#تنزيه_زين_العابدين
(الحلقة التاسعة)
لماذا يستحِلُّونَ
دمَ الشاعر بعد كشفِ السِّر؟
وأما ما جاء في البيت الرابع الذي أنشده المياحي:
وَلَاسْتَحَلَّ
رِجَالٌ مُسْلِمُونَ دَمِي **** يَرَوْنَ أَقْبَحَ مَا يَأْتُونَهُ حَسَنا
وهذا البيت من الشعر يُعَبِّرُ فيه الشاعر عن ما يعانيه عند الإفصاح عن عقيدته وحدة الوجود، وقد كشف إحسان دحلان في شرحه لهذه البيت عن سبب استحلال دمهم فقال: ("ولاستحل رجال مسلمون دمي" كما قتلوا منصور الحلاج بإفشاء شيء من ذلك حيث قال: "ما في الجبة إلا الله" وذلك أن أهل الله لا يدركون وجود الله في الأشياء، أي قيامه وظهوره فيها، وهذه غاية ما يمكن أن يعبر عن مقصودهم، وإلا فهو أمر لا يدرك إلا بالذوق)[1]!
فعلّة استحلال دم الحلاج هو اعتقاده بوحدة الوجود، حيث صرّح بهذه العقيدة
حين قال: (ما في الجبة إلا الله)!
وقد جرى على لسان الطهراني الاعتراف بهذا السبب عند شرحه للأبيات فقال: (العلم
هو العلم الجوهر... فكم من العلوم التي لو أظهرتها وبينتها لَاتُّهِمْتُ بعبادة
الأوثان والخروج عن الإسلام! ...وعندها يستحل جماعة من المسلمين دمي ويقتلونني، إذ
يرونني كافرًا بسبب ما أقوله! وهؤلاء المسلمون يرون قتلي- الذي هو أسوأ الأعمال-
حسنا، ويقولون: إن هذا الرجل كافر ومشرك وعابد للصنم؛ فيجب قتله وسفك دمه، يجب
إزالة هذا القائل بوحدة الوجود عن وجه الأرض)[2]!
تُلاحظ هنا اعترافَه بأنَّ سببَ اتهامِهم له بالشِّرك وعبادةِ الأصنام هو
اعتقادُه بوحدةِ الوجود، فيكونُ العلمُ الذي أخفاه الشاعرُ في مطلعِ القصيدة هو
هذه العقيدة.
وقد صرَّح الطهرانيُّ بهذا السرِّ قبل ذكرِ الأبياتِ الشعرية ببضعِ صفحات
حيث قال: (وحدةُ الوجود من أعظمِ وأعلى وأصعبِ وأدقِّ مسائلِ الحكمةِ
المتعالية، وفهمُها ليس يسيرًا هيِّنًا... فهذا من الأسرارِ التي لا يمكن البوحُ
بها لأيٍّ كان)[3]!
فكشفَ الطهراني عقيدتَه من غيرِ أن يشعرَ، وصرَّحَ بالسرِّ الذي لا يمكن
البوحُ به!
وهذا البيت الشعري من جنس ما ذكره السهروردي في التعبير عن حال المتصوفة
بقوله:
وَاحَسْرَتَا
لِلْعَاشِقِينَ تَحَمَّلُوا **** سِرَّ المَحَبَّةِ وَالهَوَى فَضَّاحُ
بِالسِّرِّ، إِنْ
بَاحُوا، تُبَاحُ دِمَاؤُهُمْ **** وَكَذَا دِمَاءُ العَاشِقِينَ تُبَاحُ[4]
وَقَدِ اسْتَشْهَدَ المياحي -في كتابه الفيض الإلهي- بهذا البيت في ضرورة
كتمان السر[5]!
والطهراني صرّح بأن علة "استحلال الدم" الواردة في
البيت الشعري -محل البحث- إنما هي المجاهرة بعقيدة وحدة الوجود.
فإذا كان المياحي يستشهد بهذا البيت لإثبات "ضرورة الكتمان"،
فهو يقر ضمناً أن سر عقيدته هي وحدة الوجود.
فهل يجرؤ المياحي أن يصرح بذلك، أم سيعود إلى سلوك أهل النفاق فيلف
ويدور؟!
#طالب_علم

