#تنزيه_زين_العابدين
ما المقصود بعبارة " ذُو جَهْلٍ" عند العُرفاء؟
وأما ما جاء في عجز البيت الشعري (كَيْ لا يَرَى الحَقَّ ذُو جَهْلٍ
فَيَفْتَتِنَا) وجاء في بعض المصادر بلفظ (كي لا يرى العلم) فإن العارف
يصف كلَّ من لا يقبل عقيدته بالجهل وعدم الفهم لمقصده، يقول دحلان: ("كَيْلا
يَرَى الحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتتِنَا" لِقُصُورِ فَهْمِهِ عن دقائق العلوم)[1] وقَصْدُهُ عَدَمُ فَهْمِهِ
لعقيدتهم وحدة الوجود التي أشار إليها في صدر البيت بـ"جوهر العلم"،
ويستخدم المتصوفة هذا الوصف "ذُو جَهْلٍ" تسخيفًا لِكُلِّ من لا
يقبل عقيدتهم الباطلة حتى لو كان من الأكابر!
وفي هذا الصدد يقول محمد محسن الطهراني عند شرحه لهذا البيت: (يقول
الإمام السجاد عليه السلام: إنّ عندي من العلوم لو أفصحت عنها لاتَّهمني الناس
بالكفر! وليس المقصود بالناس أولئك المعاندين كأمثال يزيد وابن زياد، بل المقصود
هذا الصحابي ذو القدر الجليل... نفس أبي حمزة الثمالي هذا الذي علَّمه الإمام هذا
الدعاء الذي بين أيدينا كان سيتَّهم الإمام عليه السلام بالكفر...)[2]!
وكذلك صرَّح والده محمد حسين الحسيني الطهراني بتفصيل أكثر فقال: (كان استعداد سلمان أكثر سعة، وكان قد وصل إلى مطالب أرقى من العرفان بينما كان إدراك ذلك الحال غير ممكن بالنسبة إلى أبي ذرٍّ، أي لو ألقى سلمان مطالبه لأبي ذرٍّ لردَّها واتَّهمه بالشرك والكفر، وحمل كلامه على الكفر! "لَوْ عَلِمَ أبُو ذَرٍّ مَا فِي قَلْبِ سَلْمَانَ لَقَتَلَهُ أوْ كَفَّرَهُ")[3]!
ثم علَّق على الحديث بقوله: (لاحظوا دقَّة المطلب، ففي الوقت الذي كان
فيه أبو ذرٍّ يجلس مع سلمان ... لكن كان هناك تفاوت في الإدراك بينهما إلى درجة
أنَّ أبا ذرٍّ لو اطَّلع على مدركات سلمان لقتله أو لرآه مهدور الدم، حيث سيرى
الشرك أو الكفر في عقيدته! لأنَّ سلمان وصل إلى مرحلة من مراحل التوحيد لم يدركها
أبو ذرٍّ بعد، لأنَّ ذلك التوحيد في نظر أبي ذرٍّ عين عبادة الأصنام)[4]!
وهذه المرحلة من مراحل التوحيد الذي لم يتحملها أبي ذر - حَسْبَ زَعْمِ الطَّهْرَانِيِّ - هي عقيدتهم وحدة الوجود حيث كشف الطهراني "السِّرَّ" بعد صفحتين حيث قال: (إنَّ وحدة الوجود سِرُّ آلِ مُحَمَّدٍ، ... وحدة الوجود حقيقة كلِّ شيء من جهة ربط الخاصِّ بالذات الإلهيَّة المقدَّسة... لا فرق بين وحدة الوجود وتوحيد الوجود، فالتوحيد يعني جعله واحداً، والوحدة تعني كونه واحداً... فاحذَفُوا لفظ التوحيد في الوجود الذي يقوم الإسلام عليه وضعُوا مكانه لفظ الوحدة. فيكون لفظ الوحدة مكان التوحيد. أنتم لا تستوحشون من التوحيد، فَلِمَ تخافون من الوحدة؟! هذه أسرار غامضة، لو أراد سلمان أن يبرزها لمن هو دونه لما تحمَّلوها ولقالوا هذا شرك)[5]!

