#تنزيه_زين_العابدين
(الحلقة الثانية
عشر)
محاولةُ تضييعِ
الحقيقة
حاول الطهراني -عند شرحه لهذا البيت- تضييع الحقيقة بقوله: (أنّ
الإمام يقول هنا: إنّ الحقائق التي فهمتها وأدركتها عن التوحيد هي عند الناس
كعبادة الأصنام، أُولئك الناس الذين يرون أقبح أعمالهم -التي هي عين الشرك- عملاً
حسناً؛ أي أنّ إيماني يغاير ويعاكس كلّ المغايرة والمعاكسة إيمان هؤلاء القوم،
وكلُّ ما أعرفه عن التوحيد فهو عندهم شرك، وما يعدُّه هؤلاء من الإسلام وسيرة
المسلمين فينجزون أعمالهم ـ على أساسه عن نيَّة وعقيدة حسنة فيحجُّون ويجاهدون
ويقومون بسائر الأعمال الحسنة، ويحلُّون سفك دمي من ثمَّ عن عصبيَّة إسلاميَّة،
فإنَّ جميع هذه الأعمال باعتبارها غير مقترنة برؤية جمال الحقِّ وانكشاف وحدته...
ذلك لأنها لم تصطبغ بصبغة الوحدة ولم يُجلَ عنها صدأ الأنانيَّة والإنِّيَّة، فهي
لذلك من أخبث الأفعال والأعمال... وبطبيعة الحال فإنَّ مَن ينظر إلى جميع
الموجودات بالنظر التوحيدي سيراها بشكل آخر، ولولا ذلك لما قال عليه السلام إنَّه
يتكتَّم على علمه فلا يُظهره ولا يُجريه على لسانه وحيث إنَّ السبيل الوحيد للعلاج
منحصر في أن نخطو بقدم صدق على صراط التوحيد من أجل نيل مشاهدة الإمام السجّاد
عليه السلام)[1]!
ويقول أيضاً في "كتابه ولاية الفقيه في حكومة الإسلام": (المراد
بجوهر العلم هو العلوم الأصيلة والواقعية وغير القابلة للتشكيك والتي تعُدُّ جميع
العلوم في مقابلها اعتبارية وباطلة ومجازا، بينما يكون ذلك العلم هو العلم الجوهر،
أي العلم الأصيل بالواقع والحقيقة. فكم من العلوم التي لو أظهرتها وبينتها لاتهمت
بعبادة الأوثان والخروج عن الإسلام! حيث يتصور أنَّ ليس للمسلم مثل هذه العقيدة،
وما هي إلا عقيدة عبدة الأوثان! وعندها يستحل جماعة من المسلمين دمي ويقتلونني، إذ
يرونني كافرا بسبب ما أقوله! وهؤلاء المسلمون يرون قتلي- الذي هو أسوأ الأعمال-
حسنا، ويقولون: إن هذا الرجل كافر ومشرك وعابد للصنم؛ فيجب قتله وسفك دمه، يجب
إزالة هذا القائل بوحدة الوجود عن وجه الأرض، وتطهير الأرض من لوث وجوده لكي لا
يظهر بين المسلمين نظير له، فيفعلون ذلك العمل مع كونه: أقبح ما يأتونه)[2]!
أقول: حاول الطهراني في بداية شرحه للأبيات أن يموِّه المعنى المقصود عند
العرفاء حيث قال: (إنّ الحقائق التي فهمتها وأدركتها عن التوحيد هي عند الناس
كعبادة الأصنام...)! والصحيح هو أن العرفاء يعتقدون بوحدة الوجود والموجود
وليس التوحيد فكل الموجودات -حتى الأوثان- هي عين ذات الله في معتقدهم ولكن
الطهراني استخدم لفظ "التوحيد" و"النظر التوحيدي" ليُخفي
عقيدة وحدة الوجود، مع أنه صرح قبلها أن المراد هو "انكشاف الوحدة"
و"صبغة الوحدة" وجعل من يخالفه هو المشرك فقال: (أُولئك الناس الذين
يرون أقبح أعمالهم -التي هي عين الشرك- عملًا حسناً...) بينما الشرك بل الكفر
هو في عقيدتهم وحدة الوجود والموجود فلو كشفها للناس لقالوا بأنه يعبد الوثن ولذلك
قال في كتابه ولاية الفقيه في حكومة الإسلام: (فكم من العلوم التي لو أظهرتها
وبينتها -يقصد وحدة الوجود- لاتُّهمت بعبادة الأوثان والخروج عن الإسلام! حيث
يتصور أن ليس للمسلم مثل هذه العقيدة، وما هي إلا عقيدة عبدة الأوثان)!
والعجيب أنه قال قبل هذه العبارة: (المراد بجوهر العلم هو العلوم
الأصيلة والواقعية وغير القابلة للتشكيك)!
فكيف تكون علومًا (غير قابلة للتشكيك) ويحكم جمهور المسلمين بأنها
كفر وعبادة أوثان؟ هذا يعني إما أنها ليست حقًا، أو أن جمهور الأمة كلهم كفار،
وهذا عين التناقض!
