة الموجود منهم!
رابعاً: بحثَ فقهاؤنا الحد الأدنى الواجب من معرفة الله تعالى، ولم يذكر أحد منهم أن من طرقه التأمل في النفس! بل نصَّت الأحاديث الصحيحة على أن المعرفة من صنع الله تعالى، ففي الكافي:1/163: (عن محمد بن حكيم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : المعرفة من صُنْع من هي؟ قال: من صُنع الله ليس للعباد فيها صنع).
المصدر: نفسه، ص102.
خامساً: إن الذي حدث وسيحدث أنك تقدم لعوام الناس ومتعلميهم باسم الدين، دعوةً مبهمةً إلى معرفة الله تعالى عن طريق معرفة أنفسهم والتأمل فيها، وسرعان ما يجدوا فيها مشروعاً لتحقيق الذات وتضخيمها وادعاء صاحبها أنه بالاستغراق في نفسه سيملك طاقات عظيمة، ويبلغ مقامات خيالية! كما ترى في نماذجهم مع الأسف!
عندما أقول لرجل أو امرأة: إنك تستطيع أن تكون من أهل السلوك والعرفان، ولا يكلفك ذلك إلا أن تعرف نفسك وتتأمل فيها فتُفَجِّر بذلك طاقاتها العظيمة! فعليَّ أن أدرك إلى أين دفعت هذا الشخص!
إن حب الذات أقوى غرائز الإنسان، واعتقاده بحصول العرفان ومقاماته بدون تحديد الوسائل والأهداف، يجعله أمام خطر عبادة الذات وتعظيمها، فيتخيل أنه وصل إلى الله تعالى وصار صاحب أسرار إلهية! ويزين له الشيطان عالماً من نسج خياله، ويدفعه إلى الادعاءات الباطلة، أعاذنا الله وجميع المؤمنين.
أمَا كان الأحرى بدل ذلك أن توجهه إلى العمل، وترك المحرمات وأداء الواجبات، وأن يدقق في مكسبه ومأكله ومشربه هل هو حلالٌ زكيّ أم خبيثٌ رديّ؟ وفي سلوكه مع من هم تحت يده، هل هو لهم أبٌ رفيق، أو أخٌ شفيق، أم عليهم كالسبع الضاري ؟!
وفي عقائده بربه عز وجل ونبيه صلى الله عليه وآله وما أنزل الله عليه، وأئمته عليهم السلام وسيرتهم ومناقبهم.
وإيمانه بآخرته ويقينه بها، ومعايشته لعوالم عقيدته وأجوائها؟! ونظرته إلى الناس ورحمته لهم عامة، وحبه لمن كان له في رسول الله وآله صلى الله عليه وآله نصيب. وعمله لخدمتهم..الخ.
ومن جهة أخرى، تنطوي دعوة الناس لمعرفة الله عن طريق التأمل بالنفس على خطر أن تصير أداةً لتعذيب الذات وسوء ظن الإنسان بنفسه والناس، ثم تتحول حالة تعذيب الذات عند صاحبها أداة لقمع الآخرين وتعذيبهم باسم العرفان وتزكية النفس! وبإمكانك أن تجد في مدعي الاشتغال بالعرفان وتزكية النفس نماذج من القساة الذين يشتمون الناس في مواعظهم، وكأنهم يثأرون منهم! وفي كلتا الحالتين حالة تعظيم النفس وحالة تعذيبها، يتضمن هذا السلوك خطورة أن ينسى أصحابه أولوية تطبيق أحكام الشريعة! وينسى التعرف على طريقة أهل البيت عليهم السلام في معرفة الله تعالى.