فالطَّهراني الأبُ يصوِّر الصحابيَّ الجليل سلمان المحمدي رضوان الله
عليه على أنه صوفي يعتقد بوحدة الوجود (حاشاه) فَلَا يَسْتَطِيعُ التصريح بعقيدته
حتى لأمثال أبي ذر رضي الله عنه لأنَّ الأخير لا يملك الإدراك الكافي الَّذِي
يُمَكِّنُهُ من استيعاب هذه العقيدة، وَلِذَلِكَ سَيَتَّهِمُ سلمان بالكفر والشرك!
وكذلك الحال بين الإمام السجاد عليه السلام وأبي حمزة الثمالي فِيمَا ذَكَرَهُ
الطهرانيُّ الابن!
وهذا عين ما يفسره العارف من قول الشاعر: (كَيْلا يَرَى الحَقَّ ذُو
جَهْلٍ فَيَفْتِنَنَا)، فَالجَاهِلُ المَقْصُودُ هُنَا كُلُّ مَنْ لَا
يَقْبَلُ عقيدة العرفاء -مهما كان مقامه- وَلِذَلِكَ تَجِدُهُمْ يصفون المراجع
والفقهاء بالجهل حين يُكفِّرون من يعتقد بوحدة الوجود والموجود كالحلاج!
وقد علَّل تقي الموسوي عدم فهمهم لمقصود العرفاء بوجود حجاب من الله يمنع
غير العرفاء من الوصول لفهم عقيدتهم حيث قال بعد ذكر الأبيات: (حتى ينزاح
الخمار وستر الحجاب، ويخرجوا من الناسوت، ويدخلوا في الملكوت واللاهوت، لأن خمار
الجلال ونصيف الغيب والجمال، جعله الله ستر الحجاب عن الغرباء، كيلا يرى الحقَّ
ذُو جهل فيَفتِنَنَا، كما يقول الإمام عليه السلام)[6]!
فتلاحظ كيف جعل سبب "عدم الفهم" بوجود "حجاب إلهي"
يمنع غير العرفاء من فهم جوهر العلم، فمن لم يفهمه فهو "غريب" محجوب،
ومن فهمه فهو "عارف" دخل الملكوت واللاهوت!
فهل الدين طلاسم لا يفكها إلا الصوفية؟
وقد عَبَّرَ الطَّهْرَانِيُّ عند شرحه لهذا البيت عن سر عقيدتهم بالعلم
التوحيدي الواقعي الذي لا يستطيع غير العرفاء تحمله، حيث قال: (يقول إنّي لأخفي
تلك الجواهر والنفائس من علمي ولا أُبيِّنها لكي لا يطَّلع عليها الأشخاص الذين لا
يتمكَّنون من استيعابها، إنَّ أفكاري وعلمي وجواهري تلك هي عين الحقِّ، لكنِّي
أخفي هذا الحقَّ لكي لا يطَّلعَ عليه رجل جاهل، إذ لو اطَّلع عليه فإنَّه يُفتتن،
ويوقعنا في الفتنة ويثير الفساد والمشاكل والقيل والقال، ومَشَاقِّ الأمور بسبب
دعوتي له إلى الحقِّ، والحقُّ يعني ذلك العلم الحقَّ الحقيقيَّ، أو التوحيديَّ
الواقعيَّ الذي لا يستطيع تحمُّله)[7]!
وبهذا يظهر أنَّ العلم التوحيدي الواقعي -جوهر العلم -عند الطَّهراني ليس
إلا وحدة الوجود التي يُخفيها العرفاء عن العامة.
وسيأتي مزيد من التفصيل في الحلقات القادمة.
#طالب_علم
[1] -
سراج الطالبين، إحسان دحلان، ج١ص٣٦.
[2] -
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي، محمَّد محسن الحسينيِّ الطهرانيِّ، المحاضرة السابعة
سنة ۱٤٣٣هـ ق بعنوان: رفع الأمل إلى أعلى
مستوى، ص6.
[3] -
ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص49-50.
[4] -
ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص52.
[5] -
ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص54.
[6] -
قدوة العارفين، تقي الموسوي، ص229.
[7] -
ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، الطهراني، ج3 ص59-60.