ورغم محاولته التمويه إلا أنه أشار إلى عقيدتهم الباطلة -وحدة الوجود-
بقوله: (برؤية جمال الحقِّ وانكشاف وحدته) وقوله: (إنّ مَن ينظر إلى
جميع الموجودات بالنظر التوحيديِّ سيراها بشكل آخر..)! أي يراها متوحدة، ثم
عرَّض بعقيدة المؤمنين المخالفة لعقيدتهم بقوله: (لأنها لم تصطبغ بصبغة الوحدة
ولم يُجلَ عنها صدأ الأنانيِّة والإنِّيَّة)! ولهذا قال إنّ الإمام يكتم هذه
العقيدة لكيلا يتم تكفيره واتهامه بعبادة الأصنام (والعياذ بالله) حيث قال: (ولولا
ذلك لما قال عليه السلام إنّه يتكتَّم على علمه فلا يُظهره ولا يُجريه على لسانه)!
وقد تأسَّف الطهراني على حال الفقهاء ووصفهم بالتكبُّر لأنهم لا يقبلون
ولا يصدِّقون بأحوال المتصوفة وخزعبلاتهم، حيث قال: (ما يؤسَف له كثيراً هو
تكبُّر الإنسان الذي لا يستطيع التنازل ولا التصديق بأنَّ ذلك السقَّاء في بيت
الإمام عليه السلام الذي يذهب ويملأ جرَّة الماء يمتلك مقاماً كهذا.[3]
وكم من هؤلاء المُستخدَمين، الذين يأتوننا بالماء أو يكنسون بيوتنا، تكون
حالاتهم النفسانيَّة والروحيَّة وملكاتهم ومعتقداتهم مشابهة لبايزيد البسطاميِّ
ومعروف الكرخيِّ)[4]!
ثم عرَّض بالفقهاء لتكفيرهم المتصوفة بسبب اعتقادهم بوحدة الوجود حيث قال
على لسان الفقهاء: (فإنَّنا نقوم بتكفير وتفسيق العرفاء بالله وأولياء الحقِّ
أمثال محيي الدين بن عربي؛ ونقتل كلَّ بائس عاجز ووالهٍ منقلب، بحجَّة التصوف
والقول بوحدة الوجود، فيصبح قتل الدراويش سنَّتنا معنىً وظاهراً)[5]!
وكرر التعريض مرة أخرى بالفقهاء في كتابه "ولاية الفقيه في حكومة
الإسلام" لتكفيرهم المتصوفة وهذا التعريض بمثابة شرح لعبارة الشاعر "يعبد
الوثنا" حيث قال: (ويقولون: إنَّ هذا الرجل كافر ومشرك وعابد للصنم؛
فيجب قتله وسفك دمه، يجب إزالة هذا القائل بوحدة الوجود عن وجه الأرض)[6]!
فالطهرانيُّ فضحَ نفسَه وكشفَ أنَّ سببَ تكفيرِ الفقهاء للصوفية هو
القولُ بـ"وحدةِ الوجود"، ووضَّحَ معنى قولِ الشاعر "يعبدُ
الوثنا" حين ربطَ عبادةَ الأصنام باعتقادِهم الكفريِّ!
ثم إدَّعى الطهراني أنَّ الفقهاء عاجزون عن أن يفعلوا هذا الفعل مع
الإمام زين العابدين عليه السلام حيث قال على لسانهم: (ولأنَّنا نَقصُر عن
تكفير أو تفسيق الإمام السجَّاد، كما ليس في وسعنا في زمننا هذا أن نريق دمه)[7]!
فهو هنا يريد تصويرَ الإمام السجاد عليه السلام على أنَّه صوفيٌّ يعتقدُ
بوحدةِ الوجود -والعياذُ بالله- من خلال هذه الأبيات المنسوبةِ كذبًا وزورًا إليه،
ثم يهجمُ من خلالها على الفقهاء ويصوِّرُهم للقارئ على أنَّهم نواصب -حاشاهم-! أي
كالناصبيِّ الذي لا يُعلِنُ تكفيرَه وبغضَه للعترة لكنَّه يُنفِّسُ عن غلِّه على
العترة في شيعتهم! فالفقهاء كما حاول تصويرهم لا يستطيعون تكفيرَ الإمام زين
العابدين عليه السلام فهذا يُسقطُهم، ولكنَّهم يُنفِّسون عن غلِّهم بتكفيرِ
العرفاء المتصوفة الذين يصوِّرُهم الطهرانيُّ على أنَّهم إنَّما يتَّبعون الإمام
عليه السلام ويأخذون عنه تلك العقيدةَ الزائغة -والعياذُ بالله-!
#طالب_علم
[1] -
الروح المجرَّد، محمد الحسيني الطهراني، ص373-374.
[2] -
ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص59-60.
[3] -
أنكر مرتضى مطهري ذلك فقال: يدَّعي البعض أنه-أي البسطامي- سقَّاء لبيت الإمام
الصادق عليه السلام وهذا الادعاء لا يتفق مع التاريخ، فهو لم يُدرك عصر الإمام
الصادق عليه السلام. راجع العرفان والدين والفلسفة، ص359، الإسلام وإيران، ص446.
[4] -
ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص61.
[5] -
الروح المجرَّد، محمد الحسيني الطهراني، ص374.
[6] -
ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص59-60.
[7] -
الروح المجرَّد، محمد الحسيني الطهراني، ص374.