سادساً: ما دامت معرفة النفس طريقاً إلى عبادة الله، وما دامت عبادته عز وجل غاية الخلق وطريق التكامل الوحيد، ولا تحصل إلا بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام؛ فالدعوة إلى تطبيق الشريعة مقدم رتبةً على التأمل في النفس، وكذلك الاقتداء بالنبي وآله صلى الله عليه وآله، فلابد في الدعوة إلى العرفان من دعوة المسلم إلى إطاعة الأحكام الشرعية حسب فتوى مرجع تقليده، وأن يتخذ من النبي وآله صلى الله عليه وعليهم قدوة وأئمة في المسلك والسلوك. ولذا أجاب أحد الفقهاء الكبار شخصاً سأله: ما هو العرفان وكيف يكون الإنسان عارفاً ؟ فقال: هذه الأحكام الشرعية التي تطبقها يومياً فتصلي وتصوم وتقوم بالواجبات وبعض المستحبات، وتترك المحرمات، هي العرفان، وأنت بسلوكك هذا تمارس المعرفة.
المصدر: نفسه، ص108.
سابعاً: إن خلاصة هذا الطريق هو الوصول إلى الاعتقاد بوحدة الموجود الباطلة عقلاً ونقلاً، فإذا كانت خلاصته توصل المرء إلى الكفر بالله تعالى باعتقاده وحدته مع الخالق فلا شك ببطلان هذا المسلك!
أضف إلى ذلك ما ذكره العلامة السيد عبد الله شبّر لمعنى هذا الحديث الشريف حيث يقول: وقد ذكر له المحققون معانٍ  انتهت إلى اثني عشر:
الأول: أنه لما كانت النفس محركة للبدن والروح محركة للجسد فيلزم من ذلك معرفة أن للعالم مدبراً، وللكون محركاً، فمعرفة النفس من جملة الأدلة الموصلة إلى معرفة الرب.
الثاني: أن من عرف كون نفسه واحدة، وأنها لو كانت متعددة لأمكن التعارض والممانعة والفساد في البدن، عرف أن الرب لو تعدد لكان ذلك كله كما قال تعالى {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}.
الثالث: من عرف أن النفس هي المحركة للجسد باختيارها وإرادتها، عرف أن الله هو المدّبر للعالم باختياره وإرادته.
الرابع: من عرف أنه لا يخفى على النفس أحوال الجسد علم أنه لا يعزب عن الباري مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء لامتناع علم المخلوق وجهل الخالق.
الخامس: من عرف أن النفس ليست إلى شيء من الجسد أقرب منها إلى شي آخر منه، علم أن نسبة الأشياء كلها إلى قدرة الله وعلمه على السواء.
السادس: من عرف أن النفس موجودة قبل البدن، باقية بعده، عرف أن ربه تعالى كان موجوداً قبل خلق المخلوقات وهو بعدها باق لم يزل ولا يزال.
السابع: من عرف أن نفسه لا يُعرف كنه ذاتها وحقيقتها عرف أن ربه كذلك بطريق أولى.
الثامن: من عرف أن نفسه لا يعرف لها مكان ولا أينية عرف أن ربه منزّه عن المكان والأينية.
التاسع: من عرف أن النفس لا تحس ولا تمس ولا تدرك بالحواس الظاهرة عرف أن الله كذلك.
العاشر: أن من عرف نفسه علم أنها أمارة بالسوء، فاشتغل بمجاهدتها وبعبادة ربه، ومن عبد الله وأطاعه كانت معرفته صحيحة، ومن عصاه فكأنه لم يعرفه لأنه إذا لم ينتفع فهو أسوأ حالاً ممن لا يعرفه فكأنه عليه السلام قال: من عرف نفسه جهادها وعبد ربه، ومن عبده فقد عرفه حق المعرفة وحصل له ثمرة العلم.
الحادي عشر: من عرف نفسه بصفات النقص عرف ربه بصفات الكمال إذ النقص دال على الحدوث فيلزم ملازمة الكمال المقدّم.
الثاني عشر: أنه عليه السلام :علّق محالاً على محال، أي كما أنه لا يعرف حقيقة النفس ولا يمكن معرفة حقيقتها كذلك لا يمكن معرفة حقيقة الرب فيجب أن يوصف بما وصف به نفسه والله أعلم.
المصدر: مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار، السيد عبد الله شبّر، ج1 ص204-205.
تأمل أخي القارئ الكريم في كل هذه المعاني التي ذكرها علماء الطائفة الأبرار لهذا الحديث الشريف لكي تكتشف البون الشاسع بين معنى الحديث وبين ما يدعيه العرفاء!

- نواصل التعليق على ما جاء في كلام السيد منير الخبّاز:
يقول: المقصود به عندما يقال المعرفة لدى أهل هذا العلم ولدى السالكين في هذا الطريق (العرفاء) فإن المقصود به هو التوصّل بانكشاف حقيقة النفس إلى انكشاف "حقيقة" الباري تبارك وتعالى وهو ما عبر عنه الحديث النبوي الوارد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله "من عرف نفسه فقد عرف ربه"
ويقول أيضاً : هي التي اشتغلت باكتشاف النفس لا لأجل اكتشاف النفس بل لأجل أن يكون اكتشاف النفس طريقا للوصول إلى الله ... ما اكتشاف النفس إلا جسر يوصل إلى معرفة حقيقة الباري تبارك وتعالى... وهؤلاء هم أهل العرفان الحقيقيون!!
أقول : إن الله تبارك وتعالى لا تُعرف "حقيقته" وكل من ادّعى ذلك يكون كافراً، وإنما يُعرف الله بمعرفة أوليائه وموالاتهم، وبمعرفة أعدائه والبراءة منهم، وكذلك عرفان الله، وتلك حقيقة الإيمان. وهذا ما جاء عن المعصومين عليهم السلام .
روى الشيخ الصدوق: خرج الحسين بن علي عليهما السلام على أصحابه فقال: أيها الناس إن الله جل ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه. فقال له رجل: يا بن رسول الله بأبي أنت وأمي فما معرفة الله ؟ قال: معرفة أهل كل زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته.
المصدر: علل الشرائع / ج١ ص١٢ / باب٩
وقد نهوا صلوات الله عليهم عن مجرّد التفكّر في ذات الله تعالى فكيف بادعاء معرفة حقيقتها؟!
إنّ الإنسان عاجز عن معرفة الحقائق التفصيلية لبعض مخلوقات الله تعالى كالجن والملائكة فهو بهذا عن معرفة حقيقة الله أعجز.
إن كل ما ورد من صفات لذات الله تعالى هي فقط لمعرفة صفاته تعالى بما هي صفات، وليس حقيقته وحقيقة ذاته فذاك مستحيل وممتنع عن العقل.
إن الله سبحانه وتعالى يورد صفات الجنة ولكنك مهما اجتهدت في أن تدرك حقيقتها لن تصل! (ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) فهذه الجنة فما بالك بخالقها!
إن ما يُذكر في القرآن الكريم من صفات الجنة هي أوصاف تطابق بالاسم فقط أوصاف جنان الدنيا وإلا فهي من حيث المصداق لا تعطيك تصوراً مطابقاً لحقيقة الجنة إطلاقاً.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: من تفكّر في ذات الله تزندق! وفي رواية أخرى: من تفكّر في ذات الله ألحد!
إن مجرّد التفكّر وهو يعني التأمل في ذات الله تعالى هو تزندق والمتأمل هو المتعمق!؟
سُئل علي بن الحسين (عليه السلام) عن التوحيد؟ فقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون، فأنزل اللّه تعالى: {قُل هُوَ اللّهُ أحَد} أي: سورة التوحيد والآيات من سورة الحديد إلى قوله: {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ}، فمَن رام وراء ذلك فقد هلك.
المصدر: الكافي الشريف، الكليني، ج1 ص91.
أجل إن التعمق في ذات الله تعالى زندقة، وإن من قرن تلك الآيات في سورة الحديد بغير الوحدانية هالك.
وقد تقدّم فيما ذكره العلامة السيد عبد الله شبّر "رحمه الله " من معنى الحديث أنه عليه الصلاة والسلام علّق محالاً على محال، أي كما أنه لا يعرف حقيقة النفس ولا يمكن معرفة حقيقتها كذلك لا يمكن معرفة حقيقة الرب فيجب أن يوصف بما وصف به نفسه، وكذلك من عرف أن نفسه لا يُعرف كنه ذاتها وحقيقتها عرف أن ربه كذلك بطريق أولى.

أما قول السيد منير الخباز: الطائفة الأخرى: اشتغلت باكتشاف النفس من أجل اكتشاف النفس، فاكتشاف النفس عندها هدف تسعى إليه، كثيرون سمعوا أن اكتشاف النفس ومعرفة النفس شيء جميل فاتعبوا أنفسهم في اكتشاف النفس لأجل اكتشاف النفس، أصبح الهدف والغاية هو اكتشاف النفس، هؤلاء هم أهل التصوف، المتصوفة أيضا أشغلوا أوقاتهم وأنفسهم باكتشاف النفس ورياضتها لكن هدفهم من ذلك هو نفس العمل هو اكتشاف النفس وليس شيئا آخر.
أقول: إن ما ذكره بخصوص المتصوّفة غير صحيح فهم أيضاً دوافعهم هي ذات دوافع العرفاء، وما هذا الفصل والتمييز سوى فذلكة ومحاولة لتبرئة ساحة العرفاء من التجانس والتماهي مع الصوفية.
فهو يحاول بذكر المتصوّفة هنا على أنهم قسم من طلاب معرفة النفس لأجل النفس أن يميّز العرفاء المتلبسين بالتشيّع عنهم ويريد أن يقول أنهم مختلفون في الهدف بينما لو راجعَ الباحث كتب المتصوّفة سيجدهم يسعون لمعرفة حقيقة الله من خلال معرفة حقيقة النفس! ويستدلون بنفس الحديث على ذلك!
فهذا كبير المتصوّفة بل أكبرهم ابن عربي يقول في فصوص الحكم: معرفة الإنسان بنفسه مقدَّمة على معرفته بربه، فإن معرفته بربه نتيجة عن معرفته بنفسه، لذلك قال عليه السلام (من عرف نفسه عرف ربه).
فصوص الحكم لابن عربي، ص 215.
ويقول أيضاً: الإنسان في الرتبة فوق الملائكة الأرضية والسماوية، و الملائكة العالون خير من هذا النوع الإنساني بالنص الإلهي. فمن أراد أن يعرف النَّفَسَ الإلهي فليعرف العالم فإنه من عرف نفسه عرف ربه الذي ظهر فيه! أي العالم ظهر في نَفَسِ الرحمن الذي نفَّس الله به عن الأسماء الإلهية ما تجده من عدم ظهور آثارها. فامتنَّ على نفْسه بما أوجده في نَفَسِه!!
فصوص الحكم لابن عربي، ص145.
قد يقول قائل أن ابن عربي من عرفاء الشيعة وليس من المتصوّفة! وما ذكره يدل على ذلك.
أقول: أثبتنا فيما سبق بطلان هذا الادعاء وقد اعترف بعدم تشيعه كبار العرفاء كالخميني.
ينقل غلام علي رجائي عن آية الله الشيخ المحمدي الجيلاني أنه قال: سمعت من الإمام (الخميني) يوماً قوله إن المرحوم القاضي سعيد القمي هو في الشيعة نظير محيي الدين بن عربي عند أهل السنة!!
المصدر: قبسات من سيرة الامام الخميني في ميدان التعليم الحوزوي والمرجعية ص105.
ثم إن النصوص لا تقتصر على ابن عربي فحسب فهناك الكثير من المتصوّفة ذكروا هذا الحديث واستدلوا به على معرفة حقيقة الله عن طريق معرفة حقيقة النفس!
يقول القيصري (شارح الفصوص): (فالحق الله-محدود بكل حد) لأن كل ما هو محدود بحد مظهر من مظاهره، ولذلك ربط النبي صلى الله عليه وسلم، معرفة الحق بمعرفة النفس فقال: (من عرف نفسه فقد عرف ربه)، ولكون النفس الإنسانية مشتملة على جميع المراتب الكونية والإلهية، والحق الله أيضاً مشتمل عليها بحسب ظهوراته فيها، وما يعرف العارف نفسه غالباً إلا مجملا كما لا يعلم مراتب ربه إلا مجملا، ربط النبي، صلى الله عليه وسلم، معرفة الرب بمعرفة النفس، قال تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق) وهو ما خرج عنك (وفي أنفسهم) وهو عينك (حتى يتبين لهم) أي، للناظرين لهم أنه الحق الله-من حيث إنك صورته وهو روحك). استشهاد بالكلام المجيد وتأكيد لهذه الرابطة. فإن إرائة الآيات في الآفاق، أي في الأكوان، ليست إلا ظهور الحق وتجلياته في حقائق الأكوان، وكل منها دال على مرتبة معينة وحقيقة خاصة إلهية، كما أن إرائة الآيات في الأنفس إنما هي ظهوره وتجلياته فيها بحسب مراتبها، والعالم كله مظهر الحق الله، فالنفس الإنسانية أيضا كذلك، فالعارف لنفسه عارف لربه.
المصدر: شرح فصوص الحكم، القيصري، ص505.
أقول: وهذا هو اعتقاد العرفاء المتلبسين بالتشيع حيث ينظرون للعالم على أنه جزء من الذات الإلهية!!
يقول العارف حيدر الآملي: فكل من كانت عين بصيرته مفتوحة لا ينكر ذلك القول، ويعرف بالحقيقة أن معية الحق تعالى إلى الموجودات، هي بعينها معية روحه مع أعضائه وجوارحه. وقد مر هذا الكلام مراراً في بيان قوله (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم)، و قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (من عرف نفسه فقد عرف ربه).
جامع الأسرار، حيدر الآملي، ص: 308.
أقول: تبين من خلال النصوص السابقة بأنه لا خلاف بين المتصوّفة والعرفاء في الهدف! فالمتصوفة أيضاً يسعون لمعرفة حقيقة الله تعالى من خلال معرفة حقيقة النفس وليس الأمر كما يدّعي السيد منير الخباز من أنّ المتصوفة يريدون معرفة النفس لأجل النفس! وتبين أيضاً أنهم يعتقدون أن الأشياء هي الله سبحانه وتعالى فهذا القيصري يقول بأنّ الله محدود بكل حد (والعياذ بالله)! وحيدر الآملي يقول بأن معية الله مع الموجودات معية روح الإنسان مع جوارحه! تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.

الخلاصة:
تبيّن من خلال ما تقدّم بطلان دعوى العرفاء بإمكانية معرفة حقيقة الله تعالى من خلال معرفة حقيقة النفس، لأن الله سبحانه وتعالى لا تُعرف حقيقته، وكل من يزعم معرفة حقيقة الله تعالى يكون زنديقاً، فالمقصود من معرفة الله هو معرفة الأئمة صلوات الله عليهم فمن خلالهم تعرف الله حق معرفته بالوحدانية. فلا تعتقد بالعقيدة الباطلة التي يروّج لها العرفاء كوحدة الموجود الباطلة عقلاً ونقلاً!
أما حديث (من عرف نفسه عرف ربه)  فقد تبيّن معناه وهو أبعد ما يكون عما يريد العرفاء الترويج له، فالحديث على فرض اعتباره إنما هو ناظر إلى أنه كلما زاد الإنسان بصيرة في نفسه العاجزة الجاهلة الضعيفة كلما زاد بصيرة في إجلال الله تعالى بمعرفة صفاته وأنه قادر عالم قيوم مهيمن، فالنفس البشرية آية من آيات الله تعالى، بمعنى أنها دلالة تدل على أنّ لها خالقا أبدعها، فالحديث يدعو إلى تركيز النظر على محدودية النفس ومحاسبتها ومكافحة العجب والغرور، ولا يدل على أن معرفة النفس طريق معرفة حقيقة الله، لأن الله سبحانه وتعالى لا تُعرف حقيقته ولا يدرك كنه ذاته بل حتى النفس وهي من مخلوقاته سبحانه وتعالى لا يُعرف كنهها ولا حقيقتها، فالله سبحانه وتعالى كذلك بطريق أولى.
هذا وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
8/ربيع الآخر/1436هـ
ذكرى استشهاد سيدة نساء العالمين صلوات الله عليها
طالب علم