الثلاثاء، 15 ديسمبر 2015

لله ثم للضمير وقفةٌ مع السيد منير " الحلقة الرابعة عشر"





لله ثم للضمير وقفةٌ مع السيد منير
" الحلقة الرابعة عشر"


مادة البحث:
لا نزال نواصل التعليق على ما ذكره السيد منير الخبّاز من معاني وحدة الوجود, وفي هذه الحلقة سنناقش بإذن الله تعالى النوع الثالث من تلك المعاني.
وكعادتنا في التوثيق نعرض أولاً محتوى المقطع المرئي لكلام السيد منير ونفرّغه نصياً ثم نعلّق عليه:
١- يقول السيد منير الخبّاز : المعنى الثالث لوحدة الوجود المقصود به أن الوجود الحقيقي لله عز وجل وغيره وجود مجازي وجود وهمي وليس وجوداً حقيقياً, ما معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام كما يحاول بعض العرفاء وبعض أهل المعرفة يقول: المستفاد من بعض النصوص ومنها هذا الدعاء الشريف الذي يقرأ في أيام شهر رمضان وهو دعاء (يامجير... تعاليت ياموجود) شنهو معنى (تعاليت ياموجود)؟ خوب كل الناس موجودين! ليش بس الله يقول له: تعاليت يا موجود؟ الإنسان هم موجود، والشمس هم موجوده، القمر هم موجود, لماذا يقول الامام عليه السلام في الدعاء (تعاليت ياموجود)؟ ماهو المقصود بقوله (تعاليت ياموجود)؟ المقصود به الوجود الحقيقي المحض لله عز وجل وما سواه وجودات وهمية، وجودات مجازية، وجودات خيالية وليست وجوداً حقيقياً، الوجود الحقيقي هو لله عز وجل فلا وجود لغيره ، هذا المعنى الثالث لمصطلح وحدة الوجود أن لاوجود لغير الله. هذا المصطلح بهذا المعنى يناقش فيه السيد الخوئي "قدس سره" في كتابه التنقيح في شرح العروة الوثقى. يناقش في هذا المعنى لهذا المصطلح ألا وهو مصطلح وحدة الوجود, يقول: ما معنى هذه الكلمة؟ يعني نحن عندما نقول: (لا وجود لغير الله, الله هو الموجود فقط غيره وجوده خيالي وجوده وهمي) ما معنى هذا الكلام؟ هل نقصد بهذا الكلام أنه لا وجود حقيقةً لغير الله؟, يعني احنا نتخيل أن احنا موجودين وحنا ما موجودين، نتخيل أن الشمس والقمر موجودة وهي ليست موجودة؟ إذا كان المقصود بهذا الكلام أن ما سوى الله وهمٌ وخيالٌ وليس موجوداً أصلاً فهذا الكلام سفسطة يتنافى مع شهادة الوجدان فإنّ الوجدان شاهدٌ على أن الإنسان موجود وأن الكائنات التي براها الله وأبدعها موجودة, لذلك هذه الكلمة المشهورة لديكارت (أنا مفكر إذاً أنا موجود)  التفكير حياة والحياة دليل على الوجود, إنكار وجود ما سوى الله، أن لا يوجد شيء الا الله وما سواه وهم أو خيال هذا يتنافى مع شهادة الوجدان.
هناك وجود، كما أن لله وجود للكائنات أيضاً وجود, وإذا كان المقصود بهذا الكلام أن الوجود المحض لله يعني وجود غيره وجود لكن مشوب بالعدم ، وجود الانسان مثلاً محدود في القدرة، محدود في العلم، محدود في الحياة, وجودٌ محاطٌ بالحدود من كل مكان. وجود الانسان وجود محاط بالحدود، في قدرته محدود, في حياته محدود, في طاقته محدود, بما أن وجود الانسان وجود محاط بالحدود فهو وجود ضعيف لا يستحق أن يسمى وجوداً, هو موجود في الواقع لكنه لضعفه لمحدوديته لايستحق أن يسمى وجوداً {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}
إذا كان الذباب يقدر على هذا الانسان (تؤلمه البقة تنتنه، العرقة تقتله، الشرقة) فهو وجود ضعيف جداً لا يستحق أن يسمى بالوجود, بينما الوجود الحقيقي هو الوجود المحض الذي لايشوبه حد ولا يشوبه ظلمة, علمه عين ذاته, قدرته عين ذاته, حياته عين ذاته لاحد لكماله عزوجل لا إله إلا هو الحي القيوم, فالوجود الحقيقي المحض له تعالى دون غيره، لذلك قال في الدعاء الشريف (تعاليت ياموجود) يعني يا موجود بالوجود المحض الذي لايشوبه ضعف ولاعدم ولانقص فإذا كان المراد بوحدة الوجود أن الوجود المحض الذي لايشوبه نقص ولا عدم خاص بالله عز وجل فهذا المعنى معنى صحيح. إذا كان المراد بوحدة الوجود هو هذا المعنى هذا المعنى معنىً صحيح بل لا يمكن إنكاره، بل هو من الضروريات في الدين.

هاتوا برهانكم:
يتحقق صدق إخبار الله تعالى بصفة من صفات أفعاله التي يَثبت صدق إخباره تعالى بأنها من صفاته الفعلية من خلال تحقق المفعول في عالم الإمكان, ومن تلك الصفات صفة (الخالق), فإن تلك الصفة تُثبِتُ وجوداً حقيقياً للمخلوق في عالم الإمكان.
ثم إن تنزّلنا من باب المجاراة للعرفاء وقلنا أن وجوده تعالى وحده هو الوجود الحقيقي وأننا وهم وخيال ولو في قباله تعالى كما يزعمون! فما جوابكم على السؤال التالي:
هل وصف الله تعالى وجود خلقه في مقابل وجوده بالوهم؟
إن الله سبحانه وتعالى عند الحديث عن وجود عباده في مقابل وجوده لم يذكر أبداً أنهم عدم أو وهم وخيال ولا حقيقة لوجودهم بل يصفهم بالذلة والفقر والعبودية كما في الآيات الشريفة والأدعية المأثورة عن آل رسول الله صلى الله عليه وآله كقولهم صلوات الله عليهم: (أنت الرب وأنا المربوب , أنت الغني وأنا الفقير ,أنت الخالق وأنا المخلوق) هذه وجوه المقابلة التي نعرفها فإن كان عندكم نص يقول: (أنت الحقيقة وأنا الخيال) فهاتوا برهانكم!
أين وصف الله تعالى مخلوقاته بأنها في مقابل وجوده وهم و خيال أو عدم حتى ولو بمعنى الوجود المشوب الناقص كما يقول السيد منير؟!
إنا نجد أن الله سبحانه وتعالى يصف نفسه بأنه خالقها فكيف تكون وهماً وخيالاً وهو خالقها؟!

مقابلة خاطئة:
٢- أما استدلال السيد منير بقول الإمام عليه السلام (تعاليت يا موجود)  وقوله بأنّ المقصود بهذا النص أن الوجود الحقيقي المحض لله عز وجل وما سواه وجودات وهمية، وجودات مجازية، وجودات خيالية وليست وجوداً حقيقياً, والوجود الحقيقي هو لله عز وجل فلا وجود لغيره...
أقول : إن من صفات الله تعالى (الرحمة) وكذلك رسول الله صلى الله عليه آله متصف بالرحمة! فهل يصح أن تقول بأن رحمة رسول الله في مقابل رحمة الله تكون قسوة؟! كلا لا تتمكن أن تقول ذلك لأن الله تعالى لم يصف رسوله أبداً سوى بالرحمة والرأفة.
قال تعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}.
أنتم استخدمتم في المقابلة بين وجودنا ووجود الله الضدية والسلب! فتقولون إن وجود الله تعالى هو فقط حقيقة وإنّ وجودنا في مقابله وهم وخيال والحال أن الله تعالى وصفنا بأننا مخلوقاته ولم يصفنا بأننا وهم وخيال! لذا لا يصح في المقابلة بين وجودنا ووجوده تعالى استخدام الضدية والقول بأننا وهم وخيال!
نعم تصح تلك المقابلة بالضدية ولكن متى؟ فيما نحن بالفعل متصفون به كأن نقول علمنا في مقابل علم الله جهل فالإنسان عالم بالتعلم فهو يتصف بالعلم والجهل معاً.
قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}
فإذن الصحيح في المقابلة بين وجودنا ووجود الله هو القول أن وجودنا في مقابل وجوده تعالى وجود صغير حقير فقير وهو ما وصفنا الله تعالى به في مقابل وجوده الغني جل شانه.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}
ولو تأملت في وجوه المقابلة للدعاء الوارد عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: (أنت الرب وأنا المربوب , أنت الغني وأنا الفقير ,أنت الخالق وأنا المخلوق) -والتي سنعرضها كلها- لن تجد بينها أنت الوجود وأنا العدم! أو أنت الحقيقة وأنا الخيال!
إن وجودنا هو وجود حقيقي فالله تعالى خالقنا, ويعرض علينا الفناء بالموت وهذا حق, وحتى فناؤنا في عالم الدنيا هو فناء جسدي فقط وإلا فلنا حياة برزخية بعد هذا العالم ولنا بعث ونشر فنعود بأرواحنا وأجسادنا الدنيوية ذاتها, لذا فإنّ من صفاتنا الزوال وهو في اللغة التحوّل والانتقال بينما من صفاته تعالى أنه دائم فلا يعرض عليه تعالى الزوال الذي من لوازمه التحوّل, تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.
أما نحن البشر فنزول من عالم الدنيا ونتحول إلى عالم البرزخ والآخرة , فإذن وجودنا من حيث هو وجود يكون وجوداً حقيقياً وليس وهماً واختراعات خيال كما يقول الخميني وغيره من العرفاء!
لاحظ هنا كلام أمير المؤمنين عليه السلام: (مولاي يا مولاي أنت المولى وأنا العبد وهل يرحم العبد إلا المولى, مولاي يا مولاي أنت المالك وأنا المملوك وهل يرحم المملوك إلا المالك, مولاي يا مولاي أنت العزيز وأنا الذليل وهل يرحم الذليل إلا العزيز, مولاي يا مولاي أنت الخالق وأنا المخلوق وهل يرحم المخلوق إلا الخالق, مولاي يا مولاي أنت العظيم وأنا الحقير وهل يرحم الحقير إلا العظيم, مولاي يا مولاي أنت القوي وأنا الضعيف وهل يرحم الضعيف إلا القوي, مولاي يا مولاي أنت الغني وأنا الفقير وهل يرحم الفقير إلا الغني, مولاي يا مولاي أنت المعطي وأنا السائل وهل يرحم السائل ألا المعطي, مولاي يا مولاي أنت الحي وأنا الميت وهل يرحم الميت إلا الحي, مولاي يا مولاي أنت الباقي وأنا الفاني وهل يرحم الفاني إلا الباقي, مولاي يا مولاي أنت الدئم وأنا الزائل وهل يرحم الزائل إلا الدائم, مولاي يا مولاي أنت الرازق وأنا المرزوق وهل يرحم المرزوق إلا الرازق, مولاي يا مولاي أنت الجواد وأنا البخيل وهل يرحم البخيل إلا الجواد, مولاي يا مولاي أنت المعافي وأنا المبتلى وهل يرحم المبتلى إلا المعافي, مولاي يا مولاي أنت الكبير وأنا الصغير وهل يرحم الصغير إلا الكبير, مولاي يا مولاي أنت الهادي وأنا الضال وهل يرحم الضال إلا الهادي , مولاي يا مولاي أنت الرحمن وأنا المرحوم وهل يرحم المرحوم إلا الرحمن, مولاي يا مولاي أنت السلطان وأنا الممتحن وهل يرحم الممتحن إلا السلطان, مولاي يا مولاي أنت الدليل وأنا المتحير وهل يرحم المتحير إلا الدليل, مولاي يا مولاي أنت الغفور وأنا المذنب وهل يرحم المذنب إلا الغفور, مولاي يا مولاي أنت الغالب وأنا المغلوب وهل يرحم المغلوب إلا الغالب, مولاي يا مولاي أنت الرب وأنا المربوب وهل يرحم المربوب إلا الرب, مولاي يا مولاي أنت المتكبر وأنا الخاشع وهل يرحم الخاشع إلا المتكبر).
المصدر: مناجاة أمير المؤمنين عليه السلام.
فهذه وجوه المقابلة كما ترى أخي القارئ فهل وجدت بينها انّ الأمير عليه السلام قال مثلاً : أنت الموجود وأنا العدم؟ أو أنت الحقيقة وأنا الخيال؟!

وهم وخيال على وجه الحقيقة:
٣- أما محاولة السيد منير الترقيع للعرفاء بأنهم لا ينكرون وجود المخلوقات بوصفهم لها بأنها خيال أو عدم إنما يقصدون أنّ وجود المخلوقات ضعيف جداً قبال وجود الله تعالى فلا تستحق أن تسمى وجوداً!!
أقول : تبين من خلال ما تقدم بطلان ما يدعيه العرفاء من أنّ وجود المخلوقات في قبال وجود الله تعالى وهم وخيال سواءً بمعنى ضعفها في مقابل وجوده تعالى او بالمعنى الذي يقصده العرفاء كما سيأتي بيانه.
أما قوله أنهم لا ينكرون وجودها فتصريحات العرفاء واضحة وصريحة في ذلك ويتجلى من خلالها انهم يقصدون بقولهم انّ الكون وهم وخيال انه كذلك على نحو الحقيقة. من ذلك ما ذكره الخميني في تعليقاته على الفصوص حيث يقول: (وهذا من الأسرار التي لا يمكن إفشاء حقيقتها والتصريح بها فالعالم خيال في خيال ووهم في وهم ليس في الدار غيره ديار)!
المصدر : الفصوص بتعليق الخميني , ص381.
ويقول الخميني أيضاً : لا وجود للظل أصلاً فوجوده وجود خيالي فإن الظل عدم تنور المحل عن نور المنير ولكن يتخيل أنه شيء مع أنه ليس بشيء كالعالم يٌتخيل أنه موجود وليس بموجود عند التحقيق العرفاني ألا كل شيء ما خلا الله باطل!!
المصدر : تعليقات على شرح فصوص الحكم ومصباح الأنس ، الخميني , ص149.
تلاحظ أخي القارئ أن الخميني يقول بكل صراحة (أن العالم وهم وخيال) ولم يقل لك (إن العالم متصاغر في مقابل خالقه)!
 ثم نقول أيضاً: هل الله تعالى يرضى أن تقول عن خلقه الذي أبدعه أنه مجرّد خيال ولا حقيقة لوجوده؟! قال تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} هو تعالى لم يصف خلقه بأنهم وهم وخيال!
ولكي تعرف لماذا قال العرفاء عن العالم  بأنه خيال ووهم تأمل في التصريح التالي:
يقول ابن عربي :
إنما الكون خيالٌ*** و هو حقٌ في الحقيقة
و الذي يفهم هذا*** حاز أسرار الطريقة
المصدر :فصوص الحكم ،ابن عربي, ص 159.
إن الكون هو مجرّد خيال وحقيقته أنه الله!! فلاحظ قوله: (وهو حقٌ في الحقيقة)! والحق كلمة يقصد بها المتصوّفة الله سبحانه وتعالى, ولذلك صحح العرفاء كلمة الحلاج الكفرية (أنا الحق) لأن الكون حق-الله- في الحقيقة، والحلاج هو كل هذا الكون وإن بدى ظاهرا جزءً منه وبالنتيجة هو الله والعياذ بالله!
وكلمة (أنا الحق) هي سر عقيدتهم لذلك يدعو ابن عربي مريديه بأن يصونوا هذا السر بقوله:
فمن فهم الإشارة فليصنها *** وإلا سوف يقتل بالسنانِ
كحلّاج المحبة إذ تبدّتْ*** له شمس الحقيقة بالتداني
فقال أنا هو الحق الذي لا*** يغير ذاته مر الزمانِ
المصدر: شرح وتحقيق ديوان الحلاج , هاشم عثمان,ص21, مؤسسة النور للمطبوعات, العلويون بين الغلو والفلسفة والتصوف والتشيع, الشيخ علي عزيز الابراهيم, ص256.
فالذي يمنع ابن عربي من التصريح كالحلاج بقوله (أنا الحق) هو الخوف من السيف فقط! وإلا فالحلاج مثله الأعلى!

السوفسطائية المؤسْلَمة:
٤- أما قول السيد منير: إذا كان المقصود بهذا الكلام أن ما سوى الله وهمٌ وخيالٌ وليس موجوداً أصلاً فهذا الكلام سفسطة يتنافى مع شهادة الوجدان...
أقول: تبين مما تقدم أن العرفاء يعتقدون بأن العالم وهم وخيال على وجه الحقيقة, وهذا الكلام سوفسطائية فارغة عند العقلاء لكنه عند العرفاء علم رفيع أداته هي السوفسطائية! ولكن السيد منير لم يستوعب حقيقة اعتقادهم لذلك يبرئهم من السوفسطائية بينما هم أنفسهم يفتخرون بسوفسطائيتهم ويقرون بها أداةً للمعرفة!
ويبدو لنا مع احترامنا للسيد منير انه هو في دفاعه عن العرفاء قد بدأ ينحو منحىً سوفسطائياً!
يقول ابن عربي: الحضرة الوجودية إنّما هي حضرة الخيال ثم تقسم ما تراه من الصور إلى محسوس ومتخيل، والكلّ متخيّل... ولا يقرب من هذا المشهد إلاّ السوفسطائية!
المصدر: الفتوحات المكية, ابن عربي,ج3 ص508.
ويقول حسن حسن زادة آملي :على أساس النظر الدقيق كل ما في دار الوجود يكون وجوباً، والبحث عن الإمكان يكون هزلاً ولعباً!
المصدر: ممد الهمم في شرح فصوص الحكم, حسن حسن زادة آملي، ص 107.
والأكثر صراحة من هؤلاء هو العارف صمدي آملي حيث يقول مفتخراً بالسوفسطائية: (وكم نشعر بالراحة أن نصير سوفسطيين من أول الأمر، ونقول ليس لنا أي ألف أصلاً، وما أعجب أنّه يجب علينا أخيراً أن نصير بأجمعنا في هذا الطريق سوفسطيين، ونقول إنّا لا نكون موجودين وكذا غيرنا، والموجود هو الله فقط، أول الكلام وآخره هو الله، والله هو الذي يشتغل بكونه إلهاً، وبعد ذلك فلا همّ للإنسان أصلاً ويستريح)!
المصدر: شرح نهاية الحكمة, داوود صمدي آملي,ص15.
فالقوم غارقون وسارحون في عالم الوهم والخيال ولا يعرفون سوى إله عالم الوهم والخيال وهم في الحقيقة رواد السوفسطائية المؤسلمة! نسأل الله السلامة والعافية.
هذا وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
21/شهر رمضان المبارك/ 1436 هـ
ذكرى شهادة أمير  المؤمنين عليه السلام
طالب علم

لله ثم للضمير وقفةٌ مع السيد منير " الحلقة الثالثة عشر"





لله ثم للضمير وقفةٌ مع السيد منير
" الحلقة الثالثة عشر"


مادة البحث:
نواصل التعليق على ماطرحه السيد منير الخبّاز من معانٍ لوحدة الوجود في محاضرته بعنوان: (أبعاد نظرية وحدة الوجود) وفي هذه الحلقة سنناقش بإذن الله تعالى المعنى الثاني من تلك المعاني.
وكعادتنا في التوثيق نعرض أولاً محتوى المقطع المرئي لكلام السيد منير ونفرّغه نصياً ثم نعلّق عليه:
١- يقول السيد منير: المعنى الثاني لوحدة الوجود المقصود بوحدة الوجود وحدة الموجود, ومعنى وحدة الموجود أن الوجود الامكاني للإنسان- الإنسان وجوده وجود إمكاني يعني يمكن أن يحوطه العدم في أي لحظة- الوجود الامكاني مع الوجود الواجبي - وهو وجود الله الذي لا يعرضه عدم ولاتشوبه ظلمة- هذان الوجودان اتحدا. هذا المعنى من وحدة الوجود كفر ولا يقول به أحد, وجود الله لا محدود ووجود الإنسان محدود ولا يعقل الاتحاد بين اللامحدود وبين المحدود. هذا المعنى أصلاً غير معقول فضلاً عن كونه كفراً ولا يقول به أحد من المسلمين فوحدة الوجود بمعنى وحدة الموجود أي أن وجود الإنسان اتحد مع وجود الله عز وجل، هذا المعنى مرفوض غير معقول فضلاً عن كونه كفراً وإلحاداً ولا يقول به أحد من الامامية ولا من المسلمين.

وحدة الموجود عند العرفاء والفلاسفة:
وحدة الموجود هي نظرية فلسفية شائعة عند العرفاء والمتصوّفة المنحرفين عن الإسلام وأهل البيت صلوات الله عليهم، ومفادها -حسب ما يدّعون- هو أن جميع الموجودات والماهيات إنما هي وحدة واحدة في الحقيقة، لا تختلف عن بعضها إلا بالظهور والتكثّر وما أشبه، كالبحر الذي هو واحد لكن أمواجه تختلف في ظهورها ليس إلا، وعلى هذا لا يكون ثمة خالق ومخلوق، فالكل واحد ذو حقيقة واحدة! وهذا القول - وحدة الموجود- أكثر كفراً من القول بوحدة الوجود, فهذا الثاني يثبتون فيه على الأقل تمييزاً بين الله سبحانه وتعالى وبين خلقه بادّعاء اختلاف المراتب وإن كان الوجود في مجموعه واحداً في الحقيقة.
وحدة الموجود هي أن الله تعالى بوصفه موجوداً فإنه متحدٌ مع الموجودات الممكنة - والعياذ بالله- فهو زندقة بيّنة وانحراف فطري عن الإسلام والتوحيد وهذا النوع حكم  السيد الخوئي "قدس سره" على من يعتقد به بالكفر والزندقة!
المصدر: التنقيح , الخوئي, ج3 ص81-82.

وقد ذكرنا سابقاً  أن وحدة الوجود كأن تقول انّ هناك نهران كلاهما يجريان في وقت واحد وفي مكان واحد نظير مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ وهذا البرزخ هو الفاصل بينهما ولكنهما من حيث الوجود متحدان في المكان والزمان وحقيتهما واحدة ولكنّ احدهما عذب والآخر أشد عذوبة.

وأجبنا على هذا بأنه باطل فإنّ وجود الله يختلف عن وجودنا, وجود الله عين ذاته وذات الله فوق أن تُوصف أو تُقاس بالمخلوق, بمعنى أنّه ليس وجود الله شيء وذاته شيء آخر كما نحن البشر، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.
أما وحدة الموجود فلا تختلف عن وحدة الوجود سوى بكون القائلين بها يقولون بعينية ذات المخلوق والخالق, بمعنى أنّ هناك نهراً واحداً فقط ولكنّ هذا النهر تارة نراه في صورة البول وتارة العرق وتارة العصير وهكذا, المخلوق عندهم هو عين ذات الخالق ولكنه ظهر في صور متكثرة والعياذ بالله!

إقرارات العرفاء:
٢- يقول السيد منير: المقصود بوحدة الوجود وحدة الموجود, ومعنى وحدة الموجود أن الوجود الامكاني ... مع الوجود الوجبي...هذان الوجودان اتحدا، هذا المعنى من وحدة الوجود كفر و لا يقول به أحد...
أقول: بيّنا سابقاً أن العارف لا يعتقد بوجود شيء آخر غير الله مختلف ومنفصل عنه لكي يتحد معه أو يحلّ فيه فالمخلوقات فانية فيه متحدة به دائماً وأبداً–أي فناءٌ أزلي- وعلى وتيرة واحدة كما صرّح بذلك كمال الحيدري في كتابه العرفان الشيعي .
المصدر: العرفان الشيعي, الحيدري,ص150.
ويقول حسن زادة آملي: لا شيء موجوداً أصلاً حتى يكون مع الله، لا أن هناك شيئاً وليس مع الله!
المصدر: الإعلان أسرار الفلسفة والعرفان, الشيخ حسن الميلاني, ص14, نقلاً عن در محضر استاد حسن زادة آملي، محسن غرويان ,43.
وكل ما يحدث في هذا العالم من تغيرات هي  تطورات في الذات الالهية! (والعياذ بالله)
يقول محمد حسين الطباطبائي: تقدّم الوجود على الوجود فهو تقدم آخر غير ما بالعلية إذ ليس بينهما تأثير وتأثر ولا فاعلية ولا مفعولية بل حكمهما حكم شيء واحد له شؤون وأطوار وله تطور من طور إلى طور!
المصدر: نهاية الحكمة، محمد حسين الطباطبائي ، 226.
ويقول صمدي آملي: مرادنا عن وحدة الوجود، عينية وجود الأرض ووجود السماء مع وجود الحقّ-الله- المتعال!
المصدر: شرح نهاية الحكمة , صمدي آملي, ص115.
ويقول ابن عربي : إن العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء!
المصدر :فصوص الحكم ،ابن عربي, ص 108.
ويقول حسن زادة آملي: العارف في هذا المقام-أي مقام الفناء في الذات-يرى جميع أنواع الكائنات المختلفة متحدة كما أن الجاهل يحسبها متكثرة...وفي هذا المقام يتحقق بحقيقة التوحيد وكلمة (لا إله إلا الله) الطيبة، قائلاً بلسان الحقيقة (يا هو يا من ليس إلا هو) فإذن لا يبقى له-العارف- ولا للممكنات الأخرى هوية، بل هوية الكل مضمحل ومتلاشٍ في تجلّي حقيقة الحق –الله-!
المصدر : السير إلى الله , حسن زاده آملي, ص164- 165.
فهذه تصريحات واضحة من العرفاء بأنّ كل الكائنات متحدة مع الله -أي وحدة موجود- ولذلك يجب الالتفات إلى محاولات العرفاء الماكرة التي يريدون من خلالها التمويه على المؤمنين لإيهامهم بأنهم لا يعتقدون بوحدة الموجود الكفرية!

إطلاقات لا واقع لها:
٣- يقول السيد منير: الوجود الامكاني... مع الوجود الواجبي...هذان الوجودان اتحدا هذا المعنى من وحدة الوجود كفر ولا يقول به أحد...
وقال أيضاً : فوحدة الوجود بمعنى وحدة الموجود أي أن وجود الإنسان اتحد مع وجود الله عز وجل هذا المعنى مرفوض غير معقول فضلاً عن كونه كفراً وإلحاداً ولا يقول به أحد من الامامية ولا من المسلمين!
أقول: كم أتعجب من السيد منير واطلاقاته العجيبة التي لا واقعية لها فقد ادعى سابقاً أن العرفاء لا يقولون كما قال الحلاّج -ليس في جبتي سوى الله- وقد أثبتنا عكس مدعاه وكذلك هنا أيضاً ادّعى بأن العرفاء لا يقولون بوحدة الموجود بينما هي عقيدتهم! بل نفى أن يكون هو اعتقاد المتصوفة أيضاً وغيرهم بقوله : (ولا يقول به –وحدة الموجود- أحد من الإمامية ولا من المسلمين)!!
فمن خلال هذه التصريحات  التي يطلقها السيد منير الخبّاز أتصوّر-والله العالم- عدم استيعابه لمقامات عقيدة العرفاء فلذلك ينكر اعتقادهم بوحدة الموجود وينكر توافق عقيدتهم مع عقيدة الحلاج! وحاله هنا كحال الملا صدرا الذي ادعى بأن وحدة الموجود عقيدة جهال المتصوّفة مما جعل الخميني يخرجه من مصاف العرفاء الشامخين!
#راجع كتابنا  (إرشاد المصدود إلى رأي السيد الخوئي في وحدة الوجود).

العرفاء يجيبون على السيد منير:
٤- يقول السيد منير: المقصود بوحدة الوجود وحدة الموجود, ومعنى وحدة الموجود أن الوجود الامكاني... مع الوجود الواجبي...هذان الوجودان اتحدا، هذا المعنى من وحدة الوجود كفر ولا يقول به أحد...
أقول : ذكرنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة تصريحات كثيرة عن كبار العرفاء تدل على وحدة الموجود, هذا عدا عن تصريحاتهم الكفرية الواضحة التي ذكرناها  في الحلقة العاشرة كقولهم (ليس في جبتي سوى الله) وقولهم (أنا الحق) وقولهم (سبحاني ما أعظم شأني)! فنترك العرفاء يجيبون على ما ادعاه السيد منير ويفندونه بأنفسهم!
يقول حيدر الآملي : إذا ثبت أنه ليس في الوجود إلا هو, فلا يكون في الظاهر والباطن والأول والآخر عقلاً ونقلاً وكشفاً إلا هو .  وهذا واضح جلي, فحينئذٍ يجوز للعارف بهذا السر أن يقول: ليس في الوجود سوى الله وليس في الوجود إلا الله!
المصدر : جامع الأسرار, حيدر آملي ,ص611, طبعة دار المحجة البيضاء بيروت.
أقول :ويجوز له أيضاً –عندهم- أن يقول: ليس في جبتي سوى الله كما في التصريح التالي!
يقول حيدر الآملي: إعلم أن الفقر هو عدم التمليك مطلقاً حتى عن وجوده وكل شخص يحصل له هذا الفقر على ما ينبغي لا شك أنه يخرج من حكم الوجود الإضافي الإمكاني وإذا خرج من حكم الوجود الإضافي الإمكاني لابدّ وأن يدخل في حكم الوجود الحقيقي الواجبي الكلي لأن الشيء إذا جاوز حدّه انعكس ضدّه, والوجود إما واجبي أو إمكاني والاتصاف بأحدهما ضروري فافهم وحقق معنى قولهم: إذا تم الفقر فهو الله! وأعرف بالحقيقة أن افتخار النبي عليه السلام بالفقر لم يكن إلا بمثل هذا, وسبحاني ما شأني ليس إلا في هذا المقام وكذلك أنا الحق ومن مثلي وهل في الدارين غيري وليس في جبتي سوى الله وأمثال ذلك!!
المصدر : تفسير المحيط الأعظم, حيدر الآملي ,ج2 ص431.
أقول: يعترف الآملي هنا بكل صراحة بأن كل شخص يحصل له هذا الفقر الذي يعني الفناء المطلق في الله, فيخرج من حكم الإمكان –المخلوقات- إلى حكم الواجب –الله- فيصبح هو والله شيئاً واحداً!
ولكي لا تتوهم أنه يقصد شيئاً آخراً جاء لك بنصوص الحلاّج والبسطامي ليؤكد على هذا المعتقد الكافر فقال: (وسبحاني ما أعظم شأني) ليس إلا في هذا المقام وكذلك ( أنا الحق، ومن مثلي، وهل في الدارين غيري، وليس في جبتي سوى الله وأمثال ذلك)!!
فكيف بعد كل هذه النصوص الصريحة والواضحة يسوغ للسيد منير الادعاء بأنه لا أحد من المسلمين يقول بوحدة الموجود؟!
هذا وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
طالب علم
19/شهر رمضان المبارك/ 1436 هـ

لله ثم للضمير وقفةٌ مع السيد منير " الحلقة الثانية عشر"





لله ثم للضمير وقفةٌ مع السيد منير
" الحلقة الثانية عشر"


كيف قسّم السيد منير بحثه؟
في محاضرة بعنوان (أبعاد نظرية وحدة الوجود) قسّم السيد منير الخبّاز معاني وحدة الوجود إلى خمسة معانٍ, وقال بأن بعضها صحيح وبعضها غير صحيح, ثم شرّح كل نوع من هذه المعاني وصححها كلها ماعدا القول بوحدة الموجود حيث اعتبره كفراً ولا قائل به من المسلمين!
وقد رأينا تقسيم تعليقنا على هذه المعاني إلى خمس حلقات نناقش فيها كل معنى على حدة, وفي هذه الحلقة سنناقش بإذن الله تعالى المعنى الأول من تلك المعاني.

مادة البحث:
كعادتنا في التوثيق نعرض أولاً محتوى المقطع المرئي لكلام السيد منير ونفرّغه نصياً ثم نعلّق عليه:


١- يقول السيد منير الخبّاز: عندما يقال لدى العرفاء أو علماء العرفان مصطلح وحدة الوجود, فما هو المقصود بوحدة الوجود, هذا المصطلح طرحت له عدة معاني بعضها مقبول, بعضها مرفوض. المعنى الأول أن يكون المقصود بوحدة الوجود وحدة حقيقة الوجود, بيان ذلك: الوجود معناه هو الثبات والتشخّص والتحقّق. التحقق هو الوجود والتشخص هو الوجود فيقال بأن جميع الموجودات متحدة في حقيقة الوجود نظير الاتحاد في حقيقة النور, مثلاً عندما نتحدث عن الأنوار, ما هو الفرق بين نور الشمس ونور المصباح؟ لا فرق بين نور الشمس ونور المصباح في حقيقة النور, النور هو ماكان ظاهراً بنفسه مظهراً لغيره, حقيقة النور واحدة سواءً كان النور نور المصباح أو نور الشمس الحقيقة واحدة والمعنى واحد إنما الاختلاف بين نور المصباح ونور الشمس اختلاف بالدرجة فقط وإلا الحقيقة واحدة, نور الشمس أقوى وأكثر شعاعاً من نور المصباح وإلا في حقيقة النور هما شيء، واحد نور المصباح ونور الشمس حقيقة واحدة الفرق بينهما بالدرجة, درجة الضوء في الشمس أقوى شعاعاً من درجة الضوء في نور المصباح, هنا أيضاً من يقول بوحدة الوجود بهذا المعنى يقول الله تبارك وتعالى له وجود، الانسان له وجود كلاهما متحد في حقيقة الوجود إنما الاختلاف بالدرجة، درجة الوجود, الإنسان موجود والله موجود متحدان في حقيقة الوجود معنى الوجود ماهو ؟ هو التحقّق, الله متحقق والانسان متحقق إنما درجة الوجود عند الإنسان درجة محدودة مشوبه بالعدم مشوبه بالظلمة بينما وجود الله عز وجل وجود لا يحدّه عدم ولا تشوبه ظلمة فالفرق بين الوجودين اختلاف في الدرجة وليس اختلافاً في الحقيقة كالاختلاف بين درجات النور حيث أن هناك نوراً للشمس أقوى من نور المصباح. هذا المصطلح الأول لوحدة الوجود, مامعنى وحدة الوجود؟ هذا المعنى الأول لهذا المصطلح ولهذه النظرية وقد طرحه جمع من الفلاسفة.

وحدة الوجود قياس باطل:
ما تحدّث عنه السيد منير في الجزء المزبور  هو "وحدة الوجود" وقد بحثناها مفصلاً وقلنا بأنّ هذا القول باطل فإنّ وجود الله تعالى هو عين ذاته, وأما نفي العدم فلا يلزم منه القول بالاشتراك المعنوي في الوجود, الوجود الذي يعني نفي العدمية نثبته لله تعالى من جهة الفاعلية وهذا يكفي.
وجود الله تعالى هو عين ذاته سبحانه وإنّ الله تعالى لا يشبه خلقه بأن يكون ذاته شيء ووجوده شيء آخر! تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.
وأما مثال النور الذي عرضه السيد منير لا يجوز  تطبيقه على الله سبحانه وتعالى, بل حتى على الموجودات الممكنة لا يمكن انطباقه دقياً حيث أنّ بعض الموجودات وإن كانت تشترك معنا في معنى الوجود على نحو التحقّق فإنها سبقتنا في زمان التحقق ولذلك لا وحدة على النحو الدقي بين وجودنا ووجودها. فكيف بالخالق جلت قدرته؟!
إنّ وجود الله تعالى يختلف عن وجودنا, فوجود الله عين ذاته وذات الله فوق أن تُوصف أو تُقاس بالمخلوق, بمعنى أنّه ليس وجود الله شيء وذاته شيء آخر كما نحن البشر.
أنا بوصفي بشراً وجودي في الكون يعني أني أشغل حيزاً, فذاتي شيء, ووجودي شيء آخر, فوحدة الوجود قول من لم يعرف الله تعالى فكأنما جعل وجود الله شيئاً وذاته شيئاً آخر تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.

وجود الله عين ذاته:
٢- يقول السيد منير : هنا أيضاً من يقول بوحدة الوجود بهذا المعنى يقول الله تبارك وتعالى له وجود الانسان له وجود كلاهما متحد في حقيقة الوجود إنما الاختلاف بالدرجة درجة الوجود, الإنسان موجود والله موجود متحدان في حقيقة الوجود معنى الوجود ماهو هو التحقق الله متحقق والانسان متحقق إنما درجة الوجود عند الإنسان درجة محدودة مشوبه بالعدم مشوبه بالظلمة بينما وجود الله عز وجل وجود لايحده عدم ولا تشوبه ظلمة فالفرق بين الوجودين اختلاف في الدرجة وليس اختلافاً في الحقيقة كالاختلاف بين درجات النور حيث أن هناك نوراً للشمس أقوى من نور المصباح...

أقول: هذا القول باطل كما بيّنا فإنّ وجود الله يختلف عن وجودنا, وجود الله عين ذاته وذات الله فوق أن تُوصف أو تُقاس بالمخلوق! , بمعنى أنّه ليس وجود الله شيء وذاته شيء آخر كما نحن البشر، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا..
هذه هي وحدة الوجود وذلك الكلام في (العمق) ترد عليه إشكالات ويفنّده كلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال: (الذي لما شبّههُ العادلون بالخلق المُبعّض المحدود في صفاته، ذي الأقطار والنواحي المختلفة في طبقاته، وكان عز وجل الموجود بنفسه لا بأداته، انتفى أن يكون قدروه حق قدره فقال تنزيها لنفسه عن مشاركة الأنداد وارتفاعاً عن قياس المقدرين له بالحدود من كفرة العباد: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
المصدر: التوحيد, الصدوق, ص55.
فقوله عليه السلام (وكان عز وجل الموجود بنفسه لا بأداته) أي لما شبهه الجاهلون به بالمخلوق ذي الصفات الماضي ذكرها في كلام المولى عليه السلام، وكان عز وجل بخلافها حيث أنه موجود بذاته عز وجل لا بأداته, بمعنى أنه تعالى لا يحتاج إلى الوسائل التي هو سبحانه خالق لها كالمكان والزمان والأجزاء وهي أدوات ووسائل للمخلوق, والخالق غني عنها فوجوده تعالى وجود قائم بذاته منزّه عن الاحتياج للأداة، وكان تعالى بخلافها لأنّ وجوده تعالى قائم بذاته لا بأداته فقد انتفى عنهم مقام المعرفة الحقة لله تعالى, والتقدير بمعنى التوقير والتعظيم لله تعالى.
إنّ وجود الله مغاير لوجود خلقه ولكن القول بوحدة الوجود يمكن حمله على الجهل بعظمة الله تعالى ونقص العلم وبساطة وسذاجة الفكر لدى من يقول بذلك.
إن حقيقة وجود الله تعالى لا يمكن إدراكها عقلاً لاستحالة إدراك كنهه جل وعلا، وهذا هو الموافق للأخبار والآثار، وإلا كان ذلك إحاطة به من الممكن، وهو أمر لا يمكن أن يقع كما لا يخفى، فالله محيط بالممكنات من كل الجهات إحاطة قدرة وعلم، ومنها الوجود بما هو وجود، فهو ممكن مخلوق له تعالى شأنه.
وليس قولنا: "الله موجود" إلا إثبات حقيقة مجهولة الكُنه خارجة عن حد التعطيل وحد التشبيه.
أما أهل الزيغ من الفلاسفة والعرفاء فإنهم لنفيهم غيرية الوجود بين الواجب والممكن فقد شبّهوا ومثّلوا الله تعالى بخلقه في هذه الصفة إذ جعلوا حقيقة وجوده نفس حقيقة وجود خلقه! وهذا باطل عقلاً كما مرّ كما أنه باطل شرعاً، فقد قال مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه: (ولا حقيقته أصاب من مثّله، ولا إياه عنى من شبّهه)
المصدر :التوحيد للصدوق ص35.
وقال مولانا الصادق صلوات الله عليه: (من شبّه الله بخلقه فهو مشرك، إن الله تبارك وتعالى لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء، وكل ما وقع في الوهم فهو بخلافه)
المصدر: التوحيد للصدوق ص80.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: (وتنزّه عن مجانسة مخلوقاته وجلّ عن ملائمة كيفياته) وفي شرحها يقول العلاّمة المجلسي رحمه الله: (تَــنَــزّهَ) أي تباعد وتقدّس (عن مجانسة مخلوقاته) أي أن يكون من جنسها إذ لا يشاركه شيء في المهيّة.
المصدر : بحار الأنوار , العلامة المجلسي, ج84 ص344.
ولآل رسول الله عليهم الصلاة والسلام أحاديث كثيرة يثبتون فيها (الهيمنة) المطلقة لله تعالى على مخلوقاته مقترنة (بالغيرية) لا الوحدة, فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): (إِنَّ اللهَ خلوٌ من خلقِهِ، وخلقُهُ خلوٌ منه، وكلُ ما وقع عليه شيءٌ ما خلا اللهَ فهو مخلوقٌ، واللهُ خالقُ كلَّ شيءٍ، تبارك الذي ليس كمثلِهِ شيءٌ وهو السميعُ البصير)
المصدر : الكافي , الكليني, ج1 ص82.
وقال عليه السلام أيضاً: (هو بائن من خلقه، محيط بما خلق علما وقدرة وإحاطة وسلطانا، وليس علمه بما في الأرض بأقلّ مما في السماء، لا يبعد منه شيء والأشياء له سواء علما وقدرة وسلطانا وملكا وإحاطة).
المصدر: بحار الأنوار، ج3 ص323؛ عن التوحيد.
وقال عليه السلام أيضاً: (فرداني لا خلقه فيه ولا هو في خلقه)
المصدر: الكافي الشريف،الكليني, 1ج ص91.
وقال عليه السلام أيضاً: (إنه لا يليق بالذي هو خالق كل شيء إلا أن يكون مبائنا لكل شيء، متعاليا عن كل شيء، سبحانه وتعالى).
المصدر: بحار الأنوار،المجلسي, 3ج ص148.
وقال عليه السلام أيضاً: (هو واحد، أحدي الذات، بائن من خلقه... محيط بالأشراف والإحاطة والقدرة... بالإحاطة والعلم لا بالذات).
المصدر: بحار الأنوار، المجلسي ,ج3 ص323؛ عن التوحيد.
وقال الإمام الرضا عليه السلام: (كنهه تفريق بينه وبين خلقه).
المصدر: بحار الأنوار، المجلسي, 4ج ص 228.
وقوله عليه السلام أيضاً: (كل ما يوجد في الخلق لا يوجد في خالقه، وكل ما يمكن فيه يمتنع في صانعه).
المصدر: بحار الأنوار، المجلسي,  ج4 ص230.
فمن خلال هذه النصوص المعصومية نفهم أنه لا وحدة إطلاقاً بأي وجه من الوجوه بين الله سبحانه وتعالى ومخلوقاته.
هذا وصلى الله على محمد و آله الطيبين الطاهرين.
15/شهر رمضان المبارك/ 1436 هـ
ذكرى مولد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام
طالب علم